 |
|
أنصار حزب الله في بيروت يحتفلون بأسر الحزب لاثنين من الجنود الإسرائيليين قرب مزارع شبعا |
أمطار الصيف الإسرائيلية التي
تأتي في طقس مناخي غير موات لسقوط الأمطار
تحولت فجأة ودون مقدمات إلى رياح وزوابع
خماسينية ربيعية في طقس غير ربيعي، تلقي
ذرات رمالها في الأعين الإسرائيلية،
لتزيد ارتباك الإسرائيليين ارتباكا، ومن
أخطاء حساباتهم فداحة وخسارة.
فقد حولت أحداث الساعات الأخيرة
مسار الأحداث مقدار دائرة كاملة، بعد قيام
حزب الله باختطاف جنديين إسرائيليين، من
حديث حول احتمالات إتمام صفقة جزئية
لإطلاق الأسير الإسرائيلي، تعثر الاتفاق
حولها، بسبب التعنت الإسرائيلي الذي
يبالغ في الإفراط من تصوراته العسكرية
والميدانية على الأرض، وبسبب إصرار
المقاومة الفلسطينية عن عدم التراجع عن ما
تراه إنجازا لها لا يجوز التفريط فيه دون
مقابل، إلى حديث محتمل قد يكون عنوانه
الصفقة الشاملة أو ما يشبهها، أو عنوانه
التصعيد الإسرائيلي ليس على الجبهة
الفلسطينية فقط وإنما على الجبهتين
اللبنانية والسورية.
إسرائيل.. والحسابات
الخاطئة
من أسباب ذلك أن إسرائيل قررت منذ
بداية الأزمة بعد أسر الجندي "جلعاد
شاليت" يوم 25 يونيو إثر قيام عناصر من
المقاومة الفلسطينية بعملية "الوهم
المتبدد" أن يكون خيارها العسكري هو
الأول والأخير، ولم تكن تصريحات
المسئولين الإسرائيليين، على كافة
مستوياتهم، توحي من قريب أو بعيد،
بإمكانية القبول بأي صفقة أو مساومة من أي
نوع؛ فكان التصعيد والقتل وتدمير البنية
التحتية في قطاع غزة مجال التحرك المركزي.
واعتقد المسئولون الإسرائيليون
ـ ذوو الخلفية المدنية ـ عن طرق الخطأ، أن
الفلسطينيين قد يرضخون أمام ذلك أو
يعاودون التفكير في مسألة تسليم الجندي
دون مقابل، وكأن لسان حالهم يقول إن
مسئولي حركة حماس أذكى بكثير من أن
يغامروا بأن يتحول حصارهم إلى اجتياح، أو
أن يتحول تجويع، تسببوا هم به للشعب
الفلسطيني، إلى تدمير شامل لبنية القطاع
والحركة على السواء.
ودون بحث التداعيات جيدا، أو
التفكير المتمهل في أن جاهزية إسرائيل
للتحرك عسكريا، لن يزيد حماس والمقاومة بل
وبعض المقاومين من حركة فتح إلا لحمة
واستمساكا لمواجهة قوات إسرائيلية معتدية،
وأن الرهان على قيام الرئيس أبو مازن بفك
الحكومة الفلسطينية إثر الاجتياح،
واختطاف وزراء ونواب ينتمون لحركة حماس،
ما هو إلا رهان خاطئ غير محسوب جيدا.
ذلك هو الخطأ الأول.. خطأ حسابي
إحصائي منطقي، بعُد عن الرشادة في اتخاذ
القرار عبر اعتماده خيارا أحاديا يعتمد
على تحقيق مكسب من طرف واحد.
أما الخطأ الثاني إسرائيليا
وأمريكيا، فكان توسيع نطاق دائرة
الاتهامات ومن ثم استهداف قيادات حماس في
الداخل والخارج، والتهديد بقتل خالد مشعل
رئيس المكتب السياسي لحركة حماس؛ وهو ما
يعني جر سوريا وحزب الله إلى معادلة يفترض،
حتى من الناحية النظرية، ألا علاقة لهما
بها، ومن ثم كان الخطأ الآخر، وهو
الاستعراض غير المبرر للقوة على المستوى
الإقليمي، بتحليق الطائرات الإسرائيلية
في أواسط العاصمة السورية، في وقت لا
تتمتع فيه التحركات الإسرائيلية صوب قطاع
غزة بتأييد دولي إلا من الولايات المتحدة.
تأويل هذين الخطأين الفادحين في
حسابات اللامنطق الإسرائيلية، إنما يعود
في جانب منه إلى طبيعة عملية الوهم
المتبدد ذاتها، كونها مثلت خروجا عن
المألوف، وضيقت مساحة الاختيار الرشيد
أمام الإسرائيليين، والجانب الثاني لا
يعدو كونه سيكولوجيا، ممتزجا بنمط إدراكي
غير صحيح عن تعقيدات وضع عسكري، تمتلك فيه
إسرائيل دائما كافة عناصر القوة التي توفر
لها سهولة الهجوم، لكنها لا توفر لها
الدفاع أو الأمن، إن كان على مستوى حماية
المدنيين الإسرائيليين، أو على مستوى
تحصين ثكنات عسكرية تقع في الأراضي
المحتلة.
لقد قاد هذان الخطآن
الإسرائيليان إلى خروج أزمة الأسير
الإسرائيلي "شاليت" لأبعد من النطاق
والحدود التي تصورتها إسرائيل، حيث أديا
إلى وحدة الصف بين فئات وعناصر المقاومة
من الشعب الفلسطيني، وإصرار الشارع
الفلسطيني ذاته على عدم التراجع عن تحقيق
مكاسب على حساب إطلاق الأسير، والأهم أنه
قد وضع حماس الداخل والخارج في توافق على
كيفية تعامل الحركة مع الأوضاع المستجدة.
أقحم المدنيون ـ المتعسكرون ـ
الإسرائيليون أنفسهم بالتورط في لعبة
خطرة لا يعلمون أنها تودي بالإقليمي إلى
تحرك مشترك، كل على طريقته، وظنوا أن جهود
أطراف ما كفيلة بحل الأزمة، دون تحقيق
نتائج موازية للمقاومة الفلسطينية، وربما
أغفلوا كذلك أن الطرف الآخر لا يملك
القدرة على التحرك المحسوب الذي لا يخلو
من مغامرة.
حزب الله يخلخل المعادلة
في هذا السياق كان حديث خالد مشعل
يوم 10 يونيو 2006 يحمل في طياته كل عناصر
التحدي لإسرائيل، وكأن الإعداد الضخم
للقائه بالصحفيين بمثل هذا الشكل
الإعلامي، من قلب دمشق، كان رسالة سورية
وحمساوية مشتركة بأن التحرك قادم وأن
معطيات المعادلة قابلة للتغير سريعا،
لتقلب النتائج التي يرغب كل طرف في
تحقيقها.
لكن لم يكن في حسبان أحد أن تأتي
الرياح التي لا تشتهيها إسرائيل من جانب
حزب الله، لتخرج الأزمة عمليا من نطاقها
المحدود إلى نطاق أرحب يفيد الفلسطينيين
شكلا ومضمونا.
ربما يزعم البعض أن خطاب مشعل
إنما حمل في جنباته كل هذه الأبعاد، وأن
تخطيطا ما مشتركا قد حدث بين سوريا وحزب
الله وحماس. بيد أن الأمر لا يمكن تفسيره
من وجهة النظر الضيقة هذه؛ فالحسابات
متشابكة، وكل يدخل نفسه في قلب الحدث طبقا
لحساباته الخاصة، ولا يعني تحركه التخطيط
المسبق والمشترك، حتى وإن انعكس ذلك في
آثار وتداعيات ما ترتب على دخوله الحلبة
من مكاسب لأطراف أخرى.
ولكن ما هو تفسير دخول حزب الله
إلى الحلبة في هذا التوقيت، وقيامه بأسر
جنديين إسرائيليين صباح اليوم الأربعاء 12
يوليو، بعد تبادل للنار بين عناصر من حزب
الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي في مناطق
شبعا المحتلة؟.
 |
|
أحد الجنود الإسرائيليين المصابين جراء الاشتباكات بين حزب الله والجيش الإسرائيلي صباح يوم 12 يوليو 2006 |
حزب الله هو جزء من المعادلة
الإقليمية السائدة، ولم يعنِ انخراطه في
العملية السياسية في لبنان، أن يغل يده أو
لا يسهم في تشكيل التوازنات ـ الظرفية ـ إن
كان على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية،
أو على الساحة السورية الدولية عموما
والإسرائيلية خصوصا. وتعلمنا التجربة أنه
كلما اشتد الضغط الإسرائيلي على
الفلسطينيين دخل حزب الله على الخط بإشعال
مناوشات في الجنوب اللبناني، يدرك أنها
ستكون محدودة الأثر مقارنة بما يحدث في
الأراضي الفلسطينية، لكنه يعطي فحوى عدم
تخليه المعنوي، والمادي، عن مساندة
المقاومة الفلسطينية، وإرباك الحسابات
الإسرائيلية في لحظة زمنية معينة.
ولا يأتي ذلك إلا في إطار إقليمي
أشمل، فإذا كانت هناك جهود عربية للوساطة
لحل أي أزمات تنشب بين الإسرائيليين
والفلسطينيين، فإن هناك أطرافا أخرى
أبرزها سوريا وإيران وحزب الله، تتحرك في
اتجاه عكسي، لا لتفشل جهود الوساطة، ولكن
لتحسين شروطها وتحقيق مكاسب مناظرة دون
تنازل، قد يملى على الفلسطينيين، من
إسرائيل، أو من الوسطاء العرب والدوليين،
وذلك دون الدخول المباشر في مسارات هذه
الوساطات أو الاتفاق الصريح أو الضمني مع
أي من أطرافها.
أضف إلى ذلك أن حزب الله لا يقحم
نفسه بالدخول على الخط مجانا أو بشكل
عشوائي؛ إذ إن له حساباته الخاصة التي لا
يمكن إغفالها. فالحزب ومنذ خروج
الإسرائيليين من الجنوب اللبناني، قد وضع
على رأس أولوياته تحرير الأسرى المعتقلين
لدى إسرائيل، ليس عبر التفاوض فقط، وإنما
عبر تطوير نهجه السابق في أن هذا التفاوض
لا يتم إلا عبر خطف جنود إسرائيليين
للدخول في صفقات، بدأت منذ الصفقة الأولى
عام 1996، وصولا إلى الصفقة الخامسة والأشهر
التي تمت عبر وساطة ألمانية مطلع عام 2004،
مرورا بصفقات تبادلية تمت في أعوام 1998 و1999
و2003.
لقد أعلن السيد حسن نصر الله
الأمين العام لحزب الله في عام 2003 أن
الصفقة الخامسة لتبادل الأسرى مع إسرائيل
ليست شأنا لبنانيا بحتا، فامتد مجال
الصفقة ليشمل الاتفاق عن الإفراج عن 400 من
الأسرى العرب، منهم سوريون وفلسطينيون؛
الأمر الذي كان يعني أن الحزب لن يتخلى عن
إستراتيجيته هذه، بل وربما ستلعب الأطراف
الأخرى نفس اللعبة التساومية مع الطرف
الإسرائيلي لاحقا.
واليوم أوجد حزب الله نفسه في قلب
الصراع الدائر بين الفلسطينيين
والإسرائيليين حول قضية مشابهة ترتبط
بتبادل للأسرى... فكيف سيكون التحرك
الإسرائيلي المحتمل تجاه هذه الأوضاع
التي لم تكن تدور في خاطره؟.
الرد الإسرائيلي المحتمل
لا ريب في أن الصحف الإسرائيلية
سوف تخرج بصب اللعنات على "جيش الدفاع"
العتيد، وأن ثمة قوى معارضة، وأخرى متطرفة،
وثالثة تختلف مع تحركات رئيس الوزراء
الإسرائيلي "إيهود أولمرت"، سوف تسعى
داخليا للاستفادة من هذه الوضعية المربكة
التي وضع أولمرت ذاته فيها، وأن ضغوط
الرأي العام الإسرائيلي ستشكل عاملا
ضاغطا على الحكومة الإسرائيلية إثر
مطالبة أسر الجنود الأسرى للإفراج عن
ذويهم، بأي ثمن.
وأمام هذه الأمور، فالاحتمالات
الإسرائيلية الواردة للتحرك الآن وفي
الأيام القليلة القادمة، يمكن أن تسلك أحد
المناحي التالية:
أولا: استمرار الحكومة
الإسرائيلية على أخطائها: ومن ثم الميل
نحو التصعيد العسكري غير المحسوب في قطاع
غزة، وفي الجنوب اللبناني، مع الاستبعاد
الجزئي، والمؤقت للمساومة. وهو الأمر الذي
قد يلحق مزيدا من الأضرار لحكومة أولمرت
ولجيش الدفاع، ويزيد حدة الارتباك
الإسرائيلي الداخلي، وربما الدخول في
أزمة داخلية حادة مع كل من حزب ليكود
واليمين المتطرف، ومع يسار الوسط، وأنصار
السلام الإسرائيليين.
ثانيا: أن تلجأ الحكومة
الإسرائيلية إلى القبول بالتفاوض استجابة
لضغوط الداخل، عبر إشراك وسطاء دوليين،
ولها سبيلان في ذلك: فإما أن تدخل بشكل غير
مباشر مع حزب الله فقط دون دخول أي من
الأطراف الفلسطينية على الخط، في صفقة ـ
أقل من الكلية وأكبر من الجزئية ـ لا
تستثني وزراء ونواب حركة حماس وأسرى
فلسطينيين آخرين، ويشترط فيها الإفراج عن
كافة الجنود الأسرى ممن في أيدي حزب الله
والمقاومة الفلسطينية.
أما السبيل الثاني، فهو قطع
الطريق على حزب الله ومنعه من أن يتدخل في
صفقة تمس أسرى فلسطينيين، وهو مسلك وسط،
يعمل على تحرير الجنديين اللذين في حوزة
حزب الله دون الحديث عن جلعاد شاليت، حتى
لا تفقد الحكومة الإسرائيلية موقفها
المتشدد حيال المقاومة الفلسطينية.
لكن يلاحظ أن كلا الخيارين
محصوران بحدود الموقف الذي سيتخذه حزب
الله في هذا الشأن، ومن ردود الأفعال
الإسرائيلية الداخلية المتوقعة، وكذا من
موقف القائمين بالوساطة أيا كانت
جنسياتهم.
ويتوقع في كلتا الحالتين أن تقوم
حكومة أولمرت، بعد تنفيذ أي صفقة حال
الاتفاق عليها، بعملية عسكرية كبرى جديدة
في الأراضي الفلسطينية تعيد بها اعتقال
المئات مقابلا لما أفرجت عنهم من
الفلسطينيين، وأن تدخل في إطار تصفية
حاسمة للنشطاء الفلسطينيين، مع تسخين
الجبهة اللبنانية بشكل أقل حدة.
ثالثا: الخيار الثالث، وهو
الأرجح حدوثا، أن ترد إسرائيل فوريا
ولبضعة أيام بتصعيد عسكري محسوب، دون
استثناء لإمكانية الوساطة من أطراف ثالثة،
بما يعني العودة لإستراتيجية رئيس
الوزراء الإسرائيلي "إسحق رابين"
والقائمة على مبدأ "اضرب وتفاوض في ذات
الوقت"، وهو الخيار الذي ربما يحفظ ماء
وجه الحكومة والجيش داخليا، ولا يستثني
كذلك، وفي الوقت ذاته، حث إسرائيل للوسطاء
الدوليين على الدخول في مساومات جديدة من
أجل تحرير جنودها الأسرى.
وفي كل الأحوال، فإن دخول حزب
الله طرفا مباشرا، أو غير مباشر، في
المعادلة الفلسطينية الإسرائيلية، سوف
يحدث مزيدا من الارتباك للإسرائيليين
خاصة في ظل تأكد المعلومات من حصوله على
صواريخ تحقق له ردا مناسبا على العمليات
الإسرائيلية، وفي ظل ما أسهم به هذا
الدخول في رفع الروح المعنوية للمقاومة
الفلسطينية.
انفلت زمام الأمور إذن، وانتقل
من شأن ثنائي إلى شأن إقليمي صريح.. ودلالة
ذلك أن اعتماد الإسرائيليين لمنهج القوة
لن يجدي في تحقيق مآربها جراء عملية أمطار
الصيف.. فحماس تزداد شعبية ومقاومة للحصار..
والقضاء على كل من يسهم في إطلاق صواريخ
القسام أمر صعب ومعقد حتى وإن اغتالت
إسرائيل بعض أعضاء من كتائب عز الدين
القسام (الجناح العسكري لحركة حماس).. ولن
تسهم غزارة أمطار الصيف في تحرير الجندي
الأسير شاليت دون مقابل.
|