|
إن
طائر القِطْقاط الذهبي هو أحد الطيور
المهاجرة، وموطنه الأصلي هو كندا،
ويقوم بالهجرة من كندا إلى أمريكا،
وهي رحلة طويلة وشاقة. ومما يزيد من
مشقة هذه الرحلة، ويعمل على صعوبتها
أن أسراب هذا الطائر تقطع هذه الرحلة
بصورة متصلة، فطول هذه الرحلة يصل إلى
نحو ثلاثة آلاف ميل.
ومما
يزيد من صعوبتها أنها تتم في سماء
المحيط الهادي، وإذا كان من الطبيعي
أن يلجأ الإنسان والحيوان - خلال
الرحلات الطويلة - إلى أن يقطعها على
مراحل؛ حيث يلتقط بعض أنفاسه، ويريح
جسمه المكدود لبعض الوقت، فضلاً عن
تمكنه من تناول بعض الطعام والشراب أو
الوجبات الغذائية الخفيفة التي تناسب
هذه الظروف، فإننا نجد هذه الطيور
تدخل في نوع من الصيام الإجباري
والمتواصل ليلاً ونهارًا، فليس
أمامها من سبيل سوى مواصلة الرحلة، مع
استمرار الصيام؛ فهي بين أمرين
أحلاهما مر، وهي تذكِّرنا بمقولة
القائد المسلم لجنوده وقد أصبحوا
مواجهة العدو حقيقة:
"البحر
أمامكم، والعدو من ورائكم".
فهذه
الطيور كذلك ليس أمامها من سبيل سوى
مواصلة الرحلة والتشمير فيها عن
سواعد الجد؛ لأنها إذا أرادت
الاستراحة والتقاط النفس، فإنها
ستسقط حتمًا في ماء المحيط، فنراها
تستعين بالله لإنجاح رحلتها، وكأنها
تنظر من شاهق إلى صورها على صفحة
الماء فتظنها أفرادًا قد أدركها
الغرق، فتظن أنها أحسن حالاً، ويظل
يدفعها هذا المنظر على الابتعاد عن
صفحة الماء؛ حتى لا تغرق في لججها،
وتستمر على هذه الحال صائمة طائرة
لمدة ثلاثة عشر يومًا، وهي بهذا تصوم
صوم الوصال، الذي نهى عنه الرسول (صلى
الله عليه وسلم) أصحابه؛ مُعلِّلاً
ذلك بقوله: "إني أبيتُ عند ربي
يطعمني طاعم، ويسقيني ساقٍ"، فإذا
كان الله قد قدر عليها هذه الرحلة
الشاقة، فإنه يمدها بالطاقات التي
تساعدها على إتمام رسالتها، وتعمل
على إنجاح مهمتها؛ فالشوق يدعوها،
والأمل يحدوها.
ولا
شك أن صيام هذه الطيور على هذا النحو
يعطينا أعظم الدلالات على قدرة الله
سبحانه، ويضيف إلينا صورة أخرى
وبعدًا آخر من أبعاد منظومة الأمم
والكائنات الصائمة؛ فإذا كنا قد
ذكرنا أن ثعابين السمك تصوم صوم
الوصال العامين أو ثلاثة أعوام؛ سواء
أكان ذلك في الصوم الأول وهو صيام
الصغار، أو كان في الصوم الأخير وهو
صيام الكبار، فإن طائر القِطْقاط
الذهبي يقوم بهذه المَلْحمة في جو
السماء؛ وعليه فإنه ما إن يصل إلى
محطة استراحته، حتى يستريح بعض الوقت؛ ليستعيد أنفاسه
اللاهثة، ثم
يواصل الحصول على الطعام بشهية،
وبكميات تفوق احتياجاته؛ حتى يدخر
منها شيئًا في صورة مواد دهنية، فما
زالت رحلة العودة -في نفس الطريق- تدق
في ذهنه، وتلح على خاطره.
|