 |
|
جون ألترمان |
انقلبت المعادلة القديمة في
الشرق الأوسط، إذ بات الخيار العسكري
الإسرائيلي غير مجد أمام مواجهة حركات دون
الدولة، وفي إطار تشكل محور رباعي (إيران - سوريا - حزب الله - حماس).
فالحرب الدائرة رحاها في الشرق
الأوسط اليوم بين إسرائيل وكل من المقاومة
اللبنانية والفلسطينية هي في ظاهرها حرب
بين إسرائيل وجماعتين إسلاميتين (حماس في
فلسطين وحزب الله في لبنان) لكنها حرب
مبطنة بين إسرائيل والدول الراعية لحماس
ولحزب الله (إيران وسوريا) وهي تكشف عن
جبهة خطرة تسعى لخلق "محور عسكري"
يتكون من حماس وحزب الله وإيران وسوريا،
تعتبر طهران المحرك الرئيسي له وللحرب
الدائرة حاليا.
طبقا لذلك، فإن جولة الصراع
الدائرة في الشرق الأوسط حاليا تختلف عن
جولاته السابقة، وتكشف عن حجم التغيرات
التي طرأت على السياسات العربية –
الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.
يتفق حول الاستنتاجات السابقة
العديد من المحللين الأمريكيين في سياق
رؤيتهم للأحداث التي تدور بالمنطقة، وإن
اختلفوا بينهم في بعض التفصيلات الجزئية.
صراع مختلف.. ومعادلة
تنقلب
الكاتب جون ألترمان مدير برنامج
الشرق الأوسط بمركز الدراسات
الإستراتيجية والدولية CSIS يرى في مقاله
المنشور على موقع المركز يوم 14 يوليو 2006
تحت عنوان "صراع مختلف" أن مقدمة هذا
الصراع كان الفوز المفاجئ لحماس في
الانتخابات الفلسطينية الذي غير معادلة
الصراع، فالحركة غير شريك في السلام كما
كان الحال مع السلطة الفلسطينية، وهي
ترأست الحكومة، ووجدت نفسها معزولة دوليا
ليس فقط من أمريكا وإسرائيل، بل عربيا
أيضا بسبب توجس الدول العربية من تأليب
الحركات الإسلامية والمعارضة عليها
واتخاذ حماس نموذجا، كما أن الدول العربية
خشيت من استمرار رفض حماس الاعتراف
بمبادرة بيروت العربية 2002، أما
الأوروبيون فقد فزعوا من فوز الحركة
ووصولها للحكم على خلفية سجلها في
العمليات "الانتحارية" ضد المدنيين
الإسرائيليين.
ويشير ألترمان إلى أن إسرائيل قد
تغيرت أمامها المعادلة، فحكومتها الجديدة
بزعامة حزب كاديما -في ظل غياب شارون-
تواجه مأزقا عسكريا وآخر سياسيا. فحركة
المقاومة الإسلامية حماس تريد تقديم
نموذج لمعارضة إسلامية وصلت الحكم، ونفس
الأمر فيما يتعلق بحزب الله الذي يشارك
بالحياة السياسية في لبنان؛ ومن ثم فقد
خلق لإسرائيل أعداء جددا ليسوا دولا أو
حكومات بالمعنى العادي للكلمة، وبالتالي
فقد انتهى العصر الذي كانت فيه المساعي
الدولية توجه للحكومات، وباتت توجه إلى
حركات دون الدول.
وعسكريا، فإن إسرائيل تحارب أولا
على جبهتين، وهي ثانيا تحارب جماعات أو
منظمات، لا دولا، وعليه من الصعوبة بمكان
أن تمارس الدول الحليفة لإسرائيل أو التي
ترتبط بعلاقات قوية معها ضغوطا على هذه
الجماعات، خاصة أنها تعتمد على نفسها من
حيث التمويل والإمداد، كما أنه يمكنها
الاستمرار دون وجود الكثير من المؤسسات
الحيوية التي يمكن لإسرائيل مهاجمتها،
وهي تعتمد على أيديولوجيات لا يمكن القضاء
عليها حتى لو دمرت مؤسساتها.
ويرى ألترمان أن سوريا وإيران
بالطبع هما أكبر المستفيدين من الصراع
الجاري، ولهما دور حيوي في الصراع، لا
يمكن الإمساك به، فهو غير واضح في كل
الأحوال.
إيران ثم سوريا.. مسئولية
مباشرة
 |
|
مايكل ليدين |
وعلى عكس ما يراه ألترمان من وجود
دور خفي لسوريا وإيران، فإن الكاتب مايكل
ليدين الخبير السياسي الأمريكي، والذي
عمل سابقا مستشارا في وزارتي الدفاع
والخارجية الأمريكية، نشر مقالا يوم 13
يوليو 2006 على موقع معهد أمريكان إنستيتوت
AEI تحت عنوان "نفس الحرب"، ورأى فيه أن
ما يدور في الشرق الأوسط هو حرب كالتي حدثت
ضدنا منذ 27 عاما -يقصد أكتوبر 1973- لكنها
تجري هذه المرة من حماس بغزة إلى حزب الله
في لبنان وسوريا، وترتبط بالتمرد
بالعراق، ولكن العامل المحرك لكل ذلك هو
النظام الملالي في طهران، فإيران لها اليد
الطولى في كل ما يحدث بالمنطقة.
ويصل ليدين في تحليله لأبعد من
ذلك، فهو يرى أن حزب الله هو ذراع لإيران
وسوريا في دعم الفوضى بالعراق، وأن الحزب
مسئول عن الكثير من أحداث العنف التي تقع
في العراق بمشاركة سوريا وإيران نتيجة
لدوره في تدريب وتسليح المتمردين السنة،
ودعمه العلني للعنف بالعراق عبر رعايته
لمؤتمر عقد مؤخرا للبعثيين والمسلحين
السنة، الأمر الذي جعل واشنطن تسارع
بانتقاد سوريا وطهران وتحملهما مسئولية
ما يحدث في لبنان والهجمات على إسرائيل.
ويقول ليدين: إن إيران ومرشدها
الأعلى "علي خامنئي" لم يواربا في هذه
الحقيقة، ففي ظل السجال حول أزمتها
النووية، هدد خامنئي في نهاية عام 2005 بأن
بإمكان إيران أن تجند آلاف "الإرهابيين"
في هجمات ضد إسرائيل وأمريكا، وها هو لا
يمزح فهو قد فعل، ويعلن دعمه العلني
لسوريا ولحزب الله، ويهدد باستخدام أسلحة
كيماوية قد تصل إلى إسرائيل النووية. أيضا
يستشهد ليدين بما ذكره الرئيس الإيراني
أحمدي نجاد خلال مؤتمر لدول الجوار
العراقي الذي رعته بلاده في مطلع يوليو 2006
بأن وجود إسرائيل لن يؤدي إلا لمزيد من
تعاسة ومعاناة شعوب المنطقة، محذرا من أن
غضب تلك الشعوب قد يؤدي إلى انفجار سريع لا
حدود له في المنطقة.
ويدلل الكاتب على محورية الدور
الإيراني في لبنان بالإشارة إلى معلومات
تصدرها وزارة السياحة اللبنانية تقول إن
عدد السائحين الإيرانيين إلى لبنان بلغ
نحو 60.888 سائحا في النصف الأول من عام 2006 -يعتقد
الكاتب أن بينهم قيادات من الحرس الثوري
الإيراني- ويقارن ذلك بعدد السياح
الإيرانيين لثاني أكبر دولة يتجه إليها
هؤلاء السياح وهي الفلبين (12 ألف سائح فقط)،
كما يشير إلى أن "عماد مغنية" رئيس
العمليات في حزب الله قدم من إيران إلى
لبنان بعد زيارة قام بها لسوريا بصحبة
الرئيس الإيراني أحمدي نجاد.
إيران وسوريا.. الأكثر
استفادة
 |
|
مايكل إيزنستادت |
ويتفق مايكل إيزنستادت مدير
برنامج الدراسات العسكرية والأمنية بمعهد
واشنطن لدراسات الشرق الأدنى مع الرأي
السابق، إذ يشير في مقال له نشر يوم 13
يوليو 2006 على موقع المعهد تحت عنوان "حزب
الله يفتح جبهة ثانية" إلى الدور
الإيراني والسوري في تلك الأزمة، حيث إنه
من المؤكد أن الهجمات التي تشن على
إسرائيل تم الإعداد لها جيدا في طهران،
كما أن الدولتين من أكثر الرابحين جراء
توسيع نطاق الحرب.
