 |
|
أبو مازن وأولمرت في أول لقاء بينهما السبت 23 ديسمبر 2006 |
.. وأخيرا وقع اللقاء المرتقب
بين أبو مازن وأولمرت يوم السبت الماضي 23
ديسمبر 2006، لم تكن المسافة الفاصلة بين
مقر أبو مازن في رام الله ومقر إقامة
أولمرت في القدس المحتلة تتجاوز بضع
كيلومترات قليلة، لكن قطع هذه المسافة
استغرق نحو ثمانية أشهر كاملة حتى يلتقي
الرجلان لأول مرة منذ تشكيل الحكومة
الائتلافية برئاسة كاديما وأولمرت.
وربما يرمز هذا الوضع إلي الحالة
الفلسطينيةـ الإسرائيلية كلها؛
فالمسافة الفاصلة بين الشعبين، على
الأرض، لا تكاد تذكر، ومع ذلك لم
يتحقق لقاء السلام بينهما بعد أكثر من
58 عاما من الصراع الدامي، وقد يستوجب
عقد هذا اللقاء سنوات إضافية أخرى لا
يعلم عددها إلا الله وحده.
كان لقاء أبو مازن- أولمرت قد تم
على طريقة أبو مازن المحببة، إذ لم يعلم
أحد حتى الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم
اللقاء بأمره، ولكن بعد أقل من ربع ساعة
تقريبا، كان موكب أبو مازن والوفد
المرافق له قد وصل إلى المقر الرسمي
لإقامة أولمرت في حي الطالبية بالقدس،
الذي أصبح اسمه الآن رحافيا، وعلى العكس
من أبو مازن الذي بدا متجهما، حرص مضيفه
أولمرت على إحاطة هذا اللقاء بقدر غير
قليل من الدفء والحفاوة، ولأول مرة في
تاريخ اللقاءات الفلسطينية- الإسرائيلية
يجري رفع العلم الفلسطيني على شرفة مقر
إقامة أولمرت جنبا إلى جنب مع العلم
الإسرائيلي، كما حرص أولمرت على أن يخاطب
أبو مازن طوال اللقاء بلقب الرئيس -وليس
رئيس المنظمة- كما كان كل رؤساء الحكومات
الإسرائيلية السابقين يلقبون الرئيس
الراحل ياسر عرفات.
لكن ذلك كله لم يبدد تماما
الأجواء القاتمة التي خيمت على الوفد
الفلسطيني الذي ترأسه أبو مازن برفقة
أحمد قريع (أبو علاء) رئيس الوزراء
الأسبق، والدكتور صائب عريقات، الذي
يحرص على تلقيبه بكبير المفاوضين، رغم
أنه لم يفاوض أحدا في الجانب الإسرائيلي
منذ أكثر من خمس سنوات.
والحقيقة التي يجب الاعتراف بها،
أنه على كثرة ما عقد سابقا من لقاءات بين
الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، فإنه
لم يحدث أن التقى من قبل ممثلون عن
الجانبين أضعف من أولمرت وأبو مازن..
فأبو مازن الذي يتمتع حقا بدعم أكثر
قليلا من نصف شعبه الفلسطيني لا توجد له
حكومة تدعمه، بينما بالمقابل يتمتع
أولمرت بحكومة يترأسها، لكن ليس له شعب
يدعمه. وربما لهذا السبب بالذات لم
يكن هناك من له أن يتوقع أن يسفر هذا
اللقاء عن أي مفاجآت سارة أو نتائج كبرى
تحدث اختراقا أو منعرجا في المسار الدامي
للعلاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية.
وربما لهذا اتفق الجميع تقريبا على أن
أهم ما في هذا اللقاء هو اللقاء في حد
ذاته، خاصة بعد فترة أكثر من خمس سنوات
من قطيعة شبه شاملة في عقد مثل هذه
اللقاءات، باستثناء بعض اللقاءات
الاحتفالية أو البروتوكولية التي فرضتها
الظروف الخارجية على فترات متباعدة،
ولم تترك خلفها أي بصمة أو أثر يدل عليها.
لكن الأمر في هذا اللقاء لم يقتصر بالطبع
على هذا المعني الرمزي للقاء في حد ذاته،
فبعد ساعتين من النقاش والجدل المتبادل،
أمكن في النهاية لكل طرف أن يحصل على شيء
ما من وراء هذا اللقاء.
ماذا جناه أبو مازن من
اللقاء؟
الجانب الفلسطيني أمكنه بعد هذا
اللقاء أن يعرض بعض النتائج التي تحصل
عليها والتي كان من أبرزها ما يلي:
- وافقت إسرائيل على تحرير 100
مليون دولار من مجموع نحو 500 مليون
دولار من أموال الضرائب التي تحتجزها
إسرائيل منذ تشكيل حكومة حماس، وتم
الاتفاق في هذا الاجتماع أن تذهب هذه
الأموال مباشرة إلى الرئاسة الفلسطينية
لتنفق من خلالها على الاحتياجات
الإنسانية، على أن يعاود الطرفان بحث
الإفراج عن المزيد من هذه الأموال
المحتجزة.
- كما أعلن الطرفان عن تشكيل
لجنة مشتركة خاصة تهدف إلى وقف تعقب
واغتيال من تسميهم إسرائيل بالمطلوبين
والمطاردين، والسماح لهم بالعودة إلى
منازلهم وممارسة حياتهم المدنية
الاعتيادية، كما تقرر أن تبحث هذه اللجنة
السماح في أقرب فرصة للقيادات
الفلسطينية التي كانت إسرائيل أبعدتها
إلى الخارج وإلى غزة بعد تحصنهم داخل
كنيسة المهد في بيت لحم في عام 2003.
- واتفق أيضا على تحسين
الإجراءات الأمنية على المعابر للسماح
لنحو 400 شاحنة بنقل البضائع المختلفة
بين إسرائيل والضفة وغزة يوميا. ويبدو
أن أبو مازن حقق مكسبا آخر محدودا للغاية،
عندما عرض على أولمرت خرائط تفصيلية
لأكثر من 150 حاجزا يقيمها الجيش
الإسرائيلي في الضفة الغربية وتمزق كل
الطرق بين المدن والقرى والبلدات هناك،
وقد وعد أولمرت -كالعادة- برفع جزء من هذه
الحواجز وعبر عن استعداده لرفع المزيد
منها كلما تم الحفاظ على الأمن والهدوء
هناك. لكن الأمر كان مختلفا إلى حد
بعيد فيما يتعلق ببحث ملف الأسرى
الفلسطينيين الذي حمله أبو مازن معه إلى
هذا اللقاء. كانت الفكرة الأساسية
التي حملها أبو مازن في هذا الملف ترمي
إلى محاولة إقناع أولمرت بضرورة الفصل ما
بين الإفراج عن دفعات متتابعة من الأسرى
الفلسطينيين، وبين صفقة تبادل الأسرى
التي تحكمها شروط حماس وحدها مقابل تحرير
الجندي الأسير جلعاد شليت.
وفي هذا الإطار، قدم أبو مازن
لأولمرت قوائم تضم بالخصوص مئات الحالات
الإنسانية التي تستوجب إطلاقها فورا،
كان من بينها قائمة تضم 65 أسيرا
فلسطينيا ممن أمضوا في غياهب المعتقلات
الإسرائيلية أكثر من 30 عاما، لكن
أولمرت لم يكن بوسعه أن يعد مضيفه أبو
مازن بإطلاق سراح أي أسير فلسطيني على
الفور، لأن ذلك كان يعني تسليح معارضيه،
وما أكثرهم، بما يكفي من الأسباب التي
تعجل بالإطاحة به قبل أن يتحرر شليت من
أسره في غزة.
ولجأ أولمرت كالعادة إلى حيلة
تشكيل لجنة مشتركة للبحث في معايير
الإفراج عن أسرى من الفلسطينيين الذين
يفوق عددهم الآن أكثر من عشرة آلاف
فلسطيني.
أولمرت لم يخرج خالي
الوفاض
وإذا كان ذلك هو كل ما حصل عليه
أبو مازن من هذا اللقاء, فإن أولمرت
بدوره لم يخرج خاوي الوفاض من لقائه بأبو
مازن، خاصة أنه لم يقدم لأبو مازن أي
تنازلات تستحق أن تعرضه لمزيد من
الانتقادات.
ويبدو أن أولمرت نجح إلى حد ما
في استخدام لقائه بأبو مازن للتخفيف من
حدة الضغوط التي تطالبه بالتجاوب مع
العرض السخي الذي قدمه الرئيس السوري
بشار الأسد للعودة إلى المفاوضات مع
إسرائيل دون أي شروط مسبقة على عكس ما كان
عليه هذا الأمر في الدعوات الأخرى
السابقة. ومن ناحية أخرى، أمكن
لأولمرت أيضا أن يعزز مكانته في المجال
الدولي، خاصة أمام الرئيس الأمريكي الذي
طالبه بمزيد من المرونة السياسية في
الملف الفلسطيني، ليستمر في صد مساعي
كونداليزا رايس لتجاوز خطة خريطة الطريق
ووضعها جانبا لتبني مبادرة جديدة تتوافق
إلى حد ما مع فحوى تقرير(بيكر ـ
هاميلتون). ولا يخفى على أحد أن أولمرت
سعى إلى لقائه بأبو مازن في ظل تزايد
القلق الإسرائيلي من عدة تطورات سلبية
على الساحة الأمريكية، ربما كان آخرها
ما كشفت عنه نتائج استطلاع الرأي الذي
أجراه معهد زغبي إنترناشيونال، وأشار
إلى أن 54% من الديمقراطيين يعتقدون أن
دعم أمريكا لإسرائيل يمس بأمن الولايات
المتحدة.
وبعيدا عن تقويم ما حصل عليه كل
من أبو مازن وأولمرت من هذا اللقاء، فإن
البعض ينظر على نحو ما بإيجابية إلى هذا
اللقاء من منظور الشرخ الذي أحدثه اللقاء
في جدار مقولة لا يوجد لنا شريك في الطرف
الآخر، التي كان ابتدعها باراك عام
2000 واعتمدها من بعده شارون ثم أولمرت
نفسه، ولكن يبدو من المبكر جدا الحديث
عن انعطافة لا رجعة فيها، في تغيير
الموقف الإسرائيلي من هذه المسألة،
خاصة في ظل التباين الواضح في أفضليات كل
من أبو مازن وأولمرت بالنسبة لمسار
التسوية السياسية. وبينما لم يواجه
أولمرت بانتقادات حادة من داخل إسرائيل
على لقائه الأخير بأبو مازن، فإن الأمر
كان على عكس ذلك تماما بالنسبة لأبو مازن
الذي تلقى، كما كان متوقعا، المزيد من
الانتقادات من قبل حماس التي اتهمته
بالخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وصنفت
اللقاء باعتباره حلقة أخرى في التآمر
للإطاحة بالحكومة الشرعية.
وكل ذلك كان متوقعا في ظل أجواء
الاحتقان والاستقطاب الثنائي الحاد على
الساحة الفلسطينية، لكن الجديد في
الأمر هو انتقال الصراع بين حماس وفتح
إلى ساحات أخرى خارجية للتنافس، ليس على
تصعيد المقاومة، وإنما على حجز البطاقة
الفلسطينية في اتفاق السلام مع إسرائيل.
|