Ramadan - الرئيسية

 

 
بحث متقدم 

آخر تحديث: الثلاثاء 29 رمضان 1426-12:00 مكة


مقومات الإصلاح المنشود*

د.عبد الرحمن البر** 19/10/2005

لو أردنا أن تُلخصَ رسالة الأنبياء أجمعين في كلمتين اثنتين لقلنا : هي رسالة الإصلاح.

أولا: رسالة الإصلاح المحمدية:

إن أهم ما يميز الإصلاحَ في رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها جاءت لإصلاح الدين والدنيا والآخرة، كل المصلحين جاءوا ليصلحوا جهة من هذه الجهات لكن رسالة الإصلاح التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست كذلك؛ بل جاء صلى الله عليه وسلم ليقول: إنه لا صلاحَ للبشرية إلا بتكامل جوانب الإصلاح.

ثانيا: إصلاح النبي صلى الله عليه وسلم متوافق مع إصلاح الأنبياء من قبله:

فهذا سيدنا شعيبٌ يقول: "إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ". وهذا سيدنا موسى قال لأخيه هارون : "اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ". وهكذا توالت الرسل، يأتون كلما حاد الناسُ عن درب الإصلاح وبدأ الفسادُ يُطِل بقرونه، جاء الرسول صلى الله عليه وسلم يُصلح هذا الفساد، وهكذا توالت الرسل، حتى جاء خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم ليقومَ بهذه الرسالة.. رسالة الإصلاح.

ثالثا: الإصلاح فطرة إنسانية:

الإصلاح فطرةٌ إنسانيةٌ نُمارسه بصورةٍ طبيعيةٍ في كثير من شئوننا، فالطبيعة البشرية جاءت لإعمار الأرض وما معنى الإعمار إلا الإصلاح؟!

رابعا: الإفساد في الأرض بزعم الإصلاح:

"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ". والعجيب أن هذه النوعية التي خالفت الفطرة وخالفت الطبيعة وخالفت الشريعة ترى أن من أوجب واجباتها تحريض جماهير الأمة على دعاة الإصلاح: " وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبهُ إِني أَخَافُ أَن يُبَدلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ".

خامسا: الإصلاح الحقيقي شرطٌ لعدم التعرض للهلاك:

"وَمَا كَانَ رَبكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ" "هود: 117"، إذا تخلوْا عن هذا الشرط وهو شرط الإصلاح فإنهم سيتعرضون للهلاك..

سادسا: الإصلاح شرط لقبول التوبة:

حينما يدعو القرآن المخطئين إلى التوبة، فيُعلن الحق جل وعلا أنه لا يقبل التوبةَ بمجرد إعلانٍ لفظي وإنما يشترط على كل تائب من كل ذنب أن يُحدث إصلاحا، مثلما مارس الإفساد بالذنب " فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِن اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِن اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " قضية واضحة في كل آيات القرآن "كَتَبَ رَبكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرحْمَةَ أَنهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُم تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" فإذا وقعتَ في إفساد أيا كان وأردت أن تتوب لا بُد أن تُمارس إصلاحا كما مارست إفسادا.

سابعا: الإصلاح عنوان الأمة الأساسي:

جاءت الرسالة الخاتمة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لتجعل الإصلاح عنوانها الأساسي، والمسلمُ لا يُعَد مسلما إلا إذا بدأ بممارسة هذه العملية: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمةٍ أُخْرِجَتْ لِلناسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ" الخيرية لا تحصل إلا بالحركة نحو الإصلاح، ولا معنى لخيرية الأمة إلا إذا كانت تحمل مشروعا إصلاحيا مستمرا "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصلاةَ وَيُؤْتُونَ الزكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ".

ويُبشر النبي صلى الله عليه وسلم الذين يحملون رسالة الإصلاح من بعده ويَتصدى لهذا الإفساد فيصلحه فيقول: " فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ الناسُ بَعْدِي مِنْ سُنتِي".

ما هي مقومات الإصلاح الناجح؟

1- الإصلاح لا بد أن ينطلق من منطلق إيماني عقدي:

الإصلاح الذي ينطلق من منطلقات قرآنية ويرتكز على مرتكزات عقدية هو الإصلاح الحق، ولهذا كان اهتمام الإسلام أولا بإصلاح النفوس وتصحيح العقائد باعتبار الإصلاح العقدي منطلق الإصلاح الناجح.. وأي مشروع إصلاحي يريد أن ينجح لابد أن يبدأ بهذه القضية فالنفس إذا استقامت على منهج الإصلاح فإنها تتحرك وتتبين وستستجيب لأي توجيه، أما إذا بقيت النفوس على فسادها، فلا القانون سيصلح، ولا إصلاح الاقتصاد سيأتي بنتيجة.

2- أن يتبنى رسالة الإصلاح الصالحون:

لا يمكن أن يحمل مشروعَ الإصلاح الناجح إلا الصالحون، الذي يرى صاحبُه أنه يعمل ما يعمل لله، وأنه يقوم بما يقوم به لكونه يحمل رسالة يُحاسَب عليها وسيسأل عنها، فإذا تخيلت أن مشروعات الإصلاح يمكن أن يتبناها فلان أو فلان ممن لم تصلح نفسه.. فأنت واهم.. لا يمكن هذا، كيف والله تعالى يقول : " إِن اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ "

3- أن يبدأ صاحب المشروع الإصلاحي بنفسه وبمن حوله:

فلا بُد لحامل المشروع أن تكون حياتُه واضحة للأمة؛ لذلك يقول سيدنا شعيب لقومه وهو يدعوهم "وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" فإذا أردنا أن نقوم بعملية إصلاح.. فلا بد أن نظهر بوضوح أمام الناس ونظْهِر الإصلاح في نفسنا وأهل بيوتنا، يقولون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أهم جوانب العظمة في سيرته أن حياتَه كانت مكشوفة للشمس، لأنه ليس عنده ما يُعَاب به.

4- أن يراعي المشروع الإصلاحي طبائعَ الناس وأحوالَ الزمان:

فالمشروع الإصلاحي الناجح هو المشروع الذي يراعي طبائع الناس، ولا يحمل الناس على الحق مرة واحدة لأن الناس لا يحتملون، لكنه أيضا لا يبطئ في تدرجه البطء القاتل، إنما يتحرك بما يناسب حال الأمة ومصلحة الأمة؛ وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا كان المصلحون من بعده.

5- أن يكون الإصلاح شاملا لكل مجالات الحياة:

لأن الإنسان وحده واحدة، لا تستطيع أن تفصل جانبا منه عن جانب، لا تستطيع أن تجعل الإنسان مؤمنا في جانب أو مصلحا في جانب ومفسدا في الجانب الآخر، وهكذا إذا فكرت في إصلاح سياسي واقتصادي وتركت الأخلاق وتركت أجهزة الإعلام تملأ الدنيا دعوة إلى الرذائل، ستجد النفسَ الفاسدةَ تنقض على كل هذا.. ستجد السارق والزاني وآكل الرشوة وآكل الربا.. وستجد كل المظالم والمفاسد قد حصلت في الأمة، إذا لكي ينجح المشروع لابد أن يكون شاملا لكل مجالات الحياة؛ لابد أن يشمل مجال الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والتعليمي والإعلامي؛ لكي تكون الأمة حاملة لمشروع واحد ومتعاونة في تحقيقه، وعندئذ يكتب الله تبارك وتعالى له النجاح.

6- أن يقوم على إقناع الأمة بجدواه وعدم إكراه الأمة عليه:

إذا لكي ينجح المشروع الإصلاحي، فلا بد أن يقدم المشروع إلى الأمة حتى تقتنع الأمةُ بجدواه وأن تدرك قيمته؛ حتى يشارك الأفراد بإيجابيةٍ في هذا المشروع، ولا يفرض على الناس فرضا ولا يُكْرَه الناسُ عليه، فهذا هو الذي يجعل الأمة تشارك وتساعد، أما أن تَسُوقَ الأمةَ سَوْقا أن تضحي من أجل مشروعٍ لم تقتنع به ولم تؤمن به ولم تعرف جدواه؛ فلا بد أن يقع الفساد في الأرض، ولا بد أن يسقط مثل هذا المشروع.

7- أن تكون بوابته الحرية ومنهجه الشورى وسنده العدل:

لا يمكن أن ينجح مشروع إصلاحي في ظل استبداد، بل لا بد من الحرية، ولا بد أن تعبر الأمة عن رأيها بكل حرية، ولا بد أن يقوم المشروع الناجح على الشورى، فلا رأي لخائف، ولا عقل لمستعبد؛ لأنه حين يشيع الاستبداد يكون عقل الأمة عند حذاء المستبد، لا تفكر، وحتى لو فكرت، فالخائف إذا فكر يكون تفكيره مرتعشا ورأيه يكون مشوشا، إن مدخل الإصلاح الناجح هو الحرية، ومنهج الإصلاح الناجح هو الشورى، وعماد الإصلاح الناجح هي العدالة.

8- اعتبار وحدة الأمة صمام الأمان لمشروع الإصلاح:

فلا يعمل المشروع الإصلاحي الناجح لصالح فئة، ولا يصوغ قوانين لصالح فئة ولا طائفة ولا حزب ولا مذهب، إنما يصوغ للأمة كلها ويعتبرها وحدة واحدة، حتى غير المسلمين: "لا يَنْهَاكُمْ اللهُ عَنْ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَروهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ "، فحينما يأتي مشروع ويكون تركيزه بأن يفرق بين الطوائف، فتحس فئة أنها مستفيدة من هذا المشروع وفئة أخرى بأنها متضررة فحتما ستقوم الحروب وتثور المشاكل ويزيد الشقاق.

9- أن تشارك فيه الأمة كلها بكل أفرادها وطوائفها:

لا نجاح لمشروع الإصلاح الذي يريد نقل الأمة إلى مصاف الأمم المتقدمة إلا حينما يدرك كل إنسان أن عليه دورا وأن عليه واجبا، أما حينما تتقوقع الأمة، ويهتم كل فرد بنفسه، ولا يهمه أن يرى فسادا قائما، ولا يشغله أن يقوم عوجا فسوف تغرق السفينة بمن فيها، فلا بد أن تعمل الأمة كلها؛ لذلك جعل الله تبارك وتعالى فريضة الإصلاح على الناس أجمعين.

10- أن يكون دمُ المسلم وعِرْضُه خطا أحمرَ لا مجالَ للاقتراب منه:

إن منهج الإصلاح الناجح منهجٌ سلميٌ يؤثر اللينَ والكلمةَ الطيبةَ، حتى إذا اعْتُدي على صاحبه فإنه يصبر ولا يثير فتنا بين الناس، ولا يعتدي على أموال الناس ولا على أعراض الناس، المنهج الإصلاحي الإسلامي يعتمد على عدم الإثارة أو إحياء الفتن أو تجريح الأشخاص أو الهيئات أو قتل الناس أو إصابتهم بأي أذى.

هذه مقومات الإصلاح الناجح، وهذا هو مشروع الإصلاح الإسلامي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل تابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة، عليه أن يحمل هذا المشروع ويبشر به الأمة، ويدعو الناس إليه، وما لم نحمل قضية الإصلاح كلنا، حكاما ومحكومين، أفرادا وجماعات، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، فإن الهلاك قادم لا محالة، قال الله تعالى : "وَمَا كَانَ رَبكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ" وقال: "وَالذِينَ يُمَسكّونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصلاةَ إِنا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ".


* اختصار بحث "مقومات الإصلاح المنشود" د.عبد الرحمن البر.

** أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر.



من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع