|
ما أهنأ الحياة حين تسير خالية من
مشاعر الكراهية والبغض، وتمضي خالية من
تدابر وتشاحن وتقاطع؛ حين نخلي الحياة من
"الدنيا" تصير أرفع بكثير من مجرد
صفقة أخذها صديق فقاطعناه، أو ميراث أكله
قريب فأبعدناه أو حتى اعتدى عليه أحد
فعاديناه.
والمجتمع من حولنا مليء بصور
متباينة ومتغايرة، لا يجمعها سوى أنها
تنتهي بتشاحن وتباغض وعراك بين أطرافها.
وكم من رجل لاقى قريبًا أو صديقًا - طالت
بينهما الجفوة ومزقتهما الدنيا، مما زاد
أنه أشاح بوجهه عنه، ولم يحتد عليه
بالسلام. ما أقسى الحياة حين تكون هكذا،
نعادي هذا ونتربص بذاك، ونقطع هذا ونقصي
ذاك.
المرء لا يعيش وحده
أنت لست وحدك ولا يمكنك أن تعيش
وحدك في هذه الحياة، هذا ما يجب علينا أن
ندركه؛ لأن الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه،
والقرآن يدرك هذه الحاجة وينمّيها فيجعل
من آيات الله خلق الزوج للسكون إليه
وممارسة هذه الحاجة الاجتماعية على نطاق
أضيق "والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا"،
ثم يوسع تلك الدائرة ليعلمنا كيف نتعايش
في مجتمع أكثر تنوعًا وتعددًا "وجعل لكم
من أزواجكم بنين وحفدة"، وتعلمنا أن
الله قد منحنا أسباب الثبات المادي في هذا
المجتمع "ورزقكم من الطيبات".
ثم يعرض لنا صورة قد تتعارض فيها
النفوس تبعًا لما قد جلبت عليه من الأثرة
والشح "والله فضَّل بعضكم على بعض في
الرزق"، ولأن هذا التفضيل الرباني
الخالص قد يكون سبب تقاتل الناس وتناحرهم
حقيقة أو مجازًا وقد يكون سببًا -عند ضعاف
النفوس- في استهلاك أوقاتهم في الحقد على
إخوانهم، فإن القرآن ينزع فتيل تلك الأزمة
ويخفف من ويلات تلك الأزمة ويخفف من ويلات
هذا التفاوت المادي، ويشير إلى حكمة إلهية
أعمق من أن يدركها المرء ويبرئ أصحاب
النعمة أنفسهم من أن يكونوا سببًا في ذلك
كي لا تقع بينهم وبين إخوانهم خصومة. "فما
الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت
أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون"
(النحل: 71).
وللحياة التي نعيشها حقوق
وواجبات وعلاقات معقدة لا تنتهي
تعقيداتها، وهذا يؤدي بالناس وقد تعلقت
نفوسهم بالدنيا ولم تَعُد ترى سواها - أن
يتصارعوا ويتقاتلوا من أجل أمور أتفه ما
تكون في عيون أصحاب النفوس العالية
والأخلاق الرفيعة واليقين الصادق. هذا
التصارع يؤدي بالأخ أن يقاطع أخاه بعد
موته فكم من رجل يرقد على سرير الموت يصارع
سكراته ويقبل على مولاه ينطلق لسانه
موصيًا أولاده "إذا أنا مت فلا تدع عمك
فلانًا يدخل عليّ ولا يمشي في جنازتي"،
وكأنه يأبى إلا أن يقبل على الله في آخرته
مصحوبًا بخصومة هذا القريب معلقًا بوزر
قطعه ومحملاً بإصر جفائه. حال هذا كما قال
القائل:
إذا أنا مت فاحرقن رفاتي ...
واحملنه بحكمة وأناة
ودع الخلق والوجود جميعًا ... وأتِ
أرضًا قد جردت من حياة
ثم ضعني في وحشة وسكون ... وامضِ من
دون أي التفات
أنا قد عشت غايتي وحيدًا ... ليس
بيني وبينكم من صلات
فساد البين.. فساد الدين
إن أصحاب النفوس الضعيفة هم
الذين يرون الحياة صفقة تجارية يكسبون
فيها آلافًا أو ملايين، وهم الذين يقيسون
كل شيء بالدولار أو بالجنيه. أمثال هؤلاء
قد فسدت نفوسهم واضمحلت في قلوبهم نوازع
الإنسانية الطيبة حتى صارت لا ترى. والنبي
الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كان شديد
الحرص على أن يبين لهؤلاء ما عليهم من ضرر
وما هم فيه من خطر شديد فعلّمنا أن فساد
ذات البين هي الحالقة، لا تحلق الشعر
وإنما تحلق الدين.
وعمق هذه الرسالة ينبع من كونها
توضح أن عقيدة هؤلاء مهزوزة؛ إذ إن
البراءة من أحد لا تكون إلا إذا حاربنا في
ديننا أو ظلمنا في ممارسة شعائره أو
خالفنا في معتقداتنا مع بُغض وكراهية وحرب
ظاهرة، حينئذ تكون هذه البراءة حقيقة
إيمانية تعكس قوة عقيدة المرء وارتباطه
بربه، ولا يكون الثأر فيها لنفس المرء ولا
لشهوته ولا حظ نفسه، وإنما يكون التعامل
موزونًا بمقاييس الحب في الله والبغض فيه،
وقدوتنا في هذا أصحاب إبراهيم عليه السلام
حين قالوا لقومهم "إننا برآء منكم ومما
تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا
وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى
تؤمنوا بالله وحده".
أما أن يكون فساد العلاقات
الاجتماعية والتخاصم والتدابر والتقاطع
مؤسسًا على أن أي سبب دنيوي آخر فإن ذلك
إما نتاج عن ضعف دين أو قلة حيلة. لا تقل لي
قريبي هذا غير ملتزم وأنا أقاطعه لذلك فإن...،
وأين الصبر عليه والعمل على دعوته بالحسنى
وتأليف قلبه.
ولا تقل لي إن قريبي بدأني
بالجفاء وصديقي ظاهر لي العداوة، أكل حفي
وأخذ مالي واعتدى على ما عندي فتلك علامة
التعلق بالدنيا والتقوقع داخل حدود النفس
الضعيفة التي غابت عنها قيم الصفح
والتغافر والعفو والرحمة وسيد قطب رحمه
الله قد كتب "شيء من الرحمة على أخطائهم...
شيء من العفو... شيء من الحنو عليهم...".
والحكيم هو من يعفو والمؤمن صنو
الصفح بادئ بالخير والله يرغبنا: "وليعفو
وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم".
سامح أخاك إذا خلط منه الإساءة
بالغلط
وتجاف عن تقصيره إن ساء يومًا أو
قسط
واعلم بأنك ما أردت مهذبًا رمت
الشطط
من ذا الذي ما ساء ومن له الحسنى
فقط
حينما تصفو القلوب
"الصوم حرمان مشروع، وتأديب
بالجوع" هكذا قال الحكماء عنه، ولأنه
تهذيب بالجوع فهو يعلمنا أن الدنيا مهما
عظمت فهي دنيا، فلا مكان في حياة عاقل
ليصارع عليها. ولأنه تهذيب بالجوع، فهو
يعلمنا أن نستعلي على شهوات أنفسنا
وأنانيتها، وأن ننزل عن كبريائنا إلى قيم
التسامح والتغافر، فالكبير هو الكبير
بفعله، الكبير هو الذي يستطيع أن يتحكم في
كبره ويذهب لأخيه يمدّ يده إليه مصافحًا
ومعاتبًا ويقول: يا أخي هذه يميني أمدها
إليك، وهذه نفسي خلفتها وراء ظهري وأتيتك
أقدم الود، إن كان لي حق عندك، فلا حق لي
اليوم سوى ودك، وإن كان لك حق عندي فخذ ما
تشاء كما تشاء: "من كنت جلدت له ظهرًا
فهذا ظهري، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا
مالي".
ولأنه شهر الصفو فلا بد أن تصفو
الحياة في رمضان ويتغير مناخها العام عما
يسري على بقية العام. في رمضان يتفرغ المرء
لعبادة الله فيصفي قلبه ويطرح عنه شواغل
الدنيا، ويقبل على الله ناصعًا لا بغضاء
تفسد دينه ولا تدابر يشوّه قلبه؛ لأن الله
لا يقبل في رحابه سوى الأصفياء.
رمضان شهر الوداد وربيع الأخوة
الإيمانية، وأنّى لأخوّة أن تقوم بين من
تقاطعا أو تقاطعوا أو فسد ما بينهم. كيف
والنبي يدعونا إلى التعبد لله بهذه الأخوة
الإيمانية الصافية: "لا تقاطعوا ولا
تدابروا ولا تناجشوا وكونوا عبادًا الله
إخوانًا... المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا
يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في
حاجته، ومن نفَّس عن مسلم كربة من كرب
الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم
القيامة".
إن إصلاح ذات البين هو الثمرة
الحقيقية للصيام، بل هو الدرجة التي تفوق
الصلاة والصيام ففي الحديث: "ألا أخبر
أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟"
قالوا: "بلى". قال: "إصلاح ذات البين..
وفساد ذات البين هي الحالقة"، وعنه
أيضًا: "أفضل الصدقة إصلاح ذات البين".
بل إن هذا الإصلاح يسوغ للساعي
فيه أن يجافي الحقيقة التي تفسد العلائق
وتزيل المودة. ففي الحديث: "ليس بكذاب من
أصلح بين اثنين فقال خيرًا".
إن النفوس حين تعلو على الدنيا
وعلى مصالحها الفانية، ترى سعادتها في صلة
الآخرين وترى شقاءها في فساد علاقتها بهم.
حينئذ، تتضاءل كل المنافع وتنكمش كل
الملذات أمام لذة الأخوة في الله والتواصل
فيه والتحاب عليه ومن أجله.
والله قد خاطب المؤمنين أن
يترفعوا عن غنائم الحرب وأن ينشغلوا بما
هو أنفع وأجدي: "يسئلونك عن الأنفال قل
الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا
ذات بينكم".
ما أجمل النفس الإنسانية إذا صفت
وصلحت، وما أجمل القلب إذا برئ من علله
المتنوعة من حقد وضغينة وأثرة وفساد...
حينها نعيش رمضان ونتمنى أن تكون السنة
كلها رمضان ونهتف مع الهاتفين:
يا مرحبًا بك كل عام
يا مرحبًا شهر الصيام
يا ليت يا شهر الهدى
لو تستمر على الدوام
وتكون شهرًا كل شهر
ليس شهرًا كل عام
فاللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح
ذات بيننا...
|