 |
|
عودة القتال العنيف بين قوات الناتو وقوات طالبان تثبت فشل الحرب على أفغانستان |
من كان يريد تفسيرا لانتعاش
المقاومة المشاهد هذه الأيام ضد قوات
الاحتلال الأجنبية في أفغانستان فعليه
بالرجوع لتقرير أذاعته الـ بي بي سي
لمراسلها في كابول "بول فيكرز" في
منتصف تموز