 |
|
عباس أثناء لقائه أولمرت السبت 23 ديسمبر 2006
|
معطيات المشهد الفلسطيني الذي
بلغ في هذه الآونة ذروة الاستقطاب الحاد،
يصعب معها الاعتقاد بأن اتفاق التهدئة
الذي أبرم بين الطرفين المتصارعين "حماس"
و"فتح" بوساطة الوفد الأمني المصري،
مساء الثلاثاء الماضي 19 ديسمبر 2006 يمكن أن
يضع حدا للأزمة الراهنة.
بل إن استخدام مفردة "التهدئة"
على صعيد التفاعلات الفلسطينية البينية
يعد بحد ذاته مؤشرا لما آل إليه الصراع بين
حماس وفتح، وكيف اتخذ هذا الصراع طابعا
تناقضيا حادا، لم يعد فيه الدم الفلسطيني
خطا أحمر، بعد أن أريق منه الكثير في
المواجهات والصدامات والاغتيالات
المتبادلة التي جرت على مدار الأيام
القليلة الماضية، فيما اللاعبون بالنار
من الطرفين يقتربون الآن، وبخطى حثيثة من
استهداف الرؤوس من الرموز من كلا
الجانبين، الأمر الذي إن حصل، فلن يعرف
أحد كيف ستنتهي الأزمة، وإلام ستؤول.
على خلفية هذه المعطيات، لا حكمة
في الاعتقاد بنجاعة اتفاق التهدئة
الأخير، أو الركون إلى القول بأن ثمة
مزاجا شعبيا فلسطينيا قويا ضد الحرب
الأهلية، أو أن الساحة الفلسطينية تتسم
بالانسجام الديني والعرقي والطائفي، ولا
تعرف التقاء الطائفية بالإقليمية كما هو
الحال في لبنان، للاستنتاج أن شبح الحرب
الأهلية يظل بعيدا عن الأراضي
الفلسطينية، دون أن ينفي ذلك إمكانية حدوث
مناوشات وصدامات مسلحة بين الحين والآخر،
لأن اصطلاح الحرب الأهلية هنا في حاجة إلى
تدقيق وتوضيح من زاويتين، الأولى محلية
فلسطينية، والثانية إقليمية/ دولية.
انشطار المجتمع الفلسطيني
الزاوية المحلية تتمحور حول
السؤال التالي: ماذا يمكن أن يقال حين
تنقسم الساحة الفلسطينية إلى جماعتين
متناقضتين سياسيا وأيديولوجيا ومصلحيا،
ويترجم ذلك نفسه بالاحتكام إلى الشارع
بالمعنى "العنفي"، لا بالمعنى "الانتخابي"،
أي رميا بقذائف الهاون والأسلحة الرشاشة،
وقصفا بصواريخ التخوين واتهامات العمالة؟
وماذا يتبقى من وشائج السلم الأهلي حين
يتهم قادة "حماس" قادة "فتح"
بأنهم ينفذون أجندات خارجية، أي عملاء
لأمريكا وإسرائيل، فيرد هؤلاء باتهام
قادة حماس بأنهم "عملاء لإيران"
ينفذون أجندات فارسية.
الساحة العراقية قبل الفلسطينية
مرت بهذه المرحلة الاستقطابية الحادة،
وظلت الأطراف كلها ترفض وصف الاضطرابات
هناك بأنها "حرب أهلية" برغم أن العنف
السياسي/ المذهبي كاد يفرغ العراق نفسه من
العراقيين.. فهل يعيد الأمر نفسه الآن في
الأراضي الفلسطينية؟.
واقع الحال يشير إلى أن الصراع في
الساحة الفلسطينية بات صراعا حتميا، لأنه
ليس صراعا بين فتح وحماس بحد ذاتهما،
وإنما بين خيارين تاريخيين، أحدهما يريد
مواصلة تجربته في التفاوض البائس،
والثاني لا يريد أن يكرر خطأ الآخرين أو
يعيد إنتاج تجربتهم.
وعليه فالقضية أكبر وأبعد من أن
ترد إلى مجرد صراع على السلطة، أو إلى جدل
دستوري حول ما إذا كان رئيس السلطة يملك حق
إقالة الحكومة وحل المجلس التشريعي
المنتخب، واتخاذ قرار بإجراء انتخابات
مبكرة، وإنما تتمثل في صراع حول مشروعين
سياسيين: مشروع وطني فلسطيني تتبناه "حماس"
من خلال حكومة منتخبة، ومشروع أكثر
استجابة للضغوط الدولية، يتبناه فريق
أوسلو الذي نجح في اختطاف حركة فتح وأخذها
جملة إلى خيارات سياسية تجافي تراثها
الوطني والثوري، ويضعها تحت تصرف أجندات
مشبوهة، وبات لا يتحدث باسم" فتح"
وحدها، وإنما باسم منظمة التحرير أيضا.
على هذا النحو فإنه صراع مصيري،
ولا يمكن تجنبه حتى بتشكيل ما يمسى بـ"حكومة
الوحدة الوطنية"، لأن وحدة "الصف"
دون وحدة "الهدف" تظل أقرب إلى الهدنة
منه إلى الوحدة. فالوحدة الحقيقية هي وحدة
أبناء الوطن حول مصالحه وأهدافه الوطنية.
بهذا المعنى ليس بالضرورة أن تعبر حكومة
وحدة وطنية أو حكومة اتحاد وطني، عن وحدة
وطنية، ولنا في الحكومات اللبنانية
والعراقية أمثلة، ثم ألم يكن الشعب
البريطاني موحدا وطنيا في مواجهة ألمانيا
دون حكومة وحدة اتحاد وطني، وألم يكن
الشعب الأمريكي موحدا وطنيا في مواجهة
اليابان دون حكومة اتحاد وطني.
بعبارة أخرى، الوحدة الوطنية شيء
وحكومة الوحدة الوطنية أو حكومة الاتحاد
الوطني شيء آخر، لأن صفة "الوطنية" هي
صفة للوحدة وليست بالضرورة للحكومة، ولأن
الوحدة الوطنية هي التي تصيغ حكومة الوحدة
وليس العكس.
المقصد إذن أن المشكلة في السياق
الفلسطيني لا تكمن في غياب حكومة الوحدة،
وإنما في غياب الوحدة ذاتها نتيجة لغياب
وضوح الأهداف، وغياب آليات للعمل لتحقيق
هذه الأهداف. وحيث لا توجد حلول وسط فيما
يتعلق بالرؤية السياسية للصراع وطريقة
إدارته، وحيث لا يمكن الاستمرار بالقبول
بتعدد الأجندات والوسائل، فإن الأزمة
الفلسطينية ستظل في أحسن الأحوال تراوح في
مكانها، وأي تشكيل وزاري جديد ينبثق عما
يسمى بحكومة الوحدة في حال تشكيلها، وهى
على كل حال خيار مستبعد -ولا نقول مستحيل-
في ظل التطورات الراهنة، لن يتعدى كونه
صفقة فصائلية، وحكومة هروب مؤقت للفصائل
من شبح الحرب الأهلية، على حساب المصلحة
العليا الفلسطينية، بحيث يستمر الشعب
الفلسطيني يعاني الخلل المؤسسي، وافتقاد
البرنامج الموحد.
العوامل الإقليمية
والدولية
أما الزاوية الإقليمية والدولية
فهي تتمحور أيضا حول سؤال هو: هل ما زال
الفلسطينيون يمسكون بقرار الحرب والسلم
في مجتمعهم، أم أن الأمر خرج من يدهم
ليستقر في حضن أصحاب القرار الخارجيين؟..
السؤال يستمد مشروعيته من التقارير
والمعلومات المتوافرة هذه الأيام، والتي
تشير إلى نية كل من المحورين الأمريكي
العربي "المعتدل"، والإيراني السوري
دعم حلفائهما الفلسطينيين في هذه
المجابهة الجديدة.
 |
|
عباس وهنية أي مستقبل ينتظر العلاقة بين فتح وحماس؟
|
وحين نتأمل في ردود الأفعال
الفورية على دعوة أبو مازن للانتخابات،
فإننا نشعر بأجواء التحريض تمهد للغة
السلاح، كما هو الحال في العراق. فما كاد
أبو مازن يختم خطابه الذي ألقاه يوم السبت
16 ديسمبر 2006، والذي أعلن فيه دعوته إلى
إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة،
حتى سارعت وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندليزا
رايس" بدورها إلى الإعلان بأنها ستطلب
من الكونجرس اعتماد عشرات الملايين من
الدولارات لغرض تعزيز قوات أمن الرئاسة
التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية، فيما
صدرت تصريحات من لندن وتل أبيب بضرورة دعم
عباس بكل ما يمكن، ليبدو الأمر في النهاية
وكأنه سيناريو مرسوم سلفا: خلق حالة توتر
متصاعد (بدءًا من محاولة الاعتداء على
وزير الداخلية سعيد صيام، ومرورا بقتل
الأطفال الثلاثة واتهام حماس بقتلهم،
وانتهاء بالتعرض لموكب إسماعيل هنية على
معبر رفح) يؤدي بتسلسل حتمي لاستفزاز حركة
حماس لجرجرتها إلى حرب أهلية، يتغذى الطرف
الآخر فيها بأموال وإمدادات سلاح أمريكية
وإسرائيلية، ما يعني أن القرار الفلسطيني
لم يعد كله في يد الفلسطينيين، وأن الصراع
الفلسطيني الداخلي ليس معزولا عن صراعات
أخرى تشتعل في المنطقة، بل إن ما يجري في
الأراضي الفلسطينية لا سيما في قطاع غزة،
ليس - في جانب كبير منه على الأقل - سوى رجع
الصدى للتوتر الإقليمي الناجم عن غياب
مبادرات التسوية الجادة، أو ارتفاع حمى
الانقسامات والاصطفافات الإقليمية.
ولعل السبب الأهم الذي أوصل
مشاورات حكومة الوحدة بين فتح وحماس إلى
طريق مسدود، يتمثل في أن ثمة أطرافا
إقليمية ودولية تعبث بملف حكومة الوحدة
الوطنية، وتريد رأس "حماس" بأي ثمن،
وتحاول إفشالها وإثبات أن خيار المقاومة
عاجز عن الحكم وتوفير مستلزمات الحياة
للشعب الفلسطيني، كما أن إسقاط حماس بات
ضرورة ملحة بعد الانتصار الأخير الذي حققه
حزب الله في لبنان، والاستنفار الهائل
للولايات المتحدة وحلفائها من "المعتدلين"
العرب الخائفين من الانتصار وثقافته لأن
الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على لبنان
(وإن لم تكن العامل الذي أطلق هذه الحالة
من الاستقطاب السياسي الحاد الذي يشهده
الوضع الإقليمي في المنطقة) فإنها أخذته
إلى حدود بعيدة في حدة الاصطفاف بين
معسكرين وموقفين.
وفي ظل هذا الوضع أصبحت "حماس"
الموقع الأول في الحرب الدائرة بين
المعسكرين، بعد أن قرر حلف "المعتدلين"
أنه قد حان الوقت لإحراز انتصار يعيد
الثقة إلى أنصار واشنطن، بدءًا من فلسطين..
فهم يظنون أن الحلقة الأضعف تكمن في
فلسطين، وفى ظل عدم إمكانية إحراز نصر في
العراق، فيما حزب الله في لبنان في وضع
المهاجم، لذا يجب التركيز على فلسطين
وحماس، حيث الجماهير منهكة من الجوع
والحصار، وحماس ربما فقدت جزءًا من
جمهورها بسبب ذلك، لذا يمكن دحرها وتحقيق
انتصار لحلف "المعتدلين" يغير المناخ
العام في المنطقة، ويعيد لإدارة بوش
وأصدقائها الثقة بالنفس.
وفى هذا السياق يتعين لفت
الانتباه إلى تصريح هام لتوني بلير رئيس
الوزراء البريطاني كان قد أدلى به قبل
حادثة معبر رفح بأيام قليلة قال فيه: "إن
الأسابيع القادمة ستكون قاسية على
المنطقة"، فهل هذه نبوءة مبكرة عما
سيحدث في فلسطين خلال الأسابيع المقبلة؟
وهل لخطاب أبو مازن علاقة بهذه النبوءة؟
وهل هذه النبوءة هي نبوءة الاشتباك مع
حماس والإطاحة بها؟! لا سيما أن محاولة
اغتيال إسماعيل هنية رئيس الوزراء
الفلسطيني على معبر رفح مساء الخميس 14
ديسمبر 2006 جسدت بوضوح حالة الحرب الجماعية
ضد حماس.
فعلى المعبر وقف كل من "المعتدلين
العرب" والأمريكان والأوربيين
والإسرائيليين وجهاز أمن الرئاسة
الفلسطيني معا: الفريقان الأول والثاني
اضطلعا بمهمة إبلاغ الطرف الإسرائيلي
بوصول هنية بحقائبه المليئة بملايين
الدولارات إلى مطار العريش، فيما قرر
الاحتلال إغلاق المعبر، لينسحب الفريق
الثالث من على المعبر اعتراضا على خطوة
هنية "المدانة"، بينما تكفل "ثوار
ومناضلو" حرس الرئاسة الفلسطيني بإطلاق
النار على موكب رئيس الوزراء، ليكتمل
المشهد بذلك مجسدا تحالف القوم جميعهم ضد
حماس.
أكثر من هذا أن الحرب على حماس،
من وجهة نظر واشنطن وتل أبيب، تكتسب
أهميتها بالنظر إلى أن "حماس" الآن هي
"الكنز المعنوي"، والقوة الشعبية
الموثوقة -وربما الوحيدة- التي تمنع إظهار
الصراع في المنطقة وكأنه صراع بين السنة
والشيعة، لأنها رغم كونها "سنية إلى حد
محرج"، فإنها تتعاون مع حزب الله
الشيعي، وتتحالف مع إيران الشيعية، لذا
يجب اصطيادها وتدميرها أو تركيعها، لأن
وجودها بات محرجا لمن يدعون النطق باسم
"السنة".
بعبارة أخرى، قرار تركيع حماس أو
تدميرها لا يعود فقط لكونها تعادي
إسرائيل، وإنما لأنها تضفي بعض المصداقية
لقول "حزب الله" بأنه حزب وطني لا حزب
شيعي. ولهذا فهي تبدو بمثابة العائق أمام
تكون الحلف السني ضد إيران وحزب الله
وحليفتهما سوريا.
وعليه فإن "رأسها الذهبي"
الذي يمنع من إعطاء غطاء لمن يريد أن يشعل
حربا بين السنة والشيعة بات مطلوبا بعد أن
ضاقت واشنطن ذرعا بمرونة "حماس"
وقدرتها على استيعاب مطالب الرئيس أبو
مازن وفريقه المفاوض، دون أن يثنيها ذلك
عن التمسك بالثوابت والحقوق الوطنية
الفلسطينية، الأمر الذي أغاظها وأفقدها
صبرها، مما دفعها لإرسال وزيرة خارجيتها
"رايس" لإعطاء التوجيهات المباشرة
للرئيس أبو مازن بوقف الحوار، والبدء
بالتحضير لفتنة داخلية، بهدف إقصاء حماس
كليا عن السلطة.
على خلفية هذه المعطيات يمكن
القول بأن محاولات مصادرة القرار الوطني
الفلسطيني واختطافه من قبل القوى
الإقليمية والدولية على أشد ما تكون الآن.
وأخطر ما في ذلك أن تتحول الأراضي الفلسطينية إلى "مكب نفايات" لأزمات تلك القوى،
وساحة المواجهة في حروبها
وصراعاتها الصغيرة والكبيرة، إذ من شأن
ذلك جعل حماس وفتح طرفين في مواجهة
حصيلتها صفرية والجميع فيها خاسرون.
الأمل معقود إذن في أن ينتبه
الفلسطينيون إلى ضرورة تحرير الوضع
الفلسطيني ما أمكن من الارتهان في الحل،
إلى انتظار صفقه إقليمية، تضع فلسطين
مقابل لبنان أو العراق، ثم تحرر كلا من "فتح"
و"حماس" من وهم إمكانية أن يفرض
أحدهما وجهه نظره على الآخر.
فلبنان الذي يواجه مأزقا سياسيا
حادا في هذه الأيام، تعايش طوال سنوات
باعتماد سياسة "لا غالب ولا مغلوب"
بابتكار معادلة التوازن الدقيق بين
مكوناته الداخلية، واستحقاقاته
الإقليمية، ويمكن للفلسطينيين ابتكار مثل
هذه المعادلة مع تعديل طفيف يراعي خصوصية
الحالة الفلسطينية.
|