ففيما يتعلق بإيران، يتفق ليدين
مع وإيزنستادت، على أن ما يقوم به حزب الله
ضد إسرائيل يكشف عن أن الحزب ينفذ
بالتأكيد غالبية القرارات المحورية
السياسية التي ترسمها القيادات الدينية
الإيرانية، ولا يمكن تصديق أن الحزب لم
ينل موافقة طهران قبل الإقبال على تلك
الخطوة المحفوفة بالمخاطر، ويعتقدان أن
توقيت تلك العملية يخدم هدف طهران الأساسي
بتحويل الانتباه العالمي حول ملفها
النووي، والذي بات يعاني جمودا حاليا بعد
رفضها وقف تخصيب اليورانيوم، ورد الدول
الغربية عليها بتحويل ملفها النووي مجددا
إلى مجلس الأمن، كما تهدف طهران من تلك
الأزمة إلى تحويل الأنظار أيضا عن الدور
الذي تقوم به في العراق.
وفيما يتعلق بسوريا، يرى
إيزنستادت أنها تستفيد من الأزمة
الحالية، حيث تحولت إلى قبلة يحج إليها
الدبلوماسيون العرب والأجانب، وباتت محطة
أنظار الجميع للدور المرتقب الذي يمكن أن
تلعبه في الضغط على قيادات حماس لديها
وبخاصة رئيس المكتب السياسي للحركة الذي
يعيش في دمشق "خالد مشعل" من أجل
التوصل إلى اتفاق للإفراج عن الجندي
الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت، في حين أن
خالد مشعل أظهر نفسه بأنه القائد الوحيد
للحركة الذي يمكنه قيادة الجهود لإطلاق
سراح الجندي الأسير، كما أن الرئيس السوري
بشار الأسد يسعى للاستفادة من الوضع
الحالي لإخراج بلاده من العزلة الدولية
المفروضة عليها، الأمر الذي يعني أن حزب
الله يقدم إلى دمشق فرصة لفرض هذه الأجندة.
كما أن دمشق التي لها دور مباشر
في تلك الأزمة -وإن لم يكن واضحا- تستفيد من
إمكانية الضغط على إسرائيل من خلال الحرب
التي يشنها حزب الله وحماس في ذات الوقت،
وهو ما يصعب عليها وإيران التوصل بسهولة
إلى حل واتفاق بشأن الأزمة الراهنة.
وبناء على ذلك يرى ليدين أنه لا
بد من العمل جديا على تغيير نظامي محاربي
الحرية في العالم (سوريا وإيران) حيث
يدعمان الإرهابيين في غزة ولبنان،
والولايات المتحدة وحدها يمكن أن تنفذ ذلك.
إسرائيل.. مأزق سياسي
وعسكري
بحسب ألترمان، وكما سبق، إسرائيل
تواجه مأزقا سياسيا وعسكريا، فهي في أزمة
إستراتيجية عميقة، وتواجه الحكومة بقيادة
أولمرت مخاطر حقيقية لانحسار التأييد
لخطة فك الارتباط من أجزاء من الضفة
الغربية أو "خطة التجميع"، خاصة أنها
تحارب في مناطق انسحبت منهما عن طريق خيار
أحادي، ولم يحقق ذلك السلام، وتبدو كل
تقديرات أولمرت وكأنه يشوبها النقص
والمشاكل.
ولوضع الخيارات الإسرائيلية
الممكنة محل الاختبار، يفند إيزنستادت
خبرة إسرائيل السابقة في التعامل مع هجمات
سابقة شنتها المقاومة الفلسطينية وحزب
الله على الأراضي الإسرائيلية، وتشمل
الآتي:
-
شن هجمات موسعة جنوب لبنان
لتفكيك المليشيات المسلحة وتدمير بنيتها
التحتية، وتأسيس منطقة عازلة شمال
إسرائيل على طول الحدود مثل عملية نهر
الليطاني في مارس 1978 وعملية الجليل في
يونيو 1982.
-
شن غارات جوية وهجمات صاروخية
لتدمير البنية التحتية للمقاومة
اللبنانية، تشمل محطات توليد الكهرباء
كما حدث في أبريل 1996 ومطار بيروت في ديسمبر
1986 من أجل الضغط على الحكومة اللبنانية
لتحجيم الجماعات المسلحة.
-
شن ضربات جوية على محطة الرادار
السورية في سهل البقاع بلبنان، حدث ذلك في
فبراير ويوليو 2001، وضد أحد مراكز التدريب
الفلسطينية في دمشق في أكتوبر 2003 لإجبار
سوريا على الضغط على حزب الله.
-
هجمات صاروخية على معسكرات
تدريب حزب الله وقواعده، في يونيو 1994؛ وهو
ما أسفر عن قتل العديد من المتدربين،
بالإضافة إلى عدد من قيادات الحرس الثوري
الإيراني، الأمر الذي اتخذ بعده الحزب
احتياطات سرية لتدريب قواته ونقل بعضها
إلى إيران.
-
اختطاف أحد مسئولي حزب الله مثل
الشيخ عبد الكريم عبيد في يوليو 1989
والرئيس الأسبق للشئون الأمنية لحركة أمل
مصطفى ديراني اللذين تم تبادلهما في يناير
2004 بصفقة مقابل الإفراج عن جنود
إسرائيليين اختطفهم حزب الله.
بيد أن الكاتب يرى أن هذه الهجمات
أسفرت بشكل عام عن نتائج متواضعة
ومتباينة، فبينما أدى الغزو الإسرائيلي
للبنان في 1982 إلى ارتياح مؤقت، إلا أنه
أوجد قوات دولية لحفظ السلام جنوب لبنان،
وخلق معه الجذور الأولية لنشأة حزب الله
الذي خطط لسنوات للقيام بمثل تلك
العمليات، الأمر الذي يجعل من الغزو البري
للبنان تجربة مريرة، لكن ربما يكون ذلك
الحل الوحيد من وجهة النظر الإسرائيلية
لتدمير الترسانة الصاروخية للحزب، والتي
تقدر بنحو 10 آلاف صاروخ.
كما أن الهجمات المتواصلة على
البنية التحتية اللبنانية ستؤدي للضغط
على بيروت، لكنها قد تسفر في النهاية عن
تغذية التأييد الداخلي لموقف الحزب.
وأما الهجمات الصاروخية
الإسرائيلية فستكون محدودة التأثير في ظل
التطور والتنوع الكبير الذي أدخله حزب
الله على عملياته وتقليل بنيته التحتية
المهمة في الجنوب اللبناني، بل ستكون
العمليات السريعة والخاطفة هي الأخرى
محدودة الفعالية، كما أن إسرائيل التي لم
تترك جثث أي من جنودها القتلى أو تتخلى عن
جنودها المختطفين ربما لن تسعى للتخلي عن
هذا الموقف في الأزمة الحالية في حين توسع
نطاق هجماتها لتحقيق عدد كبير من الأهداف
من بينها استهداف صواريخ حزب الله.
أيضا لدى إسرائيل الخيار السوري
وضرب مواقع سورية عسكرية حساسة من أجل
اختبار قدرة سوريا على قبول دبلوماسية
الإكراه التي من المحتمل أن تطيل أمد
الأزمة الراهنة؛ لأن دمشق ترى أن اتجاه
إسرائيل لضرب أهداف عادية دليل على عدم
قدرتها على تقديم حلول للأزمات التي
تواجهها على صعيد الصراع.
وأمام هذا الوضع المتشابك وغير
المفيد جديا للجانب الإسرائيلي، يرى
ألترمان أن على إسرائيل تكييف إستراتيجية
جديدة للتعامل مع الحركات أو المنظمات دون
الحكومة؛ لأن المنطق الحالي لا يدفع
إسرائيل إلا إلى توسيع نطاق عملياتها
المسلحة والأهداف التي تريد تدميرها في
لبنان وربما تتجه لضرب أهداف حيوية في
سوريا من أجل إنهاء أزمتها الحالية على
أسس تعتبرها مقبولة سياسيا وعسكريا.
بينما يقترح إيزنستادت أن أحد
الخيارات لحل الأزمة الراهنة هو تدخل قوي
وجاد من الدول الكبرى طبقا لأهدافهم
الإستراتيجية ووضع آليات لحل الأزمة... فأي
الخيارات تقبل إسرائيل؟.
|