|
العم
"أبو حسون" أحد وجوه الحي
المعروفين، فهو من بين القلة الذين لم
يتلقوا حظًّا من العلم والمعرفة، وكان
مشهورًا ببساطته التي تصل إلى حد
السذاجة، وبعدم تقديره الصحيح للأمور،
وبخيالاته الجامحة التي تمتد إلى غير
المعقول، وكان كل من يراه يشك أن لديه
أشياء كثيرة يود البوح بها، ولكن أحدًا
من الساكنين بالحي لم يَحْظَ بثقة العم
المتكتم ليبوح له بأسراره الثمينة.
بالأمس
القريب انتقل العم "أبو حسون" إلى
العالم الآخر، وترك وصية أحبَّ أن
تُقرأ بعد موته على أهالي الحي لتبرأ
ذمته كما قال فيها رحمه الله، وننقل
وصية العم أبو حسون على بساطتها
وغرابتها دون أي تعديل للأمانة.
أهالي
الحي الأعزاء:
بما
أنني اليوم أحس باقتراب تسليم الروح
إلى بارئها وعودة الأمانة إلى معطيها،
فسوف أبوح لكم بأشياء كانت تجول في
خاطري وقلبي لأكثر من ستين عامًا
وأكتبها من دون ترتيب أو تنسيق؛ لأنني
اعتدت الحياة هكذا، ولا أرى بأسًا أن
أموت كما عشت، وسامحوني على جرأة
أفكاري، فسبب هذه الجرأة أنني اليوم لا
أمل لي في أي شيء، ولا خوف عندي على أي
شيء، ولو كنت أعرف أن الأموات لديهم كل
هذه الجرأة لتمنّيت الموت منذ أعوام
طويلة، كذلك سامحوني على قلة معرفتي
العلمية والدينية فما أنا إلا عيِّنة
من هذا الوطن الكبير، ولن تعدم صدوركم
من مكان للصفح عن جاهل ميت ليس له أي
تأثير في الحياة، طالما أن الجاهلين
الأحياء يملؤون المجالس المختلفة في
هذا الوطن.
إخوتي
الأعزاء:
أصارحكم
واعترف أمامكم أني قد وصل بي تفكيري
الناقص أني حلمت أن أحصل يومًا على
تأشيرة دخول صالحة لجميع دول هذا
العالم العربي، فصفحات جواز السفر
الخاص بي والتي قدرت قياسًا على حجم
عقلي المحدود لا تتسع لتأشيرات الدخول
العربية جميعًا، ولم يقف الأمر عند هذا
الحد، بل وصل الأمر بي أني تخيلت هذا
الوطن العربي دولة واحدة موحَّدة من
المحيط إلى الخليج، ولكنني عدلت عن هذا
الرأي المخطئ ليس بسبب خوف أو تهديد -
ومن أي شيء يخاف من كان تحت التراب -
ولكن استجابة للعقل والمنطق، فبعد
التفكير الطويل وجدت من الأنسب بقاء
هذا الوطن على ما هو عليه، وبما أنني
أعلم أنكم ستعجبون من قولي هذا فدعوني
أشرح لكم: كما تعلمون فهذا الوطن يعاني
من مشكلة البطالة بشكل كبير، فلو
توحَّدت أنحاء هذا الوطن لأحلنا
العديد من الموظفين والمسؤولين من
مختلف الاختصاصات والرتب إلى التقاعد
الإجباري، مما سيسبب في تفاقم مشكلة
البطالة في هذا الوطن، ونحن في غنى عن
المزيد من الأزمات.
كذلك
أصارحكم أنني كانت تراودني من حين لآخر
أفكار ووساوس شيطانية - سامحني الله
عليها - وصلت بي أن تمنيت أن أرى زعيمًا
عربيًّا واحدًا يُنتخب بطريقة سليمة،
ويحكم بالعدل والنزاهة، ويترك السلطة
بعد مدة حكمه المحددة وهو يمشي على
قدميه ولا يحمل على الأكتاف (هنا همَّ
بعض الحاضرين بالمغادرة لأسباب غير
مفهومة لكن اضطرهم للبقاء حرج الموقف
والمودة التي يُكِنُّها الجميع للراحل).
ويتابع
أبو حسون في الوصية:
كذلك
وصل بي فكري الجامح أن تمنيت أن أرى قمة
عربية واحدة تدور مناقشاتها حول قصص
عنترة العبسي والزير سالم وتغريبة بني
هلال؛ لتنتهي القمة بقلوب صافية؛ لأن
فتح الملفات العربية الحالية يجلب
الشحناء والبغضاء بين الحاضرين، وأن
تنتهي دون اتخاذ أي قرار أو توصية،
فذلك أحفظ لماء الوجه من مئات القرارات
التي تبقى حبرًا على الورق.
وقادتني
أفكاري غير المنطقية أن تمنيت من أعماق
قلبي، وقبل موتي بدقائق معدودة أن تتاح
لي فرصة البوح على الملأ بكل ما في قلبي
وفكري من خواطر عمَّا يجري في هذا
الوطن الكبير ودون أي مواربة، ولتكون
السابقة الأولى من نوعها، ولتعطى بعد
ذلك جائزة "أبو حسون للجرأة العربية"
تمنحها جمعية "صراحة عربية بغير
حدود"، وتخصص فقط للعرب الصرحاء إلى
أبعد حد، وقد تقولون ها أنت يا أبا حسون
تبوح بما في قلبك، لكن كما ترون
وتفهمون فالفرق بيني وبينكم أنني
اليوم في عالم الأحياء وأريد منكم في
عالم الأموات أن تتعودوا الحياة، وإلى
أن يوجد من يبدأ هذا المشروع أترك
الفكرة أمانة في أعناقكم.
وحلمت
فيما حلمت به - سامحني الله - أن أموت
أنا وجميع المسؤولين عن أخذ القرارات
وتنفيذها في هذا الوطن الكبير في يوم
واحد، وأن ندفن في قبر واحد، وليس ذلك
لأنني أتمنى الشر للناس ولكن لتتاح لي
مقابلتهم وجهًا لوجه وسؤالهم واحدًا
واحداً عن سبب عدم تنفيذهم أي قرار من
التي اتخذوها في الحياة، وليعدموا
وسائل التورية والتهرب التي كانوا
يستعملونها، ولأخبرهم بكل صراحة كم من
مرة كنت أموت يوميًّا عند سماع
قراراتهم ومقترحاتهم التي لا تنتهي.
وفي
نهاية وصيتي:
كنت
أتمنى وأنا أرى عصر العلقمة القادم (يبدو
أن المرحوم أبا حسون كان يقصد أن يقول
عصر العولمة من هذه الكلمة الغريبة) أن
أكحِّل عيني - قبل موتي - برؤية شركة
واحدة في هذا الوطن الكبير لصناعة
الأجهزة الحديثة يكتب على منتجاتها
بالخط الكوفي العريق "صنع بجهد عربي
وأيدٍ عربية وعقول عربية"، فحسب
علمي المتواضع لم يخلُ هذا الوطن
المعطاء من الأموال اللازمة لذلك
وكذلك فإن هناك بقية باقية من العقول
الشابة لم تُتَح لها فرصة السفر،
تستطيع المساهمة في العمل.
وفي
الختام، تتابع وصية أبي حسون:
لا
تحرموني من صريح دعائكم، وأدعو الله أن
يعمّكم برحمته الواسعة وأن يلحقني بكم
في الصالحين، والسلام عليكم.
هنا
تنتهي وصية المرحوم "أبو حسون"
دون أي تعليق من الحاضرين.
أحد
المعزين كان يتمتم عند خروجه من العزاء
بتعليق على مجمل وصية المرحوم "أبي
حسون" بكلمات كان منها: سامحك الله
يا أبا حسون لقد عشت جاهلاً، وها أنت
تموت جاهلاً أيضًا.
|