|
لم
يزل الفكر العربي الإسلامي مسكونًا
بهمِّ السقوط والنهوض الحضاري الذي
عبَّرت عنه صياغات عديدة أشهرها
التساؤل الذي ذاع منذ عصر النهضة "لماذا
تخلف المسلمون وتقدم غيرهم"؟،
وتباينت الاجتهادات المطروحة
للإجابة على هذا السؤال، وإقامة أسس
نهضة جديدة بدءاً من الاجتهادات
الأولى للكواكبي – خاصة في كتابه أم
القرى – والأفغاني ورشيد رضا إلى
الاجتهادات المعاصرة لعلي شريعتي
وفاضل رسول ومحمد عمارة وطارق البشري
وغيرهم.
وعلى
الرغم من أن هذه الاجتهادات ترى
الأزمة الحضارية الحالية متعددة
الجوانب، ومن ثَم متعددة الأسباب،
فإن القاسم المشترك بينها أنها ترى أن
هذه الأزمة هي بالأساس أزمة في مناهج
التفكير، وتخلف العقل المسلم عن
تطوير طرائق جديدة للتعامل مع الواقع
والاستجابة المبدعة للتحديات
المعاصرة.
ومن
ثَم كان لا بد من تنشيط الاهتمام
بمناهج الفكر، والأطر المعرفية
القائمة ونقدها، وطرح النماذج
المعرفية البديلة، واستكشاف
إمكانيات تفعيلها في الحقول العلمية
المختلفة من خلال جملة من الأنشطة
التي تتراوح بين الندوات العامة
وحلقات النقاش إلى المشاريع البحثية
الممتدة.
لقد
كان التوحيد هو المبدأ العقدي الذي
رفع العقل الإنساني من وهدة الخرافة،
وحرَّره من أسر تسلط السلطة، سواء
كانت سلطة التقليد أو سلطة الحكم أو
سلطة الميول والأهواء، ومن هنا كان
طرح مفهوم رؤية العالم؛ ليكون ضمن
مقدمة قائمة المفاهيم التي يجب أن
يعنى بها العقل المسلم؛ فهذا المفهوم
يتضمن أبعادًا وجودية ومعرفية قيم
عليا (أكسيولوجي) تتكامل في تصور كلي
يمثل جوهر العقيدة، كما أنه يرسي
أساسًا للحوار مع الآخر المختلف
حضاريًّا؛ وصولاً لرؤية إنسانية
شاملة تقوم على المشترك الإنساني
العام، وتستعيد للإنسان إنسانيته
بعيداً عن تفتيته واختزاله في أحد
أبعاده (الإنسان المستهلك/ الإنسان
الاقتصادي أو الاجتماعي).
لذا
كان من مناطق الاهتمام التي يجب
المرابطة عليها دراسة كيف انسابت
الرؤية الغربية للعالم في العلوم
الاجتماعية، وانعكست في نشأتها
وافتراضاتها وتصنيفاتها ونظرياتها،
والإمكانات التي يتيحها المنظور
التوحيدي لدفع تقدم هذه العلوم
بعيداً عن الاستقطاب والثنائيات
العلمانية/ الدينية، المادية/
المثالية التي أثرت على تطور هذه
العلوم، وعليه تصبح إثارة النقاش
وطرح الأسئلة - لا تقديم الإجابات -
لتحفيز العقل العربي المسلم على
الاجتهاد هو الأمل في تجاوز حالة
الركود السائد.
والله
من وراء القصد
وهو
يهدي السبيل
|