 |
|
دعوة الرئيس أبو مازن لإجراء انتخابات مبكرة يزيد الأزمة الفلسطينية تفاقما
|
بمجرد أن أعلن الرئيسي الفلسطيني
محمود عباس (أبو مازن) أنه بصدد إلقاء خطاب
هام على الشعب وحدد له موعد السادس عشر من
ديسمبر 2006، ثارت الشكوك والأقاويل بأن
الرجل حزم أمره وحسم خياره تجاه مستقبل
العلاقة مع حماس، الحركة والحكومة، ومع أن
أبو مازن تكتم على هذا الخيار، إلا أن بعض
التحليلات تكهنت بأن مقصده يتجه إلى
الانتخابات التشريعية والرئاسية
المبكرة، وهو ما حدث بالفعل.
الانتخابات ذروة سيناريو
تصعيدي
استندت هذه التكهنات في حينها
إلى ما سبق إعلان الرئيس عن خطابه المزمع
وما لحقه مباشرة من وقائع. فقبيل الإعلان
اجتمعت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير
التي تقع تحت سيطرة أغلبية من حركة فتح
ورئاسة أبو مازن، وأصدرت قرارًا يحبذ
الانتخابات.
وواكب هذا الاجتماع تظاهرات
لقطاعات من القوى الأمنية تعيد للأذهان
قضية الرواتب المالية المقطوعة والحصار
الاقتصادي والسياسي على السلطة
الفلسطينية وشعبها، تحمل "حكومة حماس"
المسئولية، وجرت تعديات على المجلس
التشريعي.
وبعيد الإعلان اجتاحت الضفة وغزة
حالة من الفلتان الأمني بشكل استثنائي،
نتجت عنها أحداث لا تقل استثنائية
ومأساوية بينها قتل ثلاثة أطفال مع
سائقهم، ومسئول استخباري فلسطيني من حركة
فتح، ومصرع قاض ينتمي لحركة حماس، وصولاً
إلى إطلاق النار على موكب رئيس الوزراء
الفلسطيني لدى وصوله من معبر رفح كاد يودي
بحياة إسماعيل هنية العائد من جولة
خارجية، وتدمير جانب من المعبر ومرافقه.
أيضًا سبق خطاب الرئيس، حملة
إعلامية سياسية تبادل فيها مسئولون كبار
من فتح وحماس الاتهامات والتخوين
والتهديدات التي تنذر بالصدام المسلح
المفتوح، أي الحرب الأهلية!.
المراد أن هذه المتوالية من
الأحداث المحمومة دفعت إلى الاعتقاد بأن
ثمة سيناريو تصعيديا يهيئ البيئة
الفلسطينية لاستقبال خيار صعب، أو طال
الظن بعزوف أبو مازن عنه أو عدم قدرته على
اجتراحه، وهو قطع ولاية حماس التشريعية
وسوق المجتمع الفلسطيني إلى الانتخابات
المبكرة في ظروف ومعطيات ليست مواتية
لحماس. وكان التفكير في مثل هذا السيناريو
يراود الكثيرين منذ اليوم التالي لصعود
حماس إلى مركز صناعة سياسات وقرارات
السلطة وتشكيل حكومتها، ومما تداوله أهل
الذكر بهذا الخصوص أن الحصار الذي ضرب على
حكومة حماس والشعب الفلسطيني بعامة، إنما
أريد به تعظيم الغضب الشعبي على حماس
وإنضاج عوامل الإطاحة بها بوسيلة أو أخرى.
وعلى ذلك، تكون خطوة الرئيس الأخيرة
بمثابة الفصل الختامي في رواية صعود حماس
وهبوطها بين يدي نظام السلطة الفلسطينية
أو هكذا كان التصور.
قد يجادل البعض هنا بأن الرئيس
الفلسطيني لم يعترض بقراره ولاية حركة
حماس التشريعية وحكومتها فقط، وإنما
اعترض أيضًا طريق ولايته هو شخصيًّا
بدعوته للانتخابات الرئاسية، وبهذا فإنه
وضع منصبه قيد الثقة الشعبية، وهذا أمر
صحيح، يراد به إنهاء مرحلة الرأسيين
والرئاستين المتنابذتين داخل السلطة، وقد
يؤدي إلى إراحة أبو مازن من تحمل العبء
الذي وضعته فيه هذه المرحلة. كما أنه سيؤدي
حال حدوثه إلى وحدة فتح، بحسبها ستواجه
معركة حسم لقوتها السياسية وشعبيتها على
المستويين الرئاسي والتشريعي.
فيتو حماس وفصائل أخرى
 |
|
مسلحون من حركة حماس يجوبون شوارع غزة اعتراضا على خطاب أبو مازن 17 ديسمبر
2006
|
على أن ذهاب أبو مازن إلى خيار
الانتخابات لم يكن بشكل مطلق، فهو أبقى
الباب مواربًا أمام استئناف الحوارات
الوطنية حول خيارات أخرى مثل "الاتفاق
على حكومة وحدة وطنية من الكفاءات هدفها
فك الحصار عن الشعب الفلسطيني..". وقد
يفهم من ذلك أن أبو مازن يدرك حجم الصعوبات
ولعلها الأخطار التي سيلقاها بديل
الانتخابات. تلك الصعوبات التي أطلت فورًا
وأبرزها رفض حماس لتوجهه بلا تردد والذي
واكبته مواقف قريبة من الرفض تبنتها فصائل
أخرى مشاركة في نظام السلطة كالجبهتين
الشعبية والديمقراطية.
وعليه يكون خيار أبو مازن قد أذن
باستئناف الخلافات السياسية بدلاً من قطع
الطريق عليها، والأهم أنه أثار في غمرته،
وسوف يثير، كل الإشكالات والمحاذير التي
سيقت لرفضه على مدار الشهور التسعة
الماضية. ومن ذلك: أنه ليس إجراء صحيحًا من
المنظور الدستوري، باعتبار الرئيس لا
يملك صلاحية حل المجلس التشريعي قبل
انتهاء ولايته، وأنه لا يصح الأخذ به في
أجواء الانقسام السياسي الحاصل بين قطبي
النظام، بل ربما ساق المجتمع برمته إلى
صدام داخلي مروّع، هذا إلى أن الانتخابات
حتى في حال إذا تم اجتراحها ومرورها رغمًا
عن موقف حماس ومقاطعتها لها، لن تكون
خاتمة المطاف على صعيد التنازع متعدد
الأنماط بين فتح وحماس وأنصارهما.
لقد عجلت مصادر حماس بإيراد هذه
التحفظات، وزادت عليها بعض الفصائل بأن
كسر الحصار لا يمثل هدفًا معقولاً لأية
حكومة إذا كان الثمن هو من صلب الحقوق
الفلسطينية، وأنه من العيب استغلال
الحصار كي يساق الشعب كله إلى تطويع
الحالة الفلسطينية السياسية بكل قواها،
وأنه يجب الصبر على خيارات أخرى أكثر
مأمونية للسلم السياسي والأهلي، لا سيما
أن الاحتقان الشديد القائم سيزداد بفعل
الاختلاف على عملية الانتخابات ولا ينبغي
الاستخفاف بتداعياته على الأمن الداخلي
الفلسطيني.
مداخلات الخارج وإسرائيل..
الحاضر الغائب
للوهلة الأولى يبدو المشهد
الفلسطيني وكأنه صار تحت زمام الرئيس
الفلسطيني أو أن الرئيس ألقى قفازًا في
وجه حكومة حماس، وذلك وفقًا لتعليلات أبو
مازن بأن أعيدت أمانة الاختيار للشعب عبر
صناديق الاقتراع، وهو أمر تجيزه القوانين
الأساسية التي تضع السلطة كلها في يد
الناخبين، لكن القضية ليست بهذه البساطة،
فالشعب لا يمارس سلطته الانتخابية إلا
بقوانين منظمة ومن خلال مؤسسات وأصول
وفترات زمنية، وهذا لا يسوغ العودة إلى
الشعب كلما اختلفت القوى والمؤسسات بين
بعضها البعض على ما تذهب حماس. ورب قائل
هنا بأن الرئيس الفلسطيني لم يثنِ نفسه من
الإجراء الانتخابي، بما يعني صدقيته في
التخلص من ازدواجية السلطة، حيث فتح في
الرئاسة وحماس في السلطة التشريعية
والحكومة، وأنه إذا كانت حماس على ثقة
بمكانتها لدى الناخبين، فلم لا تعود إليهم
على غرار ما يفعل الرئيس وحزبه (فتح)؟.
الإجابة عن هذا السؤال تكمن في
البيئة المحيطة بدعوة الرئيس، فحماس تخشى
من تأثير الحصار على اختيارات الناخبين
الذين اعتصروا بقسوة، وأغلب الظن أنها
توقن بأنه لا خيار لجائع أو محاصر. وعليه
فإن موقفها من دعوة الانتخاب الراهنة
يحاكي موقفها من دعوة الاستفتاء التي
أثيرت قبل شهور. وبالطبع يحق لحماس أن
تقارب المسألة بهذا الأسلوب الاحترازي،
وهنا ينبغي أخذ العامل الخارجي بعين
الاعتبار الشديد.
فالحالة الفلسطينية بكل أبعادها
لا تتحرك بمعزل عن مداخلات الآخرين، سواء
بالسالب أو بالموجب. الحصار فعل خارجي
وكذلك شروط ما يعرف بالرباعية الدولية
وأدوار بعض الوسطاء. ولذا ثمة شكوك كبيرة
بشأن صحة زعم البعض بما فيهم أبو مازن في
خطابه الأخير، بأن على الفلسطينيين أن
يأخذوا مسافة متساوية من الجميع.
مثل هذا الموقف يحتاج إلى شروط
للاستقلالية المادية والسياسية لا ولم
تتوفر للحركة الوطنية الفلسطينية برمتها،
ناهيك عن السلطة الوطنية التي تعتاش على
هبات المانحين الدوليين؛ وهم في الحقيقة
معنيون بسيرورة القضية الفلسطينية وبعضهم
حلفاء أقحاح لإسرائيل! ومؤدى ذلك أنه حتى
لو أخذ الفلسطينيون بسياسة المسافة
الواحدة، فإن الآخرين الأقوياء والذين
يملكون أدوات التأثير (كالمنح والمنع
المالي مثلاً) قد لا يحتفظون بهذه المسافة
أو يحترمونها.
المدهش أن أحدًا من فرقاء
السياسة الفلسطينية، المشدودين
بالاحتقان الداخلي وتجلياته البغيضة لم
يستطرد بالقدر الكافي أو حتى اللائق إلى
هؤلاء الآخرين، وفي طليعتهم إسرائيل
ذاتها، ولم يُثِر المتشاكسون في خطاباتهم
التلاومية الحادة إلى احتمال وجود مداخل
إسرائيلية قوية على خطوط التفاعلات
البينية الفلسطينية، مع أن العامل
الإسرائيلي يقع بين جلد الفلسطينيين
وعظامهم. وإلى أن تنجلي حقيقة هذا التغاضي
سنظل على يقين بأن الأزمة الفلسطينية لم
تقم ولن تقعد لا بالحوار، ولا بالانتخابات
ولا بأي خيار آخر، بمعزل عن إشعاعات القوى
الإقليمية والدولية المعنية بحال
الفلسطينيين ومآلهم.
وبوسع إسرائيل مثلاً أن تسهل
إجراء الانتخابات أو الاستفتاء كما تملك
الكثير من وسائل تعطيلها بالكامل. ونعتقد
أنها عنصر فاعل بقوة فيما يخص سيرورة عمل
الحكومة والمؤسسات وحركة المسئولين
الفلسطينيين، وهي تتحكم في تدفق الأموال
والسلع من وإلى الضفة وغزة وما بينهما،
هذا دون الحديث عن دورها في إقرار الأمن
الفلسطيني أو زعزعته وبث الفتنة بين القوى
الفلسطينية. وهي إلى جانب حلفائها
الغربيين عجلت بالانحياز إلى رواية أبو
مازن لسيرته مع حكومة حماس وتأييد خيار
الانتخابات، بما يمكن أن يسبب إحراجًا
للرئيس الفلسطيني ويضعف موقفه ويضاعف
شكوك حماس في نياته وتوجهاته... علمًا بأنه
كان بإمكانها وما زال تقديم خدماتها له
ولفريق التسوية معه بوسائل أخرى كإطلاق
أسرى أو التوقف عن اعتداءاتها المتكررة
وعن عمليات الاغتيال المستهدف وبناء
الجدار الاستيطاني ورد أموال السلطة
إليها وهذا أضعف المطلوب منها.
ماذا بعد..؟
 |
|
مؤيدون للرئيس الفلسطيني أبو مازن في استعراض بقطاع غزة 17 ديسمبر
2006
|
أولاً: لم يغلق أبو مازن الباب
تمامًا أمام بديل الحكومة الوحدة الوطنية
"التكنوقراطية". ولذا يصح التفكير في
احتمال أن نكون بصدد مناورة ضاغطة على
حماس للتعجيل بتحولات أوضح عن برنامجها
السياسي والانصياع لتوجهات أبو مازن
وفريقه. ويعزز هذا الاحتمال أن الرئيس
الفلسطيني لم يحدد تاريخًا معينًا كسقف
زمني لتطبيق خيار الانتخابات، ويدور
الحديث بهذا الخصوص عن فترة زمنية تتراوح
بين ثلاثة وستة أشهر، وهذه نسخة طويلة
نسبيًّا يصعب فيها التحكم في الفلتان
الأمني وتداعيات الحصار أو ضبط التوتر
المتسارع والخطير في الشارع العام بين فتح
وحماس، كما يصعب تحمل الجمود السياسي
الفلسطيني على الصعيد الداخلي. لكنها فترة
تناسب إعادة تشغيل عجلة الحوار الوطني
بوتيرة أسرع وأكثر جدية بين فتح وحماس،
وبمشاركة أكبر لغيرها من الفصائل والقوى
التي رفضت مؤخرًا قبل إعلان أبو مازن
وبعده تهميشها وترك المجال الفلسطيني
نهبًا لمناكفات قطبيه الكبيرين.
ثانيًا: يلاحظ أنه لا توجد مبررات
موضوعية قوية لفرط مباحثات حكومة الوحدة
الوطنية. وبشهادة وسطاء عدول مثل مصطفى
البرغوثي فإن الخلافات حول هذه الحكومة
تبدو محددة جدًّا ولا يصعب تجاوزها؛ إذ لا
تعدو التباين حول بعض الاختصاصات والشخوص
بين فتح وحماس. هذه الشهادة ونحوها تنفي
استحالة التواصل بشأن حكومة الوحدة،
عوضًا عن انتخابات تفاقم الحالة
الفلسطينية والمنازعات الفصائلية إلى
أبعد الحدود.
ثالثًا: لكن بعض المتابعين عن كثب
والوسطاء يؤكدون تعرض القوى الفلسطينية
لضغوط خارجية جبارة هي التي حالت دون
الإجماع على حكومة الوحدة وتذليل العقبات
أمامها. ولأنه لا مبرر للاعتقاد بزوال هذه
الضغوط الفاعلة في غضون فترة قصيرة، فقد
لا تفلح جهود العودة إلى مباحثات هذه
الحكومة. ويدعو هذا إلى القناعة أن الدول
المانحة المسئولة عن الحصار انحازت
سريعًا لبديل الانتخابات وليس لديها أي
موانع أخلاقية تجعلها تراعي المخاطر
المترتبة عليه في المجال الاجتماعي
والسياسي، وربما تمارس ضغوطًا تقود قوى
عربية إلى الاصطفاف خلف هذا البديل في
مناخ عربي يسمح بذلك. وليس بعيدًا عن الذهن
الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية
لمنع دول عربية من تفعيل القرار العربي
بفك الحصار على السلطة وشعبها.
رابعًا، من المرجح والحال كذلك
أن يمضي الرئيس الفلسطيني إلى الانتخابات.
ومع ذلك يبقى في الأفق رادعًا كبيرًا قوي
المفعول ربما حال دون هذا الإجراء هو عدم
الإجماع الوطني الفلسطيني عليه. هناك عشرة
تنظيمات فلسطينية علاوة على حماس وقطاعات
من فتح في الخارج ترفض الانتخابات
المبكرة، والأهم أنها تملك أدوات زلزلة
الأرض تحته وعدم تهيئة البيئة الصحية
لمروره. وفي إطار كهذا ستبدو الرئاسة
الفلسطينية ومعها فتح والقوى الداعمة لها
وكأنهم يحاولون كسب رضاء القوى الدولية
على حساب التوافق الوطني مع شركاء الدم
والمصير، ثم إنه لن يكون منطقيًّا توقع
إجراء الانتخابات في مناخ داخلي عاصف.
وحتى إذا ما تم تجاهل هذه القاعدة، فإن
النتائج لن تضمن استقرار الوضع الفلسطيني
وبخاصة في ظل مقاطعة حماس وفصائل أخرى
لهذا الإجراء.
كان دخول حماس النظام والسلطة
الفلسطينية عاصفًا كما كان وصولها إلى
مركز النظام عاصفًا بدوره. ويقينًا سيكون
خروجها أو إخراجها منه سببًا لعواصف أخرى
قد تسبب آلامًا جسيمة للقضية الفلسطينية.
والحال، أن المشهد الفلسطيني لم ولن يتحسن
بفعل مبادرة الرئيس عباس التي يبدو أنها
تنذر باندلاع أزمات من حيث أرادت وضع حد
لأزمات أخرى.
|