|
وقفت
على كلمة حكيمة لأحد الصالحين يقول فيها
لأصحابه: "ميدانكم الأول أنفسكم فإن
انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر وإن
انهزمتم أمام أنفسكم كنتم عن غيرها أعجز".
إذا
كنا نريد حقا لأمتنا المجد والنصر
فلنبدأ بأنفسنا نربيها على الجدية
ومعالي الأمور حتى نستطيع أن نواجه
العالم بعد ذلك.
والشباب
هم أشد الناس حاجة لقيمة "الجدية"،
وهم الأولى بأن يربوا أنفسهم عليها؛ لأن
الجدية حماية للأمة وشبابها من
الانحراف، ولأن مقابل الجدية هو:
الميوعة والتفاهة واللامبالاة، وهذا
بداية الانهيار الطبيعي لأي أمة.
إحصائيات
وأبحاث
لقد
وقفت على معلومة مهمة يجب أن نتفهمها
وهي: أن نسبة الشباب في الوطن العربي
حوالي 70% من عدد السكان... أما نسبته في
المجتمعات الأوربية فهي 20 - 30%، هل
تعلمون معنى هذه النسبة؟.
معناها:
أن الحيوية في القرن القادم لنا، لكن
بدون جدية فإن هذه النسبة 70% لا تساوى
نسبة 20% الجادة.
ونلاحظ
كذلك أن الطفولة: صحة بلا عقل،
والشيخوخة: حكمة بلا قوة، فمن الذي يملك
العقل والقوة معا؟ إنهم الشباب، إنهم
أغلى وأثمن ما تملكه أي أمة؛ أغلى من
البترول والأراضي القابلة للزراعة
والسياحة، أغلى ثروات أي أمة شبابها،
وإذا أردت أن تدرك قوة أي أمة أو ضعفها
فانظر إلى شبابها...
إن
علماء الاجتماع يحددون مدى تواجد أي أمة
على ساحة العالم بمقدار القوة والضعف،
عن طريق قياسات مدروسة عن الشباب، وقد
نسمع مثل هذا الكلام أحيانا: أن الفترة
القادمة ننتظر ظهور البلد كذا على
الساحة كقوة اقتصادية والبلد الآخر
كقوة علمية وتكنولوجية.. هذا يحدث
وسمعناه بالفعل وسنسمعه، وهذا ليس
تنجيما؛ بل دراسات متخصصة تعتمد
اعتمادا كليا على درجة الحيوية والجدية
لدى الشباب، من هنا يستطيع البعض أن
يقول: إن هذه الدولة ستنضم إلى قائمة
الدول الكبرى بعد 10 سنوات مثلا، أو يقول:
لا ولا بعد 100 سنة... لماذا؟ لأنهم وجدوا
اهتمامات شبابها غير جدية.
من
هنا نبدأ
تعالوا
نبدأ ولا داعي أن نلقي التهم على بعضنا
البعض، هيا نُغيِّر ونتغيَّر؛ فأعداء
الأمة إذا أدركوا فينا الجد هابونا وإذا
رأوا فينا الهزل تجرءوا علينا، فلقد ظلت
الأندلس مسلمة 800 سنة، ومن لحظة دخول
المسلمين إليها والبرتغال يحاولون
الاندساس بينهم للقضاء عليهم، فماذا
كانوا يفعلون؟ كانوا يرسلون جواسيسهم
بين الشباب المسلم ليتفقدوا أحوالهم
فكلما وجدوا اهتماماتهم عالية بين
التدارس والرياضة والتنافس في إعلاء
الهمة، تركوهم وعادوا، وظلوا يحاولون
ولا ييئسون حتى جاءت المرحلة المطلوبة (بداية
الانهيار الطبيعي لأي أمة) تفاهة شبابها
وضحالة اهتماماتهم... دخل أحد الجواسيس
إلى الأندلس فوجد شابا يبكي بحرقة فلما
سأله عن السبب عرف أن له صاحبة قد هجرته!!!
فرفع تقريره إلى قادته: "الآن
ستهزمونهم" وأبادوا المسلمين في
شهرين وأخرجوهم تماما بعد 800 سنة.
جديتنا
المفقودة
إن
حالنا ينقصه الكثير والكثير؛ فالجدية
أصبحت صفة مفتقدة في حياتنا ساهم في
فقدانها الكبار من حيث لا يعلمون:
•
هل يعلم المدرس الذي لا يشرح في الفصل
ويرى التلاميذ تخرج وتهرب من المدرسة
أنه يقتل الأمة؟.
•
هل يتصور أولياء الأمور ما يفعلونه
بأنفسهم وأمتهم عندما يطلبون من
المراقب في الامتحان أن يكون رحيما
ويترك الفرصة للأولاد أن يغشّوا!!.
•
أكثر من ذلك: نرى بعض الآباء والأمهات
يساعدون ابنهم على عمل الورقة التي سيغش
منها في الامتحان... هذا الغش ليس كلمة
بسيطة وليس مشكلة هينة؛ هذا التحايل على
الحصول على كل ما نريد أصبح صفة لصيقة
بنا.. من هنا انهارت أمتنا وارتفعت الأمم
الغربية؛ لأنهم لا يغشون ولا يكذبون.
قال
لي صديق: كنت أسير في الطريق فسمعت شابا
يصرخ في أبيه في التليفون غضبان لأن
أباه اشترى لأخيه سيارة من ماركة كذا
وهي باهظة الثمن جدا ولم يشتر له واحدة
مثلها!! وأردف صديقي: لقد بكيت وأنا أسير
وحدي، بكيت على أسلوبه في الكلام مع
والده، وبكيت على اهتماماته وله إخْوَة
تُذبَّح وتُقَتَّل ولا تجد ما تأكل!!!.
لماذا
استوردنا أسوأ ما عند الغرب وتركنا
أسباب نجاحهم؟؟ للأسف نحن نتناسى تماما
فترة النهار في حياة كثير من الشباب
الغربي وجديتهم الشديدة في العمل ولا
نراهم إلا بعد العودة إلى البيوت في
أوقات انحرافهم واستهتارهم ثم نرى
شبابنا يقلدونهم فنراهم يرقصون
ويتمايلون أمام بعضهم البعض وأمام
مطربهم المفضل أمام عيون الكاميرا.
رأى
سيدنا عمر بن الخطاب شابا يسير باستهتار
فاقترب منه سائلا: أمريض أنت؟ فقال
الشاب: لا. فنبهه سيدنا عمر بدرة كانت في
يده قائلا: ما نحب ولا نرضى لأمة محمد أن
تمشي هكذا.
وأنا
أقول للشباب إذا أحببتم الغناء: تغنوا
بما يُعْلي همة الأمة وكفانا ميوعة، نحن
لا نتكلم في حلال أو حرام؛ نحن نتكلم عن
خلق يرتقي بالأمة وينقذها من استكمال
طريق الانهيار. انظروا إلى ألمانيا
واليابان ولبنان كيف استطاعت هذه الدول
أن تقف على أقدامها بعد حروب طاحنة أتت
على بنيتها التحتية؟ بالجدية طبعا.
صور
حية للجدية
1.
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه
أبي طالب وهو ما زال في مكة ضعيفا: "والله
يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في
يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته
حتى يظهره الله أو أهلك دونه"، وهذا
أعلى معدل للجدية نراه في قول وفعل
الرسول صلى الله عليه وسلم.
2.
قال الله تعالى لسيدنا يحيى بن زكريا: {يَا
يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة} (أي:
بجدية واجتهاد، وقال الله عنه: {وَآتَيْنَاهُ
الحُكْمَ صَبِيَّا}، أي أن يحيى وقتها
كان صبيا.
3.
أما سيدنا إبراهيم حين كسر الأصنام وعلق
فأسه على كتف صنم كبير لهم وحاور أهله
الكفار، كم كان عمره؟ كان فتى قال الله
عنه في كتابه العزيز: {سَمِعْنَا فَتًى
يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ
إِبْرَاهِيمْ}.
وما
دام أن سيدنا يحيى كان صبيا وسيدنا
إبراهيم كان فتى، وأصحاب الكهف كانوا
فتية فمعنى هذا أن الجدية تحتاج أن تبدأ
من السن المبكر.
4.
انظروا كذلك إلى بني إسرائيل حين لم يكن
لديهم جدية قال الله على لسانهم في
القرآن: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}،
فبِمَ عاقبهم الله على ذلك؟: {فَإِنَّهَا
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ
سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ}،
لماذا 40 سنة؟ لأنها فترة كافية لتغيير
الجيل التافه الذي لا يستطيع ولا يريد
قتالا.
5.
يوم أحد ينادي الرسول في الصحابة: "من
يدفعهم عني وله الجنة؟" فتقدمت
مجموعة من الشباب بين 19 - 20 سنة تقاتل
فتقتل، وكان آخرهم يزيد بن السكن استبسل
استبسالا يعجز عنه الكثير ظلوا يضربونه
حتى هلك وسقط وجهه إلى التراب... فجاء
النبي صلى الله عليه وسلم طالبا أن
يرفعوا وجهه عن التراب ووضع صلى الله
عليه وسلم رأس "يزيد" على فخذه
ويمسح التراب عن وجهه الطاهر ويقول: "اللهم
إني أشهدك أنه وفَّى وإني راضٍ عنه".
6.
سيدنا أنس بن النضر تخلف عن يوم بدر فقال:
والله لئن أشهدني الله معركة أخرى
ليريَنَّ الله ما أصنع.. فلما جاءت أحد
وكان الجميع يتقهقرون في اتجاه ويسير
أنس في اتجاه معاكس فاستوقفه سعد بن
معاذ قائلا: إلى أين يا أنس؟ فرد قائلا:
إنه وعد الأمس، واستشهد سيدنا أنس ونزلت
فيه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ}.
7.
ذهب سيدنا أبو أيوب الأنصاري ليفتح
القسطنطينية مع المسلمين وله من العمر 80
سنة وكلما حاولوا أن يثنوه قال: {انْفِرُوا
خِفَافًا وَثِقَالاً}... أرأيتم الجدية.
8.
محمد الفاتح تمكن من فتح القسطنطينية
وهي مدينة ظلت مستعصية على الفتح وله من
العمر 23 عاما.
9.
التزمت مرجريت تاتشر رئيسة وزراء
بريطانيا في أثناء حرب بلادها مع
الأرجنتين بارتداء ألوان ملابس داكنة...
هل هذا مهم في الحرب؟ نعم.. لكي يشعر
شعبها أنها جادة في هذه المعركة ولا
تهتم بما كانت تهتم به من قبل.
فهل
لدينا مثل هذه الجدية؛ جدية الرسول عليه
الصلاة والسلام، وجدية الصحابة، وجدية
الفاتحين وحتى المسئولة الإنجليزية؟!.
فلنحاول
وفقكم الله تعلم الجدية مع الله حتى
نغير ما بأنفسنا وعندها سيتغير الحال
إلى أفضل حال.
*
هذا المقال ملخص لمحاضرة مفرغة عن
الجدية من سلسلة "حتى يغيروا ما
بأنفسهم" للأستاذ عمرو خالد
|