|
لقد أعجبتني فكرة استعادة
الفرائض التي نسيناها رغم أن كاتب "الفريضة
الغائبة" اجتهد فأخطأ -في تقديري-
اختيار الفريضة الأكثر غيابا، وأخطأ في
النتائج التي وصل إليها أيضا، وهذا حديث
يطول عن "الجهاد" والاجتهاد الذي
لست بصدد الحديث عنه هنا.
وكم هزني الأثر الذي حفظته منذ
بواكير حياتي:
"لعن الله قوما ضاع الحق
بينهم"
وما زال يرعبني كلما تذكرته أن
أكون ظالما أو شبه ظالم، ساكت عن الحق أو
بعضه اللهم إلا غافلا أو ملتمسا لتحقيق
مصلحة أكبر لا لبس فيها ولا تأويل.
والسؤال الآن: لماذا الجهاد هو
الفريضة الغائبة، وليس العدل مثلا؟!
ولماذا لم نعد ننشد العدل أو
نتزاحم لاستعادته؟!!
ولماذا في كل بلد من بلدان
المسلمين وزارة للعدل أو قصر للعدل بينما
هو غائب عندنا وغريب عنا إلا في القليل
النادر بحيث أصبح مثل ومضة شهاب لامع في
سماواتنا المظلمة: يلمع ثم ينطفئ!!!
إنني أستعيد مخزونا هائلا
وثقيلا في نفسي أيام كنت أكثر حلا
وارتحالا بين آيات الله في القرآن، وهو
يتحدث عن الظلم والظالمين، وأتذكر ما
قرأته لأحد العلماء "أن الظلم مركب
ثنائي لا بد له من ظالم ومظلوم"، وأرى
أنا أن العدل اليوم مركب يحتاج إلى جهود
أطراف عدة تتفاعل لتصل إلى أقرب نقطة من
العدل النسبي؛ لأن العدل المطلق هو من
الله سبحانه، بل هو الله أو اسم من أسمائه.
لقد طفت بذاكرتي فاجتاح كياني
كله هذا الحديث القدسي:
"يا عبادي إني حرمت الظلم على
نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..."
وكأن سيدي ومولاي أرحم الراحمين، وأعدل
العادلين يعلمنا أنه بدأ بنفسه جل وعلا
في جبروته وعزته، وغفرانه ورحمته، وهو
الذي لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون... يبدأ
بنفسه ويعلن: لا للظلم!!... لأن الظلم مرتعه
وخيم على الظالم وعلى المظلوم، وعلى
الساكتين، وحتى على المنكرين.
وهو مقدمة للخراب، ومن ثم إذا
أردت أن تعرف أين نحن من الظلم، فانظر
حولك لتتعرف على كل تفاصيله.
وتتداعى الذكريات والأصوات:
اتقوا دعوة المظلوم فإنها ليس
بينها وبين الله حجاب، والله يقول لها:
"وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين".
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن
الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته...".
وعندها أتذكر عبرة الهالكين من
الظالمين، ولكن من يعتبر؟!!
حتى تمضي التداعيات، وأتأمل في
قول الله سبحانه: "وسكنتم في مساكن
الذين ظلموا أنفسهم".
يا إلهي.. مجرد السكنى في مساكن
الذين ظلموا؟! وظلموا من؟! أنفسهم؟!
فكيف بمن يتنفسون الظلم كالهواء
في الشهيق والزفير؟!
ولا يغادرني الأثر المنقول عن
أبي الحسن البصري فيما أذكر، أو لعله
غيره، حين يستفتيه خياط بعض الأمراء
الظالمين، وتأملوا السؤال جيدا قبل أن
يدهشكم الجواب كما أدهشني.
سأل الخياط المفتي: عملي أن أخيط
ثياب الأمراء الظالمين فهل أعد من
أعوانهم؟!
فيتلقى الجواب/الصفعة من المفتي:
من يناولك الإبرة والخيط فهو من أعوان
الظالمين، أما أنت فمنهم!!!
أي من الظالمين!!! يا إلهي!!!
خياط الظالمين يعد واحدا منهم،
فهل ترونها مبالغة؟!!!
يا الله.. ومئات الآلاف من النخب
التي تنافق؟!
والعسس الذي يحصي أنفاس
المظلومين، وينقل التقارير للأمراء، ومن
بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها
الناس؟! القضاة المرتشون، ومن يأكل أموال
الناس بالباطل، ومن يخوضون في الأعراض،
ويستبيحون البشر البسطاء، أو أصحاب
الفكر والرأي!!!
والأزواج والزوجات، والآباء
والأبناء، والأمهات والبنات الذين
واللائي يعزفون على أوتار الظلم في
الليل، أما في النهار فلا يعرفون معروفا،
ولا ينكرون منكرا؟!!
وكيف عندما يتحول الظلم إلى
نظام متكامل، أسلوب عيش، ويألفه الناس
لأنهم يمارسونه كما يمارس عليهم.. كل في
مكانه؟!!
أين يذهب العدل عندها؟!!
إنني حين أغضب أتذكر وصية رسول
الله صلى الله عليه وسلم عندما سأل الله
ألا يفوته العدل في "الرضا والغضب"،
وكأنه لا عذر لغاضب أن يظلم، ولا عذر
لظالم بحجة أنه رضي عن فلان فأعطاه ما ليس
له بحق، وأتذكر الفاروق عمر حين قال
لأحدهم: يا فلان، والله إني لأبغضك، فيرد
عليه قائلا: هل يحملك هذا على أن تظلمني؟!
فيسرع عمر بالرد: اللهم لا، فيقول الرجل،
وهو يغادر عمر: وما يضيرني عندئذ، إنما
تبكي على الحب النساء.!!
كم أخرجنا الحب والكره، والرضا
والغضب، والخوف والرغبة عن العدل
ومقتضياته؟! رغم أن قيمته العليا ينبغي
أن تسمو فوق كل اعتبار، وتغالب كل شعور أو
عاطفة تحاول الزيغ بها.
القانون في دائرة العدل
إننا إذا أردنا أن نستعيد "العدل"..
هذا الغائب المنتظر، فدائرة العدل ينبغي
أن تتكامل فيها أهمية التصحيحات
التشريعية والتطبيقية على المستوى
القضائي والفردي والمجتمعي فالأول يمثله
القانون ويتجلى أول ما يتجلى في سلوك
القائمين عليه، أي في سلك التعامل مع
القانون من شرطة وقضاء ومحاماة، وأنظمة
استرداد الحقوق، وتنفيذ الأحكام لإقرار
العدل بين الناس.
والنظام القانوني في عالمنا
العربي والإسلامي يعاني أوجاعا كثيرة في
نواحي مختلفة، ويحتاج إلى ترميم في نصوصه
أحيانا، وإلى تجديد في منطقه أحيانا أخرى
لملاحقة المتغيرات، ويحتاج من قبل ومن
بعد إلى إشاعة روح وثقافة احترام القانون
وسيادته فوق اعتبارات أخرى تجعله يداس
بالأقدام ليلا ونهارا وعلى قارعة كل
طريق، وفي ساحة كل خصومة!!!
والحق عندنا غالبا ما يكون في صف
القوى، والجميع تقريبا – بحسب قدراتهم –
فوق القانون، والناس ليسوا سواء أمامه
كما هو الأصل والمنشود، بل غالبا ما يقف
القانون في المربع الخطأ لأن القوة هي
التي تحسم وتسود!!، وحين يفقد الناس الثقة
في القانون، ويعبدون القوة تتحول الحياة
إلى غابة فإما قاتلا أو مقتولا، ظالما أو
مظلوما!!
عندما تكتمل الدائرة..
أما إذا أردنا أن نستعيد العدل
فلا بد أن نبدأ أصلا من الضمير، من معرفة
الله ومحبته، ومن خشيته، ومن حساسية
النفس التي تتورع أن تظلم فتلحقها
اللعنات، وكل وعيد الله للظلم والظالمين.
كذلك نستعيده من تكوين الإنسان
الذي يخاف أن يكون ظالما، ويأبى أن يكون
مظلوما، ومن تربية الشعور والسلوك ليعرف
كل واحد فينا حقه وواجبه، وتربية الذوق
والرغبة في التنافس الإيجابي فيؤدي
الإنسان ما عليه – في أزمنة الشح – ويسأل
الله الذي له، وينصر أخاه ظالما أو
مظلوما، وهذا عمل الأسرة والمدرسة
والصحيفة وكل من يتعامل مع وعي الإنسان.
كذلك
لا بد أن يتجلى الضمير أول ما يتجلى في
تعاملات الناس وبخاصة داخل الأسرة،
وإنني أتامل في هذا العدل الغائب داخل
بيوتنا حين تهدر أبسط الحقوق الشرعية،
وبخاصة حقوق النساء التي أوصى الله بها
ورسوله كثيرا، وأشعر كأن هناك تواطئا بين
كبار الظالمين وصغارهم، فهؤلاء يسطون
على قوت العباد، ويستعبدون الناس وقد
ولدتهم أمهاتهم أحرارا، وأولئك من صغار
الظالمين يستقلون بالعنف الأسري، والبطش
الذكوري، في غياب الردع الاجتماعي،
والوازع الديني والأخلاقي، وقوة القانون
طبعا..
صغار الظالمين هؤلاء مطلقو
السراح والأيدي في التنكيل بالقوارير
والأطفال، وأحيانا ينقلب الوضع فتنتزع
المرأة سوط الظلم باسم القانون، أو في ظل
أوضاع نفسية أو أسرية مختلة، وبالجملة
تتحول بيوتنا إلى سجون، وإلى معامل تفريخ
لأجيال كاملة من الجاهزات والجاهزين
لاستقبال بطش السلاطين، وظلم الأمراء
بابتسامة عريضة أو بعدم اكتراث؛ لأنهم
يعرفون الظلم، وتعودوا عليه في البيوت،
وصاحبهم طويلا من المهد إلى اللحد!!!
تأملت أن العدل في بيوتنا لا
يكاد يذكر إلا حين يأتي الحديث إلى تعدد
الزوجات فنتذكر أن العدل بينهن واجب،
ويفوتنا أن العدل مع الزوجة الواحدة
فريضة أسبق قبل الحديث عن التعدد أو
التفكير فيه، وننسى أن العدل بين الأبناء
فريضة تجب طالما زاد عددهم عن "واحد"!!
بل إن العدل مطلوب مع الواحد.. في
اختيار أمه واسمه .. وحسن تربيته... إلخ.
لكننا ننسى أن العدل قيمة ونظام
حياة في الأسرة كما في قصر الحكم، ننسى
وكم نسينا حتى أصبحنا نحتاج إلى من
يذكرنا بألف باء الإسلام، والله أعلم.
مستشار
القسم الاجتماعي بموقع إسلام اون لاين.نت
- ومحاضر نفسي بالجامعات المصرية
|