Hope Springs Eternal! - الرئيسية

بحث متقدم 

آخر تحديث: الثلاثاء 26 رمضان 1425-19:30مكة


تأملات في العدل

الدكتور كمال المصري**

لقد تأملت في العدل فوجدته أعم مما يفهمون، وأوسع مما يدركون.

تأملته في معاجم اللغة.

وتأملته في كتاب الله تعالى.

هكذا وجدته، ليس مجرد عدل عند احتكام المتنازعين، ولا هو مسئولية الوالي والقاضي وصاحب المسئولية فقط.

إنه قيمة تشمل جميع مناحي الحياة.. إنه شهادة التاريخ على سلامة المجتمعات والكيانات والأمم.. إنه الأمن حين تضطرب الموازين والمعايير.. إنه الحارس الذي يحول دون دمار النفوس، وخراب العمران.

هو قوام الدنيا والدين.. وسبب صلاح العباد والبلاد.. يحكم الأقوال والأفعال.. ويصلح الأجساد والأبدان.

به قامت السماوات والأرض.. وتآلفت به الضمائر والقلوب.. والتأمت به الأمم والشعوب.. وغمر الناس بالتناصف والتعاطف.. وضمهم بالتواصل والتجانس.

إنه القسطاس المستقيم لكل شيء وكل فرد.. لا تميل كفته.. ولا يختل ميزانه.. ولا يضطرب مقياسه.

ثم هو صفة الله تعالى.. وميزانه في الأكوان.           

تأملات العدل في معاجم اللغة

تأملته في معاجم اللغة، فإذا بعلمائها ينصون على أن:

العدل: ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم. وعادل الشيء: وازنه. والعدل: الاستقامة. والعدل: الفريضة. وكل ما تناسب فقد اعتدل. والاعتدال: توسط حال بين حالين في كم أو كيف. العدل بين الناس في الحكم ما هو إلا جزء من أجزاء العدل. هكذا قالت لغتنا، وأشارت معاجم اللغة كلسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط للفيروزآبادي وغيرهما.

تأملات العدل في القرآن الكريم

تأملته في كتاب الله تعالى فوجدت الله تعالى يقول:

- (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) سورة النساء- 105.

قال الإمام الطبري: "وقوله: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب، يعني بالكتاب: القرآن (بالحق) يعني بالعدل؛ يقول: أنزلنا إليك هذا القرآن يأمر بالحق والعدل، ومن ذلك الحق والعدل أن تعبد الله مخلصا له الدين، لأن الدين له لا للأوثان التي لا تملك ضرا ولا نفعا".

- (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون( سورة المائدة- 8.

قال الإمام ابن كثير: "(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) الآية، يأمر تعالى بالعدل في الفعال والمقال على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل لكل أحد، في كل وقت، وفي كل حال".

- (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) سورة الأنعام- 152.

قال الإمام النيسابوري في قول الله تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا): "حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر، والأولى أن يحمل على الأقوال كلها".

- (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) سورة النحل- 90.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: "هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل، ولشر يجتنب".

وقال الإمام البخاري: "(بالعدل) بإعطاء كل ذي حق حقه، ومعاقبة المسيء بمثل إساءته".

وقال الإمام الطبري: "إن الله يأمر في هذا الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد بالعدل، وهو الإنصاف؛ ومن الإنصاف: الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على إفضاله، وتولي الحمد أهله".

- (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) سورة الحديد- 25

قال الأستاذ سيد قطب: "فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض وفي حياة الناس ميزانا ثابتا ترجع إليه البشرية لتقويم الأعمال والأحداث والأشياء والرجال، وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة وتصادم المصالح والمنافع". 

وما يلفت الانتباه في هذه الآية الكريمة هو أن الله تعالى كما أرسل الرسل لهداية العالمين فقد أنزل العدل كذلك مع رسله عليهم السلام، فكانت قيمة العدل موازنة لقيمة الرسالة والهداية، فمنذ أن خلق الله تعالى آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سيبقى ميزان العدل في عمومه واجبا من واجبات ورثة الأنبياء، كما كان واجبا من واجبات الأنبياء عليهم السلام.

فهذه النصوص تثبت خطأ الفهم القاصر لمعنى العدل، وتؤكد أن العدل يشمل جميع مناحي الحياة، وهو يسير جنبا إلى جنب مع واجب الرسل وورثتهم في دعوة الناس وهدايتهم. 

تأملات العدل في السنة المطهرة

-  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام ابن الجوزي: "الظلم يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الرب بالمخالفة".

وقال الإمام الصنعاني: "ويشمل الظلم جميع أنواعه سواء كان في نفس أو مال أو عرض، في حق مؤمن أو كافر أو فاسق".

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)، قال: ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) سورة هود- 102. رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام ابن حجر: "(حتى إذا أخذه لم يفلته) أي لم يخلصه، أي إذا أهلكه لم يرفع عنه الهلاك، وهذا على تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه، وإن فسر بما هو أعم فيحمل كل على ما يليق به).

- ويقول رسول صلى الله عليه وسلم: (يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)، والوسط العدل. رواه البخاري.

وعن  النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: (أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟)، قال: لا، قال: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، قال: فرجع فرد عطيته. رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام أبو يوسف: "تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار".

وقال الإمام المناوي: "فيتأكد التسوية بينهم لما في عدمها من إيراث الضغائن والتباغض والتحاسد".

العدل عدلان

والعدل عدلان:

* عدل فردي: وهو يشمل جميع ما يرتبط بالفرد، بأن يعدل في جسده وروحه، وعقله وفكره، وعمله ونشاطه، وأخذه وعطائه، ونحو ذلك من الأمور التي تخص الفرد في هذه الحياة، بحيث يظهر التوازن النفسي لدى الفرد، فيحفظ نفسه وعقله، ولا يضرهما بأي شكل أو هيئة.

* عدل جماعي:  وهو ما يرعى حقوق الآخرين، وما يجب نحوهم من احترام وتقدير، فيعتدل الفرد في أخذ ما له من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات، في كل شيء؛ في الحكم والقضاء، في القول والفعل، في الأخذ والعطاء، في البيع والشراء، في الشهادة والأمانة، في البيت وخارجه، في الاختيار وتولية المناصب والأعمال، في كل شيء.

العدل شامل

والعدل مفهوم شامل، يشمل الحياة البشرية كلها، بكل من فيها وما فيها، يعم الإنسان والحيوان وسائر الكائنات والأكوان.

أما شموله الإنسان فتدل عليه أدلة كثيرة، منها من النصوص السابقة قول الله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)، وقوله جل شأنه: (... ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون(، وقوله سبحانه: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).

ومنها نصوص أخرى كقول الله عز وجل: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا) سورة النساء- 3، وقوله سبحانه: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) سورة الحجرات- 9، وغيرها كثير.

والخطاب للعقلاء، فكل عاقل مطالب بإقامة العدل في حياته، مع غيره، حتى لو كان عدوه وخصمه: (...ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا)، إذ العدل حق يشترك فيه جميع الناس.

وأما شموله الحيوان فالإنسان مأمور بعدم ظلمه أو إيذائه، فهذه بعض النصوص الدالة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رواه الخمسة بسند صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: (عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: (أن رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش، فأخذ الرجل خفه، فجعل يغرف له به حتى أرواه، فشكر الله له، فأدخله الجنة) رواه البخاري.

وأما شموله سائر الكائنات والأكوان، فهو في حركة الكائنات التي تسبح في الأرض، أو التي تسبح في الفضاء، فإنها تتحرك حركة عادلة، قال الله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) سورة النمل- 88، وقال جل شأنه: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) سورة يس 38-40، وغيرها من الآيات.

قالوا في العدل

- قال الإمام الماوردي في كتابه "أدب الوزير": "لا يختص العدل بالأموال دون الأقوال والأفعال.

فعدلك بالأموال أن تؤخذ بحقها، وتدفع إلى مستحقها، لأنك في الحقوق سفير مؤتمن، وكفيل مرتهن، عليك غرمها، ولغيرك غنمها.

وعدلك في الأقوال ألا تخاطب الفاضل بخطاب المفضول، ولا العالم بخطاب المجهول، وتقف في الحمد والذم على حسب الإحسان والإساءة، ليكون إرغابك وإرهابك على وفق أسبابها، من غير سرف ولا تقتير.

وعدلك في الأفعال أن لا تعاقب إلا على ذنب، ولا تعفوا إلا عن إنابة، ولا يبعثك السخط على اطراح المحاسن، ولا يحملك الرضا عن العفو عن المسيء".  

- ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الحسبة في الإسلام": "أمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام".  

- ويقول الأستاذ سيد قطب في ظلاله على قول الله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) سورة النساء- 58: "فأما الحكم بالعدل "بين الناس" فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا "بين الناس" جميعا، لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلا مع أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما حق لكل إنسان بوصفه "إنسانا"".

هكذا تأملت العدل، وهكذا رأيته؛ عدلا عاما في كل شيء، شاملا لكل أحد وكل شيء، لا يفوت أمرا، ولا يتخلف عن أمر.


**مستشار دعوي بموقع إسلام أون لاين. نت


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع