|
د.علي
العلي
مدير
جامعة آل البيت العالمية |
|
 |
|
د.
علي العلي |
عندما
تناغينا كلمات تبحث عن المنهج
الواعي للتكامل والسير نحو آفاق
الخلود والكمال أنحني منصاعاً
لقلمي، أدور معه إذ أرسم من خلاله
ما تجود به أناملي التي تسعى
للتسبيح من خلاله للمس سحب الروح
ونسمات الوجد.
لكي
نضع أمام أنفسنا منهجاً يعطينا
الكمال فوق الكمال لا بد لنا أن
نعي العبادة جوهراً وحكماً، ولعل
الحكم هو المؤدي لفهم الجوهر إذ إن
الجوهر لا ينال من خلال الحكم
انصياعاً للحكم بل علماً وعقلاً،
والعلم لا يقف عند حفظ المعلومة،
بل التفكر فيها وتداولها بالوجدان،
فنعيش معها وتعيش معنا.. ونظرة
لذلك نجد أن الصوم مثلاً هو أحد
الملاذات للعلم والعمل لكن عبر
تحديد معين.
فعندما
نتأمل معاً:
أن
شهر رمضان المبارك لا يثبت إلاّ
برؤية الهلال، نجد أن هناك بعدُ
آفاقاً تربط الإنسان بالسماء عبر
ترقبه للأفق الأعلى يوماً بعد يوم،
وساعة بعد ساعة، بل يعيش بوجدانه
نحو الأفق لكي يسمو من خلال قوس
رفيع إلى قاب قوسين أو أدنى.
وعندما
نجد أن هذا القوس يطل علينا عبر كل
أيام السنة فمرة نعيش شهر رمضان
صيفاً وأخرى شتاءً وثالثة ربيعاً
ورابعة خريفاً.. نجد أننا نتقلب
بين تشريع يتنوع ويتلون بالتكوين
حيث تلامس عبادتنا أيام السنين
عبادة، فنعيش طوال سني عمرنا في
صوم، فلا يمر علينا يوم من أيام
السنة بفصولها إلاّ ونحن صمناه
عابدين خاشعين وهذا هو التنوع في
العبادة.
وهو
تجديد لروح العبادة وتداول
لمعانيها فشعائر العبادة
تتداولها الأيام حتى نكون مع قوله
تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين
الناس) آل عمران: 140.
هذه
التأملات تبعث على وجود ترابط
وتمازج رهيب أغفلنا عنه أنفسنا مع
أن التشريع يضخه في عباداتنا
وجوارحنا حتى تعيه جوانحنا لكننا
مع الأسف نغرق في جادة الظلام
ونترك آفاق النور.
لذا
فإن البداية تكون بالتأمل والتفكر
فعندما نعيش مع آيات الذكر الحكيم
نجد أن الكثير منها يختم بمفردات
تحاكي:
أفلا
تتفكرون، أفلا تتدبرون، أفلا
تعقلون...
فلنقف
قليلاً عند التفكر، ولنحاكي
التدبر عبر التعقل حتى نعي ذلك في
عباداتنا ومناسكنا.
عند
هذه المرحلة نصل إلى آفاق واسعة
لفهم التشريع والتكوين، ومنها لا
بد أن نقف مع النفس والجسد هذه
المعادلة التي مزجت بين المعقول
والمحسوس فأيهما هو الحاكم؟
في
الأصل كانت الروح هي الأساس، لكن
الانغماس بالمحسوس والإفراط فيه
والتوغل من خلاله لفهم كل شيء أدى
لهذا الانغماس.
وأعود
للتأمل فعندما نقف عند قريب لنا في
ليلة احتضاره تجدنا نعيش معه
ونتوسل البقاء معه، لكن عندما
تغادر الروح هذا الجسد ننفر منه،
بل نخافه إن لم نكن نرتجف منه.. مع
أنه صاحبنا بالأمس، لكننا ألفنا
الروح في الواقع من خلال الجسد
وعندما غادرت، غادرت معها الألفة
لـه، لذا تجدنا لا نقف مع أجساد
الأموات إلاّ برهبة وخوف بينما
نعيش مع أرواح الصالحين والأولياء
بحب ولهفة فالأصل هو الروح، وما
الجسد إلاّ أداة لتصريف أمور هذه
الروح في هذه النشأة لكن أين من
يعيش معنا هذه الأبعاد؟؟!!
كذلك
التشريع؛ عندما أقف معه وقفة
الروح مع الجسد، وقفة المعقول
والمحسوس أجد فيه آفاقاً وأبعاداً
حيث أرى فيه نوراً يشع، يخفت عندما
نميل إلى المعصية ويستمر هكذا
بالإصرار عليها حتى ينطفئ بريق
الرحمة والتوفيق للكمال، وعندما
أتجه للطرف الآخر بالحفاظ على هذا
النور وأعمل على زيادة وهجه:
فأنا
أتجه بذاتي نحو ذاتي..
أتجه
بجسدي نحو روحي..
أتجه
بشريعتي نحو شريعتي..
عندها
أقف على عتبة الكمال فلم يكن هذا
إلاّ عبر تأمل، فتوازن، فتوجه نحو
الكمال، ثم الكمال، وهكذا التكامل،
وهذه مفاتيح لا بد من فهمها وفهم
آليات التعامل معها، فعندما نقف
أمام القوى التي تتصارع في الذات
لا بد أن نقف عند الذات، فنعي عبر
التأمل لكي نتوازن، ثم نتوجه، ثم
نتكامل.. فمسار الذات يبدأ من هنا
ويعود إلى هنا، لكنه لا يقف هنا..
بل آفاق التكامل تتكامل، فتتوالد
عبرها معادلة صراع القوى التي
يولّد منها الكمال بعد أن كانت
مفرطة بالانحطاط أو عدم الاتزان؛
لكن لا يتحقق كل ذلك إلاّ عبر
التشريع الحنيف والمنهج الأصيل
والذي يحكمه قوله تعالى:
(لا
يكلف الله نفساً إلاّ وسعها)
البقرة: 286.
عبر
قوله تعالى:
(لا
يكلف الله نفساً إلاّ ما آتاها)
الطلاق: 7.
عند
هذا يقف القلم حتى يتأمل ويتأمل من
جديد في حوار الذات للذات. |