Ramadan - الرئيسية

 

 
بحث متقدم 

آخر تحديث: الثلاثاء 29 رمضان 1426-12:00 مكة


الإيجابية والخروج من الواقع المرير*

الأستاذ عمرو خالد

22/09/2005

في خطواتنا نحو الإستراتيجية من أجل أن نستوفي شروط القانون الإلهي في تغيير النفس نجد أن واحدًا من أهم التغييرات التي يجب أن ندعو إليها أنفسنا هي: كفانا سلبية... فالسلبية للأسف نحياها في كل مكان حولنا... في الشارع في العمارات التي نقطنها في كل مكان في المدخل والرصيف ومكان العمل، حيث نرى أخطاء كثيرة وموقفنا المعتاد دائمًا.. "أنا مالي"!! هل تتخيلوا مدى السلبية في أن نرى شخصًا يوقف سيارته صفًّا ثانيًا ويغلقها ويعوق بها الحركة الطبيعية للطريق ولا يتكلم واحد من الناس فقط يقول أنا مالي!! بل ويرى أن السكوت أفضل فربما تعرض لسماع كلمة سخيفة!!

نرى شخصًا يدخن في حجرة صغيرة في مكتب أو في مصلحة يؤذيني ويؤذي كل الموجودين وأنا وأنت وهو نلتزم الصمت... لأننا اعتدنا أن نسكت. والغريب أننا نبحث عن نصر الله؟؟ ونتصور أن الله سيخرجنا مما نحن فيه! حتى الآباء لو أن طفلهم الصغير كان إيجابيًّا يُسْكِتوه: "اسكت يا ولد... لا تتدخل في أي شيء حتى صرنا لا نتدخل في شيء وليس لنا أي موقف حتى في الانتخابات!!! لماذا؟؟؟

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا؟ لماذا هذه السلبية؟ وفي النهاية تسمع إجابة واحدة: "هل كلمتي هي التي ستغير وجه الحقيقة؟؟"، أو يقول "هل موقفي هو ما تنتظره الدنيا لينضبط حالها؟!!".

أنا أقول حتى لو لم يحدث شيء يجب أن يكون الإنسان إيجابيًّا؛ لأن هذا أمر إلهي بغض النظر عن أي شيء آخر. كذلك لا يتصور أحد أن هدف الإيجابية سيتحقق لو ركز فيه فقط مع أولاده أنظر ولاحظ الآية الكريمة: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" لم يقل الله تعالى إن الله لا يغير ما بشخص حتى يغير نفسه، والمعنى أنه يمكن لك أن تتغير أنت وأولادك وتكونوا فعلاً ممتازين، لكن لا يحدث التغيير ولا يأتي النصر ولا المعونة إلا بتغير وجه المجتمع كله، ولو لم يكن المجتمع معك يدًا واحدة أو مساعدًا على الأقل فكيف بك أن تحافظ على أولادك وحدك؟!!

البعض للأسف يرى أن موقفه لن يغير الكون، وهذا تبرير غير مقبول يدل على سلبية غير عادية والبعض الآخر يستبعد أن يأتي التغيير من موقفه وحده!!

حدود الإيجابية:

إن الإيجابية لا تعني التهور حتى لا نسيء ترجمة المعاني لذلك يقول تعالى: ]ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[ (النحل: 125)، ومن ثَم فالتغيير يجب أن تكون إيجابيًّا؛ لأن المصائب تعم لقوله تعالى: ]وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب[ (سورة الأنفال: 25).
وقد سئل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَنُهْلَك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا علا فُجَّارُها خِيَارُها وكثر الخبث".

وفي رواية أن الله أمر سيدنا جبريل أن يخسف بقرية في الأرض فقال: يا رب إن فيها عبدك فلان الذي ما زال قائمًا يصلي فقال له: فبه فابدأ قال سيدنا جبريل: كيف يا رب فقال: "لأنه لم يتمعر وجهه من أجلي"، أي لم ينفعل من أجلي ولا مرة أو حمرت وجنتاه انفعالاً؛ لذلك يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه توشك القرى أن تهلك وهي عامرة قالوا كيف قال إذا علا فجارها على أبرارها.

معنى آخر جميل نتعلمه من سيدنا عمر بن الخطاب يقول فيه: إذا خفيت الخطيئة لم تضر إلا فاعلها، فإذا ظهرت ولم يفعل الناس شيئًا لتغييرها ضرت العامة، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يوقع بكم عذابًا ثم تدعونه فلا يستجيب لكم".

فهل تخيلتم معي أعزكم الله مدى خطورة السلبية!!! إن التغيير الذي نريده تغييران.. تغيير يفعله الله وتغيير يفعله البشر، ولكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. لذلك نحن في أشد الحاجة لأن نَدَع السلبية حتى يغير الله واقعنا المرير؛ لأن أي موقف إيجابي اليوم سيفيدنا غدًا، ويفيد كذلك إخواننا في العراق وفلسطين وفي كل مكان؛ لذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم السلبية والإيجابية بحكاية واضحة المعالم في قوله: "مَثَلُ القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة -بمعنى كانوا شركاء في ملكية السفينة فأجروا قرعة بينهم على المكان- فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا فمروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا -هذه ملكيتنا والنية كما ترون خالصة يا جماعة، بل هي رغبة في دفع الأذى عن من في الأعلى يعني عمل خير- لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا فشربنا ولم نؤذِ من فوقنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، "فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" أتعرفون لماذا شبه رسول الله الوضع بالسفينة؟ لأن نتائج التعامل معها بالخرق يظهر بسرعة.. فيصير المثال واضحًا ومفهومًا؛ لأن هذه الصورة التي تحدث في السفينة هي نفسها التي يمكن أن تحدث في المجتمع، وأن أي خرق في المجتمع يغرق جيل بل أجيال بأكملها.

نماذج لأشخاص إيجابيين:

1 - مؤمن آل فرعون... انظروا إيجابيته تجاه فرعون بكل هيلمانه وطغيانه وهذا الرجل يقول عنه تبارك وتعالى: ]وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ[ (سورة غافر: 28).

وقف وأدى واجبه تجاه الحق والدين فماذا كانت إجابة الله الفورية له يقول تعالى: ]فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَــا مَكَرُوا وَحَـاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُـوءُ الْعَـذَاب[ (غافر: 45).

لذلك لو خايف على أولادك.. اقرأ هذه الآية وافهمها: بسم الله الرحمن الرحيم: ]وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً[ (النساء: 9).

2 - مؤمن سورة يس: أرسل الله إلى قرية رجلين ولم يتعظوا ولم يؤمنوا فأرسل الثالث.. أهل القرية كافرون وهناك ثلاثة من الرسل.. الطبيعي أن يقول الجميع هناك رسل كثيرة مالك تتدخل.. كل هؤلاء الرسل موجودون... هل الدعوة ينقصها تصرف واحد مثلك... نعم..!! هذا الرجل جاء إيجابيًّا من أقصى المدينة ومشى مشوار طويل ليظهر إيجابيته قال تعالى: ]وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ[ (يس: 20 -21).

3 - هدهد سيدنا سليمان: طائر صغير يطير في طابور الجند قادمًا للعرض على سيدنا سليمان فيجد في طريقه قومًا يسجدون للشمس فيتأذَّى من ذلك ويتعجب، ولكنه لا يسكت، بل يبلغ الرسول بما شاهد حتى يقيم على القوم الحجة يقول تعالى: ]فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِين[ (النمل: 22)

4 - النملة: تصوروا مخلوقًا أتفه وأصغر من ذلك، ولكنه مخلوق إيجابي رأت الجيش فماذا فعلت التفتت تنصح القوم: ]حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا...[ (سورة النمل: 18 - 19). إيجابيتها جعلت رسول الله سليمان يبتسم سعيدًا ويشكر نعمة الله عليه...

5 - حباب بن المنذر: وهذا مثال حي على كيفية الإيجابية إنها دعوة بالأدب.. بالحكمة... في غزوة بدر حين نزل الرسول صلى الله عليه وسلم بالجيش ذهب إليه متسائلاً: يا رسول الله أهذا منزل -أي المكان الذي عسكرنا فيه للمعركة- أهذا منزل أنزلكه الله أم هي الحرب والرأي والمكيدة؟ قال عليه الصلاة والسلام: "بل هي الحرب والرأي والمكيدة" فرد من فورها.. إذن فهذا ليس بمنزل... واقترح الموقع الذي دارت منه المعركة وأمن للمسلمين الماء ومنعها عن المشركين.

6 - نعيم بن مسعود: أسلم يوم الأحزاب وأراد أن يقوم بعمل فقال له الرسول إنما أنت رجل فينا فَخَذِّل عنّا... فتفتق ذهنه عن المكيدة التي أوقعت المشركين واليهود في بعضهم البعض...

7 - قصة جميلة لطالب في إحدى الجامعات لم يكن في كليته مكان للصلاة وظل يبحث ويسأل حتى وجد مكان مظلم في بدروم يصلي فيه من أراد مع فراش عجوز... فقال لا والله لا أصلي تحت الأرض بل أصلي فوق الأرض... وصعد إلى ساحة الكلية وصلى وحده عدة مرات، ثم انضم إليه الفراش العجوز... ثم بعض العاملين، ثم أحد الأساتذة، ثم أصبحوا صفًّا فصفوفًا، فما كان من العميد إلا أن اضطر إلى بناء مُصلَّى حتى يحافظ على الشكل الحضاري للكلية، ثم انتهجت كثير من الكليات في الجامعة نهجه، وهذا الدارس يُكْتب له إن شاء الله أجر كل مَنْ صلى ومن سيصلي في هذا المكان إلى يوم القيامة وهذا جَزَاء الإيجابية؟ إننا نحتاج أن نرفع رايتنا دون خجل، حيث رأينا الظالمين والعصاة يرفعون رايتهم دون خجل!!.


* هذا المقال ملخص لمحاضرة مفرغة عن قيمة الوقت من سلسلة "حتى يغيروا ما بأنفسهم" للأستاذ عمرو خالد والتي بثت على الفضائيات يوم الثلاثاء الموافق 25/3/2003



من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع