بريدك الالكتروني


English

 

13:00مكة - الثلاثاء 8 جمادى الآخرة 1427هـ - 4/7/2006م

بيئة الصراع » القضية الفلسطينية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

أمطار صيف إسرائيلية.. وبيات صيفي عربي

نبيل شبيب**

عملية أمطار الصيف تبدأ بتدمير البنية التحتية الفلسطينية

"أمطار الصيف" لا تخصّ الفلسطينيين فقط، فكأنّ اختيار هذا الاسم لعدوان إسرائيلي إجرامي جديد على أرض فلسطين وشعبها، يرمز أيضا إلى أنّ المسئولين في الدول العربية والإسلامية ما زالوا -كما كانوا صيفا وشتاء منذ سنين عديدة- في "إجازة صيف"، ويرمز إلى أنّ هذا لا يمنع أن تهطل الأمطار عليهم وهم واقفون في العراء.

وإن وُجد من لا يفهم هذه الرسالة بصورة مباشرة، وما يزال يرى أنّ عبقرية السياسة العربية تكمن في ترك الفلسطينيين وشأنهم، منذ قيل إن منظمة التحرير هي "الممثل الشرعي الوحيد لشعب فلسطين"، فقد أعطاه اختراق الأجواء السورية الشمالية مع مطلع العمليّات العسكرية إشارة إضافية للفهم.

معادلة التفوّق والعجز

ما الذي يجعل "الدويلة الإسرائيلية" القائمة على الاحتلال والاغتصاب وتكديس السلاح قادرة على التحرّك العدواني وهي آمنة حتّى من تحمّل بعض الخسائر القليلة أو الكثيرة، إلاّ من خلال ما تصنعه المقاومة الفلسطينية بإمكاناتها المحدودة؟.

ما الذي يجعلها قادرة أن تكون طرفا دافعا إلى حرب احتلال العراق، وطرفا دافعا إلى جعل نصف الدول العربية يغيب عن لقاءات "مجلس المقاطعة العربية" في دمشق، وأن تصل بعلاقاتها وزياراتها الرسمية إلى أقصى المغرب العربي، وأن تصل إلى مستوى القدرة على التهديد المباشر لإيران بصدد ملفّها النووي، وأن يرافق انتشار منتجاتها وسفاراتها في بعض البلدان العربية الشقيقة انتشارَ قذائفها وطائراتها ودباباتها في الأحياء القليلة الباقية لبقايا شعب فلسطين من أرضه التاريخية؟.

هل يكمن السبب فعلا في التحالف العضوي القائم مع الولايات المتحدة الأمريكية وفي التسلّح المتواصل دون حدود فحسب؟.

إنّ معادلة العدوان والدفاع، والاحتلال والتحرير، والهيمنة والاستقلال، ليست في الأصل معادلة باتجاه واحد، ولا تتحقّق حصيلتها في العلاقات الدولية من خلال طرف يصنع ما يصنع لممارسة العدوان وفرض الاحتلال ونشر الهيمنة فحسب، بل تتحقّق الحصيلة أيضا نتيجة اهتراء الدفاع وإسقاط التحرير وبيع الاستقلال على الطرف الآخر من المعادلة.

مصر، كبرى الدول العربية وأهمّها، والتي يقال باستحالة أيّ حرب دونها، مشغولة بمعركة استقلال قضاتها -وسواهم- وهي جزء من استعادة الشعب لسيادته وحقّه في تقرير مصيره وحكم نفسه بنفسه، وبتعبئة السجون وتفريغها تباعا، وبالبحث عن وسيلة من الوسائل لتقليد سورية في تحويل الجمهوريات إلى عزبة وراثية.

أطفال فلسطينيون ضحايا العمليات الإسرائيلية العشوائية قبل بداية عملية أمطار الصيف

سورية، الدولة العربية التي لا تنقطع الإشادة بأنّها استعصت أكثر من سواها على حملات "الاختراق والتطبيع"، ولا يمنع من هذه الإشادة أنّها لم تستعد أرضها المحتلة، ولم تعد قادرة على حماية أجوائها، ولا على ضمان حصانة المسئولين فيها، مشغولة بالدفاع عن شخوص السلطة، واستمرار وجودهم الاحتكاري لصناعة القرار، أمام "مناوشات جبهات المعارضة" المتفرّقة، هذا رغم عدم وجود خطر حقيقيّ لتلك المناوشات حتى الآن، بينما لم تعد السلطة نفسها تملك الاستقلال الحقيقي أصلا في صناعة القرار.

