بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين


الثمن

22/1/2001

مدريد - نوال السباعي

يقال إن لكل شيء في هذه الحياة ثمنًا، وإنه "ما من رجل إلا وله ثمن"، حتى أولئك الرجال الذين يستعصون على الأثمان، وأن للصغار منهم ثمنًا وللكبار ثمنًا، وكما أن لأصحاب النهم المادي ثمنًا فكذلك لمنهوم العلم ثمن، فهل سأل كل واحد منا نفسه: ما هو ثمن الأشياء والأحداث التي تجري من حوله؟ ومن يدفع ثمنها؟ وكيف؟

وهل يسأل الواحد منا: إلى أي نوع من الرجال ينتمي؟ وكم ثمنه؟ ألف دولار؟ مائة ألف؟ منصب؟ وجاهة؟ مستقبل؟ كلمة مديح؟ إعجاب بالنفس؟ تصفيق الجماهير مهما كانت قليلة أو غبية أو تتشكل من مجموعة من الإمعات؟

هل يكون ثمن أحدنا مكتبة تهدى إليه؟ أو مؤتمر يستضاف فيه فيكرَّم ويعزز بما هو كفيل بقصِّ لسانه؟ أم بضع رسائل تصله تمجد قلمه وتمدحه وتشد على عضده؟

ما ثمنك أو ثمني؟ زوجة جميلة غنية يحظى بها المرء فيجد أمام الناس ما يبرر رغبته في التفاخر على عباد الله؟ أم التهديد باعتقال أحد أو كل أفراد الأسرة لكي يكف عن التعليق الدائم حول قضايا مملة كالحرية والكرامة والإنسان، وبناء هياكل المجتمع ليحل مكان مجتمع القبائل ودولة المؤسسات لا الصدقات والمنح العلوية التي يصبح معها المواطن متسولاً في وطنه؟

ما ثمني أو ثمنك؟ خوفي أو خوفك أن يلحق بأولادنا سوء بسبب كلمة خطها المرء قبل خمسة عشر عامًا، ولا يكاد الواحد منا يميز أيهما أشد قهرًا وإيلامًا: هل الثمن لقمة عيش شريفة؟ أم لقمة عيش مدنسة بالذل والامتهان؟

معادن وأثمان

كلما ارتفع الثمن المادي كان معدن الرجال بخسًا، وكلما صعب الثمن كان الرجل من طينة مُتعِبة العريكة؛ فمن الرجال من يتفنن الآخرون في شرائه، ومنهم من يُلقَى إليه الفتات وهو يسير خلف من يظنهم أرباب نعمته، مطأطئ الرأس ذليلاً؛ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، حتى لتجد أحدهم يبالغ في مديح أسياده إلى درجة تتمعر معها وجوههم، ويستحيون من الناس إن كانت فيهم بقية من حياء.

ومن الرجال من تكفيه البسمة في وجهه والإكرام والرضى، ومنهم من تلجمه الكلمة الطيبة، ومنهم من يقيّده العهد والوعد، ومنهم من ثمنه عمل المعروف، والتوسيع على عباد الله والسير في حوائجهم.

ومن الرجال أغوال؛ لا تكفيهم تلال من جماجم الضحايا، ولا تروي عطشهم أنهار من دماء المظلومين، ولا يرضي غرورهم إلا اعتقال الناس وتعذيبهم وإذلالهم واستلاب الحياة من عروقهم صبرًا وحزنًا. ومن الرجال من يريد رضى شعبه وحرية مواطنيه وسعادة الإنسان في بلده ثمنًا ليسود هذا الشعب وذاك الوطن.

ثمن استيقاظ الأمة

رجال وأثمان، وأوطان وأثمان، وأزمنة وأثمان، ولعلك تجد شطيرة جبن في مدريد تباع بدولار واحد، وثمن صحيفة كصحيفة "الموندو" أقل من دولار، وهي التي تحمل لنا كل صباح الدنيا فتضعها بين أيدينا. وطالما وجدت في سوق الأحد كتبًا قديمة لا تقدر بثمن، وهنالك تباع بثلاثة دولارات!

وما ثمن نيل أحدنا جائزة نوبل للجنون والفنون على سبيل المثال لا الحصر؟ ولقد كان ثمن استيقاظ الأمة دم "مُحمَّد الدُّرَّة"، وقد استغرق دفع ثمن عودة الفلسطينيين إلى إيمانهم بالأمة العربية من جديد عشرين عامًا، وثمن اجتماع القمة العربية كان استشهاد مائة وستين من فلذات الأكباد، وثمن استجابة الفضائيات العربية لنزيف الدم الفلسطيني كان عين طفل مقدسي لا يعرف من طعم الطفولة إلا قصر قامته، وصوتًا نديًّا يقلد كبرياء الكبار، ويلمّ عجزهم الجريح فيعيد تصنيعه في تلك البراءة، ثم ليخرج علينا بكلمات من نار ونور في ذلك الفم الطاهر الصغير.

ثمن تحريك الأمة شهداء وشهداء، وآذان وعيون وأرجل وأيدي مضرجة، وإعاقات دائمة لشباب في عمر زهور الياسمين، وثمن تجميد العلاقات مع "الكيان الغاصب" غضب الأمة، ثم كسر خاطرها، ثم حرق أعصابها، ثم تهديد واضح بتمزيق الصف، والضرب عرض الحائط بقدرتنا الرهيبة على الصبر الذليل واحتمال القهر، وبيع الرجال أنفسهم بأثمان بخسة زهيدة. في سوق النخاسة الوطني "دار مشبوهة" يُباع ويُشترى فيها كل شيء. كل شيء؛ الماضي والحاضر والمستقبل؛ الأرواح والأفكار والولاءات؛ الأولاد والنساء والآباء والأجداد؛ الأهواء والآلهة والملائكة والشياطين.

ثمن سحب السفراء من لدى "الكيان السرطاني" خمسة عشر ألف جريح، وهدم البيوت على المعذبين في أرضنا، وترويع الأطفال وزلزلة أحلامهم في لعبة يفرحون بها ليلة العيد حتى لو كانت من صدقات أصحاب الضمائر التي تريد أن ترتاح ليلة العيد على الأقل، واضطراب كل شيء واختلاط كل شيء، وثلاثون عامًا من القهر المستمر والتعذيب والتركيع والتخريس، وتجريد الشعوب من حقها في حياة إنسانية.

ثمن تحرير القدس

فماذا يكون ثمن تحريرك يا قدس؟ وماذا يكون ثمن الرجال الذين سيحرّرون هذه الأمة من أغلالها وقيودها وركوعها الدائم الذي أحنى منها الظهور، فما عادت الجباه تصافح غير صفحات أحذية الغزاة والطغاة اللامعة؟!

وكم من الثمن والوقت ستستمر يا شعب الأرض المباركة في دفع كل "فواتير" خنوعنا واستسلامنا؟ نستند إليك ونعيش على موائد صمودك وجراحك وحياتك؛ نحن الأموات؛ نتنفّس عفنًا، وأنتم هناك يا أبناء الشمس، يا أطفال الحجارة، ما زلتم هناك وحدكم الراضين القادرين على دفع الثمن، تمنحوننا في كل ساعة سببًا لاستمرارنا على قيد الحياة.


إستراتيجيات |القضية الفلسطينية | المنطقة العربية | بقية العالم الإسلامي | آسيا | أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا | إفريقيا | شئون عالمية | رواق الأفكار | مساهمات الزائرين

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع