 |
|
إيران صداع فى رأس بوش وإدارته
|
على الرغم من تعاظم القيود
الدولية وتزايد المنافسة الإقليمية،
واشتداد وطأة السياسات الأمريكية التي
تبغي حصار إيران وإفشال مشروعها الإقليمي
لصالح المشروع الأمريكي، فإنه يمكن الزعم
بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعيش
لحظة تاريخية مفصلية على المستوى
الإقليمي، حيث تعددت الفرص أمام إيران
لتسمع جيرانها في الإقليم صوتها، وتنوعت
السبل التي من شأنها تدعيم مكانتها
الإقليمية، بشكل لم يُتَح لها منذ قيام
الثورة الإسلامية في إيران عام 1979؛ الأمر
الذي بات يطرح تساؤلات مفصلية حول
المقومات الداخلية والدولية التي قد تدفع
إلى اضطلاع إيران بدور إقليمي أقوى وأكثر
تأثيرا، يؤهلها إلى تجاوز الضغوط
الأمريكية بل ومجابهتها؟.
تمتلك إيران مقومات قوة ذاتية
في مواجهة محيطها الإقليمي تجعل من دورها
عاملا رئيسيا في التخطيط لمستقبل المنطقة.
فبخلاف الدور التاريخي والعمق
الإستراتيجي الملحوظ والموارد
الاقتصادية والبشرية والعسكرية الكبيرة،
تمتلك إيران موارد سياسية ذات دلالة.
فداخليا، تقدم إيران حالة
سياسية تلعب الجماهير فيها دورا مهمًّا
وملحوظا وتسعى إليها كل الأطراف الفاعلة
داخل النظام الحاكم؛ وهو الأمر الذي يختلف
عما هو سائد إقليميا من احتكار معظم النظم
السياسية لجميع آليات الفعل الداخلي.
إيران والشرق الأوسط
الجديد
وتطرح إيران أحد نماذج ما تسميه
بالديمقراطية الدينية أو الديمقراطية
الإسلامية، حيث تتمتع آلية الانتخابات
بمصداقية عالية نسبيا (إذا ما قورنت
بالمعايير الإقليمية). يأتي المنطلق
الإيراني من الرغبة في تقديم ديمقراطية
ذات خصوصية إسلامية لا ترى مكانا
للعلمانية وإنما للتعددية والتنافس بين
تيارات سياسية جميعها تؤمن بمرجعية
إسلامية سياسية.
ومن هنا يتأسس الموقف الإيراني
تجاه الدعوة إلى الديمقراطية في إطار
مبادرة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير على
دعامتين أساسيتين:
الأولى، خصوصية النموذج
الإيراني للحكم وما يقدمه من بدائل أكثر
ملاءمة للمعطيات الثقافية والتاريخية
للمنطقة.
والثانية، التشكيك في الأهداف
الحقيقية لهذه المبادرة وعدم الجدية في
تطبيقها وانتقاد آلياتها. فمهما اختلفنا
حول مدى ديمقراطية النظام السياسي
الإيراني، فإنه ولا شك يقدم تجربة فريدة
ومتميزة على الأقل قادرة على التفاعل مع
الجماهير وتفعيلها عندما تقتضى الضرورة.
كما أن توافر نظام ديمقراطي -أو يقترب أكثر
من غيره في الدائرة العربية من
الديمقراطية- يعد عاملا حاسما في تعضيد
استقلالية القرار السياسي الإيراني في
مواجهة محاولات الهيمنة الأمريكية؛ وهو
الأمر الذي يمكن أن ينطبق على تركيا أيضا
بالرغم من علمانية الدولة وتحالفها مع
الولايات المتحدة، حيث لا يمكن إغفال قوة
القرار التركي واستقلاليته عند حدوث أي
تهديد لمصلحة قومية تركية. فكلما ضعفت
رابطة الحاكم بالداخل توطدت علاقته
بالخارج.
ومن ناحية أخرى، نحن أمام جبهة
داخلية تعيش أزهي لحظات اتحادها ووحدتها،
وذلك بالرغم من القلاقل التي أثارتها
الأقليات مؤخرا في إيران واختلف
المراقبون حول جدية تهديدها للاستقرار
الداخلي. ففي ظل محاولات القوى الغربية
وخاصة الولايات المتحدة تصعيد أزمة الملف
النووي، ازدادت الجبهة الداخلية
الإيرانية تماسكا وتعاظمت الرغبة في تحدي
الإدارة الأمريكية لدى معظم قطاعات
المجتمع الإيراني.
ويبدو واضحا توافر درجة عالية من
درجات الوحدة في الداخل واتجاه القوى
الداخلية إلى التقارب أكثر من الاختلاف
خاصة حول هدف المضي قدما في البرنامج
النووي الإيراني والتصدي للضغوط
الأمريكية. وقد استنفرت هذه الضغوط مشاعر
الكرامة الوطنية وكرستها، فالملف النووي
الإيراني أضحى مشروعا قوميا يقف وراءه
الشعب الإيراني بأكمله ويعتبره بمثابة
إعادة كتابة للتاريخ مثل تأميم النفط في
بداية الخمسينيات.
المحافظون.. وإستراتيجية
إيران الجديدة
 |
|
تماسك الجبهة الداخلية بإيران عنصر
قوة
|
وتواكب هذا التلاحم بين النظام
وبيئته الداخلية مع تغير خريطة التوازن
الداخلي لصالح المحافظين، بحيث أصبح
التباين الداخلي الرئيسي يأتي من داخل
المعسكر المحافظ ما بين براجماتيين (أو
واقعيين) ومتشددين (أو أيدولوجيين) وليس
بين محافظين وإصلاحيين -كما كان الوضع في
السابق-، وذلك بعد تواري الجناح الأخير
خارج مؤسسات الدولة المنتخبة.
فبوصول أحمدي نجاد إلى الرئاسة
اكتسبت النخبة السياسة صلابة ووحدة في
اللغة. إلا أن ذلك يجب ألا يجعلنا ننسى
أهمية ما يتسم به الخطاب السياسي الإيراني
عامة من مرونة وقدرة على المناورة، عدها
كثيرون علامة من علامات القوة.
فالازدواجية التي تظهر في تصريحات
المسئولين الإيرانيين تعكس سعيا دءوبا
لتحقيق المستهدف في ظل بيئة مقيدة للحركة
أكثر منها مانحة للفرص. ويؤمن المسئولون
الإيرانيون بأهمية ترك جميع الأبواب
مفتوحة حتى يتضح لهم الأقدر منها على
تحقيق المستهدف.
إن الخطاب الإيراني خطاب متنوع
الأساليب واللهجات يصعب إدانته أو تجاهل
الفرص التي يمنحها لمهاجميه، ذلك في وقت
يحدد فيه ثوابت موقفه التي ينطلق الجميع
منها متشددين وبراجماتيين، ويتم استخدام
تعدد الألسنة لخدمة المصلحة الإيرانية
الحالية المباشرة.
أما دوليا، فقد انطلقت إيران
من قراءة مختلفة للنظام الدولي لم تحصره
في الولايات المتحدة بل انتبهت إلى أهمية
قوى أخرى مهمة لها احتمالات مستقبلية كبرى
مثل الصين وروسيا والهند.
كما لم تنظر إلى الغرب كحليف تابع
ومنفذ للسياسات الأمريكية، وإنما قوى لها
مصالحها المتباينة عن الولايات المتحدة
في لحظات ما وفيما يخص قضايا بعينها، وهو
ما فطنت إليه إيران وسعت إلى المناورة في
إطاره. وامتدت تلك الرؤية الشاملة والنشطة
للعالم لتعضد من محاولات إيرانية دءوبة
لفتح أبواب التعاون من بعض دول أمريكا
اللاتينية ودول إفريقية وأخرى في شرق آسيا.
ولا شك أن هذه التحركات وإن جاءت
على المستوى الدولي فإنها تنوع وتزيد من
الفرص التي تتفتح أمام النظام الإيراني
وتحسن من قدرته على الحركة إقليميا. وقد
تمكنت إيران من تكوين شبكة علاقات قوية مع
كثير من القوى الدولية الكبرى على رأسها
روسيا والصين وبعض دول أوربا. وسعت إلى
المناورة في بيئة دولية مقيدة في ظل تعاظم
ضغوط القطب الأمريكي.
مواجهة السياسات
الأمريكية
وفي نفس الوقت لم تقف إيران أمام
محاولات الولايات المتحدة حصار وتحجيم
نفوذها الإقليمي، بل اتجهت للحركة وتقديم
رؤية نقدية متكاملة للسياسات الأمريكية،
وفي نفس الوقت تركت الباب مفتوحا لتعاون
تكتيكي وتفاوض مرحلي كلما دعت الحاجة.
وتقوم الرؤية الإيرانية
الرسمية الناقدة والرافضة لممارسات الغرب
(وخاصة السياسات الأمريكية) على حجة
رئيسية: عدم مصداقية الولايات المتحدة
وازدواجيتها. وينطلق هذا المسلك الغربي
المتناقض مع خطابه القيمي من هدف مستمر
وثابت وهو استهداف العالم الإسلامي
وثرواته.
ومن هنا تنطلق الرؤية الإيرانية
من الشعور بالتهديد والاستهداف. إلا أنه
بالرغم من محورية الصراع بين الولايات
المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية
على أساس أنه صراع هيكلي حضاري جذري، فإن
ذلك لم يمنع من الشروع في فتح حوار بشكل
غير مباشر أو مباشر في أحيان متعددة بين
الدولتين. فالمصلحة ارتبطت بالتوقيت
ومقتضيات كل مرحلة. إلا أنه تعاون جزئي
مرحلي يحدث في لحظة مرحلية بذاتها ومشروط
بزوال المقتضيات التي دعت له والتي غالبا
ما ترتبط بمصلحة حالة وقصيرة المدى ولكنها
لا تؤثر على المسار العام والطبيعة
الصراعية للعلاقة القائمة على التوتر
والتنافس أكثر من التعاون.
فقد أدركت إيران أنها لا يمكن أن
تلعب دورها الإقليمي بدون أن تتفاعل مع
الولايات المتحدة سواء إيجابيا أو سلبيا
بحسب مقتضيات التوقيت وظروف القضية
المثارة؛ فهناك تداخل مصالح ما بين إيران
والولايات المتحدة من الصعب تجاهله. ومن
ناحية أخرى هناك إدراك عام لأهمية التعاون
مع إيران لاستقرار المنطقة. وفي هذا
السياق قامت مفاوضات -لفترة وجيزة- في
نوفمبر 2005 بين الولايات المتحدة
والمسئولين الإيرانيين فيما يخص الشأن
العراقي عبر السفير الأمريكي في العراق،
وهي تعد الاتصالات الأولى منذ 2003 والتي
كانت قد عقدت في جنيف لمناقشة الشأن
الأفغاني بالأساس.
ومن ناحية أخرى، لا يعتبر صانعو
القرار الإيراني أن الوجود الأمريكي يمثل
تهديدا حاليا ومباشرا على إيران حيث هناك
مؤشرات قوية عن تعاملات سابقة غلبت فيها
السياسات الأمريكية تحقيق مصالحها بدون
حرب، خاصة أن الوضع الإيراني يختلف تماما
على الوضع العراقي.
ومن ثم فعلى الرغم من المواجهة
التي جرت بين حزب والله وإسرائيل، وقيل
إنها تمثل حربا بالوكالة بين إيران
والولايات المتحدة الأمريكية، فإن
المؤشرات القائمة تشير إلى رغبة كل من
إيران والولايات المتحدة في تجنب
المواجهة العسكرية بسبب أضرارها غير
المحتملة للطرفين. فبالنسبة للولايات
المتحدة، تستطيع إيران كدولة نفطية كبرى
أن تؤثر سلبيا على أسعار النفط العالمية
بشكل يهدد الاقتصاد الدولي بأكمله (وليس
الإقليمي فقط)، ونحن هنا أمام ورقة واحدة
قادرة على إعطاء إيران تأثيرا دوليا لا
يستهان به، وهو ما يكشف عن قدرة إيران على
توظيف الأوراق التي تمتلكها بمهارة
وبقدرة عالية على المناورة في مواجهة
السياسيات الأمريكية المبتغية حصارَ
إيران وعزلها عن محيطها الإقليمي.
اقرأ في هذا الملف:
|