 |
|
أولمرت لا يزال في مرحلة إلقاء الإشارات حول خطته الغامضة |
لاحظت الجيروزاليم بوست في عددها
الصادر في 25 مايو 2006 أن رئيس الوزراء
الإسرائيلي إيهود أولمرت في لقائه مع
الرئيس الأمريكي جورج بوش في واشنطن لم
يتحدث عن خطة التجميع convergence، بل تحدث عن
حاجة إسرائيل إلى أن تحدد الخطوط التي
يمكنها أن تحقق أمنها على الأقل في الوقت
الراهن إلى أن تتهيأ الشروط المقبولة -من
وجهة نظر إسرائيل- فيما يخص استئناف
مفاوضات التسوية مع الفلسطينيين للتوصل
إلى تسوية نهائية للصراع.
ومعروف أن أولمرت لم يقدم خطته
طيلة الحملة الانتخابية بشكل مفصل مكتفيا
بالإشارة الواضحة إلى سعيه لترسيم الحدود
النهائية للدولة بحلول عام 2010 سواء
بالاتفاق مع الفلسطينيين أو من دونهم،
فيما تغير توصيفه للخطة نفسها عقب فوزه
بالانتخابات العامة وقيام حزبه بتشكيل
الائتلاف الحاكم حاليا، حيث استخدم
تعبيرات أخرى مثل "الدمج"، و"إعادة
التخطيط على الأرض"؛ وهو الأمر الذي
أضفى مزيدا من الغموض حول نواياه، وإن كان
من المسلم به أن عدم وضوح خطته ينبع من
أسباب معروفة سواء نتيجة الاعتراضات
الداخلية في إسرائيل على فكرة إجراء مزيد
من الفصل الأحادي الجانب (بعد الخروج من
غزة في أغسطس 2005) أو لعدم تحمس الولايات
المتحدة لتأييد خطط تبتعد كثيرا عن خطة
خارطة الطريق التي طرحتها هي عام 2003، فضلا
عن توقع رفض الاتحاد الأوروبي ومعظم دول
العالم للاعتراف بحدود دائمة لإسرائيل لا
تتوافق مع قرارات الشرعية الدولية خاصة
القرارين 242 و338، وما تم التوصل إليه من
تفاهمات في إطار مدريد وما تبعها بعد عام
1991.
لأجل ذلك يبدو الحديث عما ينوي
أولمرت عمله ضربا من الرجم بالغيب، ولا
يبقى البحث في فكره إلا بالنظر إلى
جانبيين:
الجانب الأول: تعليقات الصحف
الإسرائيلية أو الخبراء الذين يدلون
بأفكارهم حول تصورات الحل النهائي مع
الفلسطينيين.
الجانب الثاني: القرارات التي
تتخذها حكومة أولمرت في مواجهة
المستوطنين خاصة بعد صدور تقرير تاليا
ساسون (مارس 2005) الذي أوصى بتفكيك البؤر
الاستيطانية غير الشرعية والتي نصت خطة
خارطة الطريق على إزالتها.
خطة أولمرت.. تكرار لما سبق
على الجانب الأول وكما تصور د.
مناحم كلاين -أستاذ العلوم السياسية في
معهد MIT في الولايات المتحدة- فإن خطة
أولمرت ستقتضي خلق ثلاثة خطوط لن تحقق
السلام الدائم والمستقر، بل فقط ستعيد
توزيع القوات الإسرائيلية وتحدد بشكل
مختلف المناطق الأمنية وكيفية التعامل
معها، وحسب قوله فإن القوات الإسرائيلية
ستضطر للتواجد والبقاء في أجزاء من
الأراضي الفلسطينية في الضفة وأيضا على
طول الخط الأخضر (حدود الرابع من يونيو 1967)
بوصفها مناطق يمكن للفلسطينيين استغلالها
لشن هجمات صاروخية على المدن الإسرائيلية
القريبة من الخط، بالإضافة لذلك -وحسب
تصريحات أولمرت- فإن القوات الإسرائيلية
ستواصل السيطرة على منطقة غور الأردن
كحزام أمني.
بمعني آخر ستكون هناك ثلاثة
خطوط حدودية: خط السور والجدران الذي لن
يبقى وراءه مستوطنون وإنما قوات أمن
إسرائيلية فقط، والخط الذي يفصل بين
السكان الفلسطينيين وبين غور الأردن، وخط
الحدود الخارجية على امتداد نهر الأردن،
بالإضافة لذلك هناك خطوط ثانوية تربط
منطقة غور الأردن بمنطقة التجميع
للمستوطنات.
الاعتقاد السائد أن خطة أولمرت
غير المعلنة لن تخرج عما تصوره د. مناحم
كلاين والتي نعتقد أنها جاءت وليدة لقراءة
مدققة لكافة الخطط التي طرحتها الحكومات
الإسرائيلية المتعاقبة كتصور لترسيم
الحدود النهائية للدولة العبرية بدءًا من
خطة آلون عام 1967 مرورا بخطة جاليلي عام 1974
ثم وثيقة إيتان – بيلين عام 1996.
ففي كل هذه الخطط كان هناك اتفاق
كامل بين كافة القوى السياسية وخبراء
الأمن والإستراتيجية الإسرائيليين على
استحالة العودة إلى حدود 4 يونيو عام 1967
واعتبار غور الأردن حزاما أمنيا لإسرائيل
لا تتواجد فيه أية قوات أجنبية حتى في حالة
قيام دولة فلسطينية.
أما نقاط الاختلاف بين تصورات
القوى السياسية لمسألة الحدود النهائية
للدولة فتكمن في الواقع في مساحة الأرض
التي سيتم إعلان سيادة الفلسطينيين عليها
رمزيا وليس عسكريا أو أمنيا، وهو ما
أوضحته خطة إيهود باراك- رئيس وزراء
إسرائيل السابق- التي تفاوض بشأنها مع
الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في
كامب ديفيد الثانية في أغسطس 2000 والتي لم
يقبلها الزعيم الفلسطيني وأدت تداعيات
الرفض إلى نشوب الانتفاضة الفلسطينية
الثانية في نهاية شهر سبتمبر من العام
نفسه. وكانت خطة باراك تذهب إلى تقسيم
الضفة الغربية إلى أربع مناطق: جزء يعادل 6%
من مساحة الضفة وتشغله الكتل الاستيطانية
الكبرى يتم ضمه إلى إسرائيل مع تعويض
الفلسطينيين عنه بمساحة مساوية في النقب،
وجزء يتم استئجاره من الدولة الفلسطينية
التي ستنشأ إذا ما تمت الموافقة على
المقترحات الإسرائيلية، وأجزاء أخرى
ستوضع كمحميات طبيعية يحظر على الدولة
الفلسطينية استغلالها أو إقامة أية منشآت
فيها وبالأحرى يُحظر تواجد عسكري داخلها،
ثم المناطق الأمنية وعلى رأسها غور الأردن.
وشكلت المناطق الأربع قرابة 40% من مجمل
الضفة الغربية تاركة للفلسطينيين 60% فقط
لإقامة دولتهم عليها بإضافة قطاع غزة.
ويتذكر الكثيرون كيف روج باراك
حينها أن خطته تعيد للفلسطينيين 96% من
الضفة، وهو ما شكل نوعا من الخداع انطلى
على أغلب الإسرائيليين الذين اعتقدوا في
أعقاب فشل كامب ديفيد أن الفلسطينيين لا
يريدون أرضهم بل يريدون تدمير إسرائيل
وإلا لماذا رفضوا عرض باراك السخي!.
أولمرت لم يغامر بعد
على الجانب الثاني، أي على جانب
القرارات التي اتخذتها حكومة أولمرت سواء
الانتقالية أو الحالية، والتي ربما تشي
بما يخطط له أولمرت أو تعطي تصورا واقعيا
لما يمكن أن تكون عليه خطته، فإن قرار
اقتحام مستعمرة "عمونا" في فبراير 2006
كان قد دفع بالنقاش داخل إسرائيل حول
نوايا أولمرت المستقبلية، وهو الذي ورث
المشكلة ضمن تركة شارون، وأصبح عليه
معالجتها بما لا يؤدي إلى صدام واسع مع
المستوطنين ومؤيديهم في الجبهة اليمينية
المتشددة، وأيضا بما لا يسيء إلى وضعه
كخليفة محتمل بعد الانتخابات (التي كانت
على الأبواب آنذاك).
اصطدم أولمرت بقضية المستعمرة
التي أقيمت في إبريل عام 2004 (شرق مدينة رام
الله) على أرض قرية عين بيرود العربية بعد
أن أثارت حركة السلام الآن القضية، مبرزة
كيف تحولت هذه المستعمرة إلى شاهد إدانة
ضد الحكومة الإسرائيلية التي تتساهل مع
المستوطنين بالرغم من إعلانها التزامها
بخطة خارطة الطريق. وتقدمت الحركة بدعوى
ضد الحكومة لإزالة هذه المستوطنة غير
الشرعية في سبتمبر 2005. وبعد عدة أشهر من
المساجلات بين الحكومة والمحكمة تحتم على
الحكومة تنفيذ أمر المحكمة بتفكيك عمونا
في خلال شهر (في يناير 2006).
حاول المستوطنون خلال هذا الشهر
التوصل إلى اتفاق مع أولمرت يقضي بإزالة
نصف البؤر غير الشرعية مقابل إضفاء
المشروعية على النصف الآخر، ولكن أولمرت
رفض، وتحركت القوات الإسرائيلية لتنفيذ
أمر الإخلاء والذي أدى إلى مصادمات واسعة
بين المستوطنين وقوة الأمن، واعتبر البعض
أن أولمرت بقراره هذا لا يسعى فقط لإقناع
الرأي العام الإسرائيلي بقدرته على خلافة
شارون وملء فراغ غيابه عن الساحة
السياسية، بل يسعى أيضا لتنفيذ ما كان
يعتقده منذ أن أطلق لأول مرة في عام 2003
أفكاره عن الخطر الديموجرافي الذي يهدد
إسرائيل والذي يحتم عليها الخروج من أغلب
الضفة وتجميع المستوطنات الكبرى داخل
حدود الخط الأخضر.
والواقع أن المعركة حول عمونا لم
تكن الأولى لأولمرت إبان فترة توليه رئاسة
الوزراء بالإنابة، ولكنها كانت المعركة
التي استحوذت على اهتمام الرأي العام في
حينها خلافا لحادثة أخرى وقعت في 19 يناير (قبل
إخلاء عمونا) حيث اشتبك الجيش الإسرائيلي
في معركة مع المستوطنين بعد صدور قرار من
حكومة أولمرت بإخلاء البؤر التي أقاموها
بسوق مدينة الخليل قبل أربع سنوات.
وفي كل المستويات السياسية
الإسرائيلية فُسرت الواقعتان على المنحى
السابق (محاولة إثبات أولمرت جدارته
لخلافة شارون) بأكثر من كونهما تمهيدا أو
بالونة اختبار لتطبيق خطته الغامضة
لترسيم حدود الدولة.
ولكن منذ توليه الحكومة رسميا
وحتى اليوم لا نجد إشارة واحدة لعزم
أولمرت على الدخول في مجابهات مماثلة مع
المستوطنين، وما زالت توصيات تقرير تاليا
ساسون بإزالة 120 بؤرة استيطانية غير شرعية
مجمدة ولا يتم التعامل معها بشكل جدي؛
الأمر الذي يعني أن أولمرت ليس في عجلة من
أمره لاتخاذ خطوات ملموسة على الأرض، سواء
في اتجاه تطبيق بعض متطلبات خريطة الطريق
أو في إطار أي خطة أخرى للانفصال عن
الفلسطينيين بشكل أحادي الجانب. وربما
يسعى أولمرت حاليا إلى استنفاد خيار البحث
عن شريك فلسطيني حتى يقنع الداخل
الإسرائيلي والقوى الإقليمية والدولية
الراغبة في تسوية الصراع عبر اتفاق يقبله
الإسرائيليون والفلسطينيون معا، بأنه
مضطر بعد العجز عن إيجاد هذا الشريك
للتحرك منفردا والدليل على ذلك التعبيرات
التي استخدمها أولمرت عند حديثه لوسائل
الإعلام الأمريكية والإسرائيلية عن رئيس
السلطة الفلسطينية "أبو مازن" والتي
أثنى فيها عليه واستخدم تعبير الرئيس
الفلسطيني المنتخب في وصفه له بدلا من
التعبير الرسمي الإسرائيلي "رئيس
السلطة"، مؤكدا على رغبته في دعمه من
أجل تهيئة الأوضاع الفلسطينية داخليا
لاستئناف المفاوضات. غير أنه من غير
المتوقع أن يقبل أولمرت استئناف
المفاوضات طالما ظلت حماس ترفض الاعتراف
بإسرائيل، وطالما بقي أبو مازن والسلطة
الفلسطينية عاجزين عن نزع أسلحة الفصائل
الفلسطينية.
بمعنى أكثر وضوحا، فإن أولمرت لن
يغامر الآن بطرح تفاصيل خطته ولن يحاول
إثارتها مع شركائه في الائتلاف الحاكم قبل
أن يبرهن على عدم وجود شريك فلسطيني. ومن
ثم يبدو مفهوما لماذا لم يتحرك حتى اليوم
صوب الدخول في صدام مع اليمين المتشدد حول
تنفيذ توصيات تقرير تاليا ساسون، ولكن مع
مطلع العام القادم في ظل توقعات باستمرار
حالة التخبط والازدواجية في الجانب
الفلسطيني أو العودة إلى الأوضاع التي
سبقت فوز حماس بالأغلبية البرلمانية -في
حالة سقوط الحكومة الفلسطينية وحل المجلس
التشريعي والدعوة لانتخابات جديدة- قد
تصبح الأجواء مهيأة أكثر لكي يكشف أولمرت
عن تفاصيل خطته التي لن تختلف عما قدمه
مناحم كلاين من تصورات عن خطة التجميع
الغامضة.
|