الأردن الذي يضمّ العدد الأكبر من المشرّدين عن أرض فلسطين منذ النكبة الأولى، مشغول بتثبيت وجود الدولة نفسها بأيّ ثمن، بعد أن أصبح -رغم كلّ ما قدّم- في بؤرة مخاطر تصفية قضية فلسطين على حساب هذا الوجود.

ولبنان الدولة الرابعة (من دول الطوق.. والمواجهة.. والصمود.. والتصدّي.. قديما) على حدود فلسطين التاريخية، والدولة الوحيدة التي نجحت مقاومتها في إنهاء جلّ الاحتلال الإسرائيلي للجنوب من أرضها، مشغول منذ جريمة اغتيال الحريري بمساعي العودة إلى ما قبل الحرب الأهلية.

وباستثناء جراحات العراق تحت احتلال القوّة الدولية الأكبر عالميا، لا يوجد بلد عربي واحد إلا ويحمل الحاكم فيه المسئوليّة الكاملة عن شغل نفسه بنفسه عن أيّ بادرة في اتّجاه تقارب، أو تضامن، أو تنسيق، أو تعاون مع "الأشقّاء"، ناهيك عن بادرة تحرّك جماعي، قوميّ، عربي، إسلامي، أو بدافع غريزة البقاء على الأقلّ، لحمل أعباء سياسة واقعية حقيقية فعّالة من أجل "التأثير" على مجرى قضية محوريّة مصيريّة، يستحيل أن تقف عواقب مجراها الحالي عند حدود أيّ دولة عربية بين المحيط والخليج، ولا حدود الدول الإسلامية الأخرى أيضا.

هل يمكن بعد ذلك القول إنّ معادلة التفوّق والعجز هي نتيجة ما يصنع طرف واحد في المعادلة، أم أنّها في الوقت نفسه نتيجة ما يصنع الطرف الآخر، وكأنّه ليس طرفا "آخر"؟.

الضغوط.. في أثناء الإجازة

جلّ ما يشغل بعض الحكومات العربية من قضيّة فلسطين، لا سيّما بعد استلام حماس للسلطة عبر انتخابات يتيمة من نوعها في ساحة البلدان العربية، هو كيفية ممارسة الضغوط العلنية والخفية على حماس -وبالتالي على غالبية الناخبين في الضفة والقطاع- كي تستجيب للمطالب الأمريكية والأوروبية بشأن الاعتراف بالدويلة الإسرائيلية، والاستمرار على الهدنة من جانب واحد، وتحمّل الهجمات والاغتيالات والاعتقالات اليومية، دون أن تردّ فصائل المقاومة بإطلاق صاروخ صغير من صناعة يدوية، أو بتفجير قنبلة أو جسد من أجساد مَنْ أصبحتْ عملياتهم توصف بالانتحارية في "الأدبيات السياسية العربية"، أو أن تردّ على العدوان اليوميّ حتّى بالتصريح بكلمة "نابية" تؤيّد مَن يصنع ذلك من ذوي الشهداء والمعتقلين والمشرّدين في الداخل الفلسطيني.

وجلّ ما يشغل بعض الحكومات العربيّة في قضية فلسطين، بعد أن بدأت "أمطار الصيف" بالهطول، مضاعفة جهودها "الحميدة" ليُفرج الذين أسروا جنديا إسرائيليا خلال عملية نوعية استهدفت حصنا من حصون القلعة العسكرية الإسرائيلية، عن ذلك الجندي، وأن يكفّ هؤلاء عن المطالبة بأيّ مقابل، كالإفراج عن نساء أو أطفال وناشئة دون سنّ الرشد في المعتقلات الإسرائيلية!.

جلّ ما شغل ويشغل بعض الحكومات العربية أن تواصل مساعيها من أجل استبقاء البقية الباقية من رضا الدولة الأمريكية، وهي تعطي الضوء الأخضر للإسرائيليين بدعوى الدفاع عن النفس؛ ليصنعوا في فلسطين شبيه ما تصنع هي بالعراق وأفغانستان، ومن أجل أن تحافظ على خطّها الجديد بعد التراجع -عقب فوز حماس على وجه التخصيص- عن رفع شعارات "الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان"، وإن كانت لا تريد من خلال ذلك تحقيق مصلحة أحد سوى مصلحتها الذاتية على طريق تثبيت دعائم الهيمنة، وسوى أن يوصل التطبيق -فيما لو كان تطبيقٌ ما لتلك الشعارات- إلى حكومات أمريكية الروح، صهيونيّة التصرّف، بأسماء عربيّة، وليس إلى حكومة من صنف "حكومة حماس" المنتخبة شعبيا؛ لأنّها متمرّدة على "واقعيّة" السياسات العربية، من قبل مبادرة بيروت المرفوضة إسرائيليا وأمريكيا، ومن بعدها، وإن لم يمنع ذلك من أن يصبح مطلبُ اعتراف "حماس" بتلك المبادرة جزءا من الضغوط العربيّة على حماس!.

العجز.. والمسئولية الشعبية

هو العجز المطلق في أبشع صوره.. وليس في العجز ما يدعو إلى تبجّح صانعه به، وهو المسئول عنه، وليس فيه ما يسوّغ تمسّكه بمواقع السلطة التي صنع العجز من خلالها، وقد باتت أداة من أدوات البقاء الشخصي الذاتيّ بأيّ ثمن، حتى وإن فقد المسئول العاجز القدرة على صناعة القرار ذاتيا عبر سلطته تلك، إلاّ في نطاق القمع الداخلي، فلم تعد سلطته -كما ينبغي أن تكون في الأصل- وسيلة لاستقلال بلد وسيادته، أو قوّته وتقدّمه، أو تعاونه مع سواه في حاضر مشترك ومصير مشترك، حتى في حدود سوق مشتركة، أو طرق مواصلات عابرة للحدود، أو أيّ صيغة من صيغ التعاون، التي لم يعد يمكن تعليل غيابها أو تغييبها، إلاّ بالتصميم الغريب على تجنّب أيّ خطوة يمكن أن تخرج بالمنطقة -ولو بعد حين- من الحضيض الذي سقطت فيه على منحدرِ ما كان من سياسات عقيمة حتى الآن.

ومن أسوأ ما يرافق تفاقم العجز أن تُنسب أسبابه إلى الشعوب، رغم كلّ ما قدّمه ويقدّمه شعب فلسطين، وشعب العراق، وما ظهر ولا يزال يظهر من تطلّع الشعوب إلى التحرّر، والسيادة، والاستقلال، وتقرير المصير، والعطاء، والبناء، ورغم ظاهرة "هجرة الأدمغة وتشريدها" والحيلولة دونها ودون الإنجاز بأغلال السجون أو أغلال الفساد والمحسوبيّات؛ بل حتّى الذين لا ينقطعون عن استعراض انشغال الشبيبة بمهرجانات الفنون في الخلاء وعبر الفضائيات -والتضخيم منه أحيانا مع تجاهل إقبال الشبيبة على الدعوة والدعاة- هم أنفسهم الذين لا ينقطعون عن تنظيم تلك المهرجانات ومحاربة من يدعو إلى "تهذيبها" دون مستوى إثارة الغرائز الشهوانيّة على الأقلّ، ناهيك عمّن يدعو إلى تعبئة الطاقات التي تفجّرها الصحوةُ الإسلامية في الاتجاه الصحيح، وهم الذين لا ينقطعون عن إنفاق الثروات الطائلة في طريقهم ذاك؛ وهو ما لو أنفق بعضه على شئون التعليم والتوعية والبحث العلمي والإنجاز، ناهيك عن الدفاع ضدّ عدوان خارجي، لتحوّل العجز الذي ينسبونه إلى الشعوب إلى طاقات نهوض وبناء.

إنّ العجز العربيّ الذي تُعطي "أمطار الصيف" مثالا استعراضيّا حيّا عليه، لا تصنعه الشعوب، بل يُصنع صنعا للحيلولة دون الشعوب والتحرّك من أجل حاضرها ومستقبلها وقضاياها المصيرية، وإنّ المسئولين عن صناعة هذا العجز يحملون هم مسئولية ما يصنعه من عواقب تتفاقم على حساب الشعوب وقضاياها، ولئن سبق القلم إلى القول إنّهم في إجازة صيف سياسية عن عالمهم وعصرهم، فيكاد يميل إلى القول هنا، ليتهم كذلك، بدلا من ممارسة الضغوط والتحرّك في الطريق المعاكس، فقد تزول بذلك عقبة كأداء في وجه نهضة الشعوب وتحرّكها وأخذ زمام أمورها بأيديها.

 


** كاتب سوري مقيم في ألمانيا.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع