Ramadan - الرئيسية

 

 
بحث متقدم 

آخر تحديث: الثلاثاء 29 رمضان 1426-12:00 مكة


الإفساد المعاصر في ضوء القرآن الكريم

مسعود صبري**

22/09/2005

جاء التحذير في القرآن كثيرا عن الفساد والإفساد، والفساد هو ارتكاب الإنسان شيئا سيئا يعود ضرره على نفسه، أما الإفساد فهو ارتكاب شيء سيئ يتعدى ضرره إلى الغير ويقصد به نشر الفساد.

ولقد ورد نهي القرآن عاما عن الفساد، فقال تعالى: ]وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا[ وقال تعالى: ]إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[، وذم المفسدين فقال تعالى: ]الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ[، وقدم الله تعالى صورة كاملة للمفسدين حين قال تعالى: ]وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ . وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ[. وهذا شر الناس في الفساد؛ فهو معسول اللسان خبيث القلب، محبٌّ للفساد مصرٌّ عليه لا يرجع عنه أبدا؛ فالفساد متأصِّل فيه، مهما ادّعى من الإيمان.

حملة ضارية على الفساد

كانت الحملة على الفساد في القرآن ضارية، حتى جاء عقاب المفسدين قاسيا لأقصى درجة، بمقدار ما ينشرون في الأرض من فساد، قال تعالى: ]إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[، وهذا ما يعرف بحد الحرابة.

ومن الملاحظ أن القرآن الكريم حين تحدث عن الفساد جاء الحديث في غالبه عامًّا، وإن خصصت بعض أنواعه كإفساد الحرث والنسل وقتل النفس، وهذا العموم جاء ليشمل الفساد كل الأنواع مع اختلاف الزمان والمكان، حتى الأنواع المذكورة في القرآن، فإن صورها تتنوع من اختلاف الأجيال من بني البشر، فكان النهي عاما عن كل فساد.

نماذج للفساد المعاصر

ولقد استشرى الفساد في عصرنا الحاضر بدرجة خطيرة حتى طال كل مجالات الحياة؛ فمنه ما هو فردي، ومنه ما هو جماعي، ومنه ما يدخل في السياسة والحكم، ومنه ما هو موجود في الاقتصاد، ومنه الفساد الاجتماعي، ومنه ما يختص بالعلم والطب، ومنه ما يتعلق بالثقافة والفكر وغير ذلك من أوجه الفساد في مجالات الحياة.

المجال الديني:

يعتبر الفساد الديني أخطر أنواع الفساد لأنه يبعد الناس عن ثوابت دينهم، فيحوّل الثابت متغيرا، والمتغير ثابتا، مثل القول: بأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن نبيا بل جاء ليكمل تاريخ جده عبد المطلب، وأن القرآن ليس كلام الله بل هو من محمد صلى الله عليه وسلم، وإنكار عذاب القبر ووصفه بأنه خرافة، وإنكار السنة النبوية، والطعن في الصحابة، وتغليب العقل على الشرع، وإنكار الغيب بالكلية، ودعوة الناس إلى الاستسلام والسلبية باسم الدين لانتظار المهدي، وسوء فهم القدر بالاستسلام للمحتل وترك المقدسات لأعداء المسلمين.

المجال الاقتصادي:

أما الفساد في مجال الاقتصاد فيأخذ أشكالا عدة، منها: قيام بعض الدول بحرق كميات كبيرة جدا من القمح والأغذية أو الإلقاء بها في البحار حتى يبقى ثمنها مرتفعا، في الوقت الذي تموت فيه الشعوب جوعا، لتبقى الدول الفقيرة محتاجة إلى الدول الكبرى، وكذلك الرشوة، وعدم خضوع المنتجات للمواصفات، وتنفيس السوق، والأفعال القذرة في البورصة، وعدم الشفافية في التعامل التجاري، وتوريث الوظائف وعدم العدالة في تسكينها، والاستثمار في الأعمال المحرمة كالخمور وغيرها، والغش الاقتصادي، والاحتكار، وسن قوانين يستفيد منها بعض الفئات دون بعض، وعدم ترشيد الإنفاق والسرف فيه، وغيرها من مظاهر الفساد.

المجال العلمي:

ومن الفساد في المجال العلمي والطبي ما يحدث من الاستنساخ البشري دون ضابط، وجعل الإنسان حقلا للتجارب الطبية، والتجارة في صحة الناس، واستئجار الأرحام واختلاط الأنساب، ودفع ملايين الأموال في عمليات التجميل والتحويل بلا ضرورة ولا حاجة، وإنشاء بنوك لبيع البويضات، والاتجار بأعضاء الإنسان، والحصول على شهادات علمية مقابل الرشوة، وغياب الأمانة العلمية، والقصور الشديد في مواجهة الأمية، وفصل الدين عن العلم، وغيرها من القضايا الطبية والعلمية التي تتنافى مع الأخلاق.

المجال الاجتماعي:

أما الفساد في مجال الأسرة فيأخذ أشكالا عدة منها: سن قوانين لإباحة الإجهاض، والشذوذ الجنسي، والزواج المثلي، ومناصفة المرأة للرجل في ماله بعد طلاقها، وعدم تجريم الزنا، وزنا المحارم، والإدمان بأنواعه، والمواقع الإباحية، وموضة الأزياء، والفيديو كليب، والخيانة الزوجية، والتحرش الجنسي، وغيرها من القضايا التي تهدم كيان الأسرة.

المجال السياسي:

وفي مجال السياسة يظهر الفساد عالي الصوت، ليبعد الناس عن منهج الله تعالى، وتتحاكم الدول المسلمة إلى قوانين وضعية تخالف شرع الله تعالى، ويفصل بين الدين والدولة، ويتحول فيها الحاكم من خادم للأمة إلى مالك لها، يحكم على من يشاء بالقتل أو الحبس دون أن يحاسبه أحد، ويتخذ الحاكمون معهم ممن يختارهم لحكوماتهم ليقوم بنفس الأدوار مع الشعب، كل حسب سلطته، ويتحول الناس عبيدا لتلك الحكومات، ويفصل بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية، وتنحى بطانة الصلاح لتحل محلها بطانة السوء، بالإضافة إلى التزوير في الانتخابات، وغيرها من مظاهر الاستبداد السياسي، كنفاق السلطة، والرشى المقدمة من المفسدين في السلطة لعناصر الضغط في الدولة لخرس ألسنتهم عن الفساد، والسكوت عن الظلم لتحقيق مكاسب خاصة، واستخدام السلطة للتجبر عن الآخرين، وتوظيف ممتلكات الدولة لخدمة أشخاص دون غيرهم.

ضوابط في مواجهة الفساد

ولو مكثنا نحصر مظاهر الفساد في مجالات الحياة ما انتهينا، ولكن الذي يهمنا هنا هو محاربة الفساد؛ لأنه من أهم الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله، بل هو واجب على الأمة، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم"، وليس المقصود هو الإخبار عن الخطأ فقط، بل لا بد من العمل على إبطاله بالحسنى أولا، أو بالقوة ثانيا إن كان سيترتب على تركه فساد أعظم، أو يترك الفساد إن كان قليلا، وكان في درئه مفسدة أكبر أو مساويا للمفسدة التي يترتب عليها محاربته؛ إذ المقصود زواله، ولهذا يجب على الأمة إزالة الفساد بكل الوسائل الممكنة كل على حسب حدوده وإمكانياته وسلطاته وليس مجرد الكلام فحسب، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم".

كيفية محاربة الفساد:

بالطبع لا يمكن وضع حلول لظاهرة الفساد في خطوات وسطور، لكن يمكن الوقوف على بعض كيفيات محاربة الفساد على المستوى الفردي أو الجماعي، ومن ذلك:

1 - إن محاربة الفساد في عصرنا تقتضي الإخلاص لله وقصد وجهه الكريم في التغيير؛ لأن سلوك الإنسان مرتبط بقلبه وعقله، فإن كان مَن يقوم بالإصلاح صادقا في أمره ونهيه، كان أدعى للقبول والاحترام.

2 - حسن الفهم عند مواجهة الفساد؛ إذ لا تكون مواجهة مع جهل، فلا بد من الوقوف على الأسباب الكامنة وراء الفساد، والظروف التي تغذيها وتستمد منها عناصر ومقومات وجوده واستمراره.

3 - محاربة الفساد سرا وعلانية على حسب ما يقتضي الموقف والظروف والإمكانيات وذلك باستعمال كافة الوسائل المتاحة، وخاصة وسائل الإعلام والصحافة، وحشد الجمعيات والمؤسسات المعنية ضد هذا الفساد. وألا يكون القصد من ذلك التشفي أو إظهار النقص بقدر ما يكون الهدف هو الإصلاح والتغير للأفضل.

4 - أن تقوم الدولة بدورها من خلال الانتخابات الديمقراطية وتوسيع القاعدة الاجتماعية وتفعيل الإصلاح الكامل من أجل التوصل إلى حكم رشيد صالح يوفر العدالة وإقامة موازين الحق والثواب والعقاب وإقرار المحاسبة والشفافية في معالجة ظواهر الفساد وأشكاله والتصدي له.

5 - التركيز على البعد الأخلاقي في موضوع الفساد، وعلاج هذا الجانب يكون من خلال مناهج الدين والأخلاق؛ حيث إن مواجهة الفساد حيرت أجيالا من الساسة والمفكرين حيث حاولوا مواجهة الفساد بالشدة واستعمال أقصى درجات القوة، ومن ذلك استعمال التشدد القانوني أو العسكري أحيانا ففشل ذلك إلى حد كبير لعدم تبني المنهج الأخلاقي كمنهج أساسي ضمن مناهج مواجهة الفساد.

6 - تقليص الفجوة الكبيرة بين تكاليف المعيشة والأسعار من ناحية والأجور من ناحية أخرى، ودفع النمو الاقتصادي وتكافؤ الفرص بين الناس وعدالة التوزيع بينهم.

غير أن هذه الحلول لا تعتبر هي الوحيدة لمواجهة الفساد لكنها جزء من كل من مجموعة كبيرة من الحلول التي لا يتسع المجال لذكرها.

على كل حال، فمنهج الإسلام ليس محاربة الناس بل محاربة الفساد حتى لا يصاب المجتمع بالشلل الأخلاقي، والعقم الحضاري، والانحلال العقدي، ويعرضه للخطر الدائم، كما أن محاربة الفساد ليست مسئولية فرد دون غيره لكنها مسئولية كل أفراد المجتمع للنهوض بالمجتمع الذي لا يمكن له ذلك دون التصدي للفساد، وقد صوّر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الجامع عن محاربة الفساد بكل أشكاله حين قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".


** باحث دكتوراة بكلية دار العلوم.



من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع