|
بداية لكي نعرف مدى حاجتنا إلى
الكتاب الإلهي قبل العدل، نطرح هذا
السؤال: ما معنى العدل؟
فقد يزعم الماركسيون أن ما
يدعون إليه هو العدل بعينه، وأن الملكية
الفردية هي مصدر كل ظلم وجور في الماضي
والحاضر والمستقبل، ولهذا كان إلغاؤها
وتأميم وسائل الإنتاج... إلخ؛ هو صميم
العدل.
وقد يرد عليهم الرأسماليون بأن
تحريم الملكية على الإنسان بالقهر
والجبروت، وتحكم الدولة، أو مجموعة من
الناس -في رزق الإنسان وإنتاجه واستهلاكه
وعمله وتنقله... إلخ- هو أكبر ظلم وقع في
الماضي والحاضر أو يقع في المستقبل، وإن
العدل كل العدل في ترك الناس يعملون دون
تدخل من أي سلطة إلا في حدود ضيقة يحددها
القانون.
العدل بين النسبية والثبات:
ما العدل إذن ما دام أنصار كل
نظام معين يضفون على نظامهم صفة العدل،
ويبرئونه من كل ظلم وعدوان؟
ربما كان أقرب التعريفات التي
توضح مفهوم العدل ما قاله بعض الحكماء:
إنه إعطاء كل ذي حق حقه، بلا إفراط ولا
تفريط.
ولكن هذا التعريف الجميل، لا
يحل العقدة، حيث ينشأ هنا سؤال مهم يتطلب
الإجابة أيضًا، وهو: من الذي من سلطته
واختصاصه أن يوزع الحقوق على من يستحقها،
وما يستحقها، فيجعل لهذا الشخص أو هذه
الجماعة حقًّا، ولا يجعل لذاك أو أولئك.
ويجعل لهذا الأمر حقًّا، ولا يجعل
لمقابله حقًّا؟ ومن الذي يحدد مقدار الحق
ومداه كما أو كيفًا؟ أليست هذه معضلة
أيضًا؟
إن الاشتراكي الماركسي سيقول:
من حق الدولة أن تسيطر على الإنتاج
والاستهلاك، وليس من حق الأفراد أن
يتملكوا الأراضي أو المصانع والآلات
ونحوها، وليس من حق الآباء أن يورثوا
ثروتهم من بعدهم لأبنائهم.. ومن حق
المادية الجدلية أن تكون هي المنهج
السائد في كل تفكير، وأن يكون التفسير
المادي للتاريخ هو العمدة في تعليل كل
حادث، اليوم وغدًا. وليس من حق الدين أن
يعيش في هذا العصر بعد أن ثبت عندنا أنه
أفيون الشعوب ومخدر للملايين.
والرأسمالي سيقول: من حقي أن
أثمر مالي بالطريق الذي يجلب إليّ ربحًا
أكثر، كالربا أو الاحتكار أو ما شئت، ما
دمت لا أجبر على ذلك أحدًا، ولا أستعمل
الحديد والنار لكي يستقرض الناس مالي
ويعطوني الفوائد عليه. ومن حقي أن أتبرع
للفقراء والمساكين إن طابت نفسي، وأن
أقبض يدي إن شئت. ومن حقي أن أوصي بمالي
كله لابني الأكبر، أو لعشيقتي أو لمن
أريد من الناس. ومن حقي أن أشرب الخمر
وألعب الميسر، وأن ألهو وأتنعم ما شاء لي
الهوى. فالمال مالي، وما كان من ضرر فسيقع
على رأسي لا على رؤوسكم، وسأتحمله وحدي.
من الذي يفصل بين هؤلاء فيما
يدعون من الحقوق لأنفسهم؟ لا أحد إلا رب
الناس، ملك الناس، إله الناس.
ورب الناس إنما يتصل بالناس
ويبلغهم ما يريده منهم عن طريق كتبه على
ألسنة رسله.
ولهذا كان الكتاب الإلهي ضرورة
لا بد منها؛ ليضع للناس المبادئ العامة
والأحكام الهامة التي بدون الاهتداء بها
يتيهون في بيداء مهلكة، ويخبطون خبط
عشواء في ليلة ظلماء. فلا ينتهون إلى
مبدأ، ولا يهتدون إلى غاية، ولا يتفقون
على طريق. مثل هذه المبادئ الأساسية:
هل يباح للناس التملك أو لا؟
وهل يباح في حدود وشروط أو إباحة
مطلقة؟ وما هي وسائل التملك المشروع؟
وهل للمجتمع حق التدخل إذا
انحرف المالك أو لا؟
وهل للضعيف حق عند القوي؟ وكيف
يؤخذ منه؟
وهل يشرع التفاضل في الأرزاق
إلى أي حد؟... إلخ.
وهل يشرع التوارث أو لا؟ وعمن
يكون؟ وكم يكون؟... إلخ.
سؤال وجواب:
لماذا لم يترك للناس أنفسهم أن
يختاروا المبادئ ويقرروا الأحكام التي
يرونها أليق بهم وأصلح لشأنهم؟
والجواب: أن هذا متعذر على البشر.
فمن الناس الذين سيختارون
ويقررون؟
لا شك أن اجتماع الناس جميعًا
غير ممكن وغير مفيد. فلا بد من اجتماع قلة
تمثل الآخرين وتعبر عنهم، ولكن من الذي
يختار هذه القلة؟
قد يقال: يختارهم حاكم عادل،
ولكن من الذي يضمن عدله، وحياده، أولاً،
ويضمن سلامة تقديره واختياره ثانيًا،
ويضمن الرضا عن اختياره ثالثًا؟!!
وقد يقال: الشعب هو الذي
يختارهم، ولكن من أي الأصناف يختارهم؟ من
العامة -العمال والفلاحين مثلاً- وهم
الأغلبية؟
فالعامة، لا يستطيعون أن يهتدوا
إلى الصواب في هذه الأمور الخطيرة.
أم من الخاصة؟ فكيف يضمن
تمثيلهم لمصالح العامة وهم بشر تحكمهم -ولا
شك- نفوسهم ومصالحهم عن شعور أو غير شعور؟!
على أن الشعب كثيرًا ما يخدع فيختار
الطالح يظنه صالحًا!.
وفوق هذا كله، فالبشر بصفتهم
بشرًا - محكومون بأمرين لا خلاص منهما:
الأول: قصور المعرفة
الإنسانية التي تتغير وتتبدل بتغير
الظروف والأوضاع؛ نظرًا لمحدودية العقل
البشري الذي تؤثر في حكمه عوامل شتى من
الوراثة والبيئة والثقافة والملابسات.
والثاني: غلبة الأهواء
والميول البشرية التي لا ينفك عنها إنسان
مهما بلغ من حسن الأخلاق، وجمال الطباع؛
إذ لا بد أن يتأثر بالميول والنزعات
الشخصية والأسرية والإقليمية والطائفية
والوطنية والقومية.
وقد يتسامح في الأمر لو كان
يتعلق بالجزئيات والتفصيلات، أما وهو
يتعلق بالمبادئ الأساسية والأحكام
الرئيسية، فالأمر أخطر وأعظم من أن
يتهاون فيه.
هذا إلى أن إعطاء مجموعة من
البشر حق التشريع المطلق لسائر الأمة،
بحيث تختط لها منهج حياتها، وتحدد لها
أهداف وجودها، ومعالم شخصيتها، وأصول
علاقاتها، وقيم سلوكها، وموازين تفكيرها
- إعطاء مجموعة من البشر هذا الحق، معناه
في نظر الإسلام: منحهم نوعًا من "سلطة
الألوهية" التي من حقها الانفراد
بالحكم والتشريع، وجعلهم "أربابًا من
دون الله"، أربابًا لمن يشرعون لهم
فينفذون، ويأمرونهم فيطيعون. وهذا ينافي
هدف الإسلام في تحرير البشر من عبودية
بعضهم لبعض، وخضوع بعضهم لبعض.
سلطة الكتاب الإلهي:
من أجل ما ذكرنا كان لا بد من
سلطة تمتاز بالعلم الشامل، والعدل
الكامل، سلطة أعلى من سلطة البشر، سلطة
معصومة لا تضل ولا تنسى، سلطة عادلة
محايدة، تشرف على الجميع من عليائها، لا
تتحيز لقوم دون قوم، ولا لطبقة دون طبقة،
ولا لفريق دون فريق، سلطة تنظر للضعفاء
نظرتها إلى الأقوياء، وللفقراء نظرتها
إلى الأغنياء، وللنساء نظرتها إلى
الرجال، وللمحكومين نظرتها إلى الحكام،
وللسود نظرتها إلى البيض.
سلطة يتحاكم الجميع إليها
فيرضون بها حكمًا؛ لأن قولها هو الفصل،
وحكمها هو العدل. وتلك هي سلطة الكتاب
الإلهي الذي أنزله إله ليس بينه وبين
الناس نسب، إلا أنه ربهم وخالقهم
وبارئهم، الرحيم بهم، والعالم بما
يصلحهم وما يفسدهم: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ
الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) (البقرة:
220)، (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14)، (إِنَّ
اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (البقرة:
143).
ولا بد أن يكون هذا الكتاب
مصونًا من التحريف والتبديل، حتى لا تعبث
به أهواء البشر، وأوهام البشر.. ولم يبق
في الأرض كتاب سماوي سليم من ذلك غير
القرآن الكريم: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ
عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 41
-42).
الميزان الذي أنزله الله:
ولكن الله أنزل مع الكتاب شيئًا
آخر هو: الميزان. وقد قرن بينهما في سورة
أخرى هي سورة الشورى فقال: (اللَّهُ
الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) (الشورى: 17).
وفي سورة الرحمن يقول تعالى: (وَالسَّمَاءَ
رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلا
تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ *
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ
وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن: 7 -
9).
فما هذا الميزان الذي قرنه الله
بالكتاب حينًا، وقرنه برفع السماء
حينًا، وأمرنا ألا نطغى فيه ولا نخسره،
وأن نقيم الوزن بالقسط؟ هل هو الميزان
الحديدي الذي توزن به البضائع؟
ذهب إلى ذلك بعض المفسرين، ولكن هذا يقرن
بالكيل لا بالكتاب، ثم لا يبلغ شأنه مبلغ
الميزان المذكور في مطلع سورة الرحمن،
المقرون برفع السماء مسكن الملائكة،
ومصدر الوحي الإلهي.
لا بد أن يكون إذن ميزانًا
معنويًّا توزن به الأفكار لا الأشياء،
والحقائق لا الحقائب، والمعاني لا
الصور، ميزانًا تقوم به العقائد
والأخلاق والأعمال والأشخاص، والأنظمة
والمذاهب.
وأقرب عبارة لتحديد معنى هذا
الميزان -والله أعلم بمراده- أنه القيم
الأخلاقية الأصيلة التي توارثتها
الأجيال عن النبوات الهادية، وأنه
المقاييس الإنسانية السليمة التي تهتدي
بالكتاب الإلهي لمعرفة الحق قياسًا
للأمر بنظيره، وردًّا للفرع إلى أصله.
وقد جاء عن قتادة ومجاهد
وغيرهما من مفسري السلف أن الميزان في
الآية: هو العدل.
اختاره ابن جرير شيخ المفسرين،
وأيده ابن كثير قائلاً (تفسير ابن كثير:
414/4، طبعة الحلبي): وهو الحق الذي تشهد به
العقول الصحيحة المستقيمة، المخالفة
للآراء السقيمة. كما قال تعالى: (أَفَمَنْ
كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) (هود: 17)،
وقال تعالى: (فِطْرَت اللَّهِ الَّتِي
فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: 30).
وقال بعض الحكماء: "العدل ميزان الله
في الأرض، وضعه للخلق، ونصبه للحق".
وبهذا نعلم أن الأديان السماوية
كلها جاءت لتضع للناس ميزانًا خلقيًّا
ثابتًا، غرس الله تعالى أصوله في فطرهم
وعقولهم، ميزانًا يتحاكمون إليه، إذا
أعوزهم النص من الكتاب الإلهي.
وبهذه الآية استدل الفقهاء
الذين يستعملون الرأي والقياس في معرفة
الأحكام الشرعية، وبينوا أن النص الصريح
لا يخالف القياس الصحيح، وأن الشرع لا
يفرق بين متماثلين كما لا يسوي بين
مختلفين. قال المحقق ابن القيم: "قد ثبت
أن الله أنزل الكتاب والميزان، فكلاهما
في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام
شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه،
فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه، ولا
يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض
دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة
الصحيحة، بل كلها تتصادق متعاضدة
متناصرة، يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها
لبعض، فلا يناقض القياس الصحيح النص
الصحيح أبدًا" (إعلام الموقعين: جـ 409/1
نشر مكتبة ابن تيمية بتحقيق عبد الرحمن
الوكيل).
ليس العدل هو المساواة
دائمًا:
العدل إذن هو التوازن بين قوى
الفرد وطاقاته الروحية والمادية، وهو
التوازن بين الفرد والمجتمع، ثم بين
المجتمع وغيره من المجتمعات، ولا سبيل
إلى هذا التوازن إلا بتحكيم شريعة الله
سبحانه، وما أنزل من كتاب وحكمة. فليس
معنى العدل المساواة المطلقة، فإن
المساواة بين المختلفين كالتفريق بين
المتماثلين، كلاهما ليس من العدل في شيء،
فضلاً عن أن المساواة المطلقة أمر
مستحيل؛ لأنه ضد طبيعة الإنسان وطبيعة
الأشياء.
العدل أن تسوى بين المتماثلين
بقدر تماثلهما وتشابه ظروفهما، وأن تفرق
بين المتخالفين بقدر تخالفهما وتباين
ظروفهما.
يقول الأستاذ عباس العقاد رحمه
الله: "المساواة المثلى هي العدل الذي
لا ظلم فيه على أحد، ولهذا لم يستطع فقهاء
التعريفات أن يجعلوها مساواة في
الواجبات؛ لأن المساواة في الواجبات، مع
اختلاف القدرة عليها ظلم قبيح".
"ولم يستطيعوا أن يجعلوها
مساواة في الحقوق؛ لأن المساواة في
الحقوق مع اختلاف الواجبات، ظلم أقبح من
ذلك؛ لأنه إجحاف يأباه العقل، وإضرار
يحيق بالمصلحة العامة، كما يحيق بمصلحة
كل فرد من ذوي الحقوق والواجبات".
"وقوام الأمر إذن أن تكون
المساواة العادلة مساواة في الفرص
والوسائل، فلا يحرم إنسان فرصته لإحراز
القدرة التي تمكنه من النهوض بواجب من
الواجبات، ولا يحرم وسيلته التي يتوسل
بها إلى بلوغ تلك الفرصة، ما استطاع من
وسائل السعي المشروع".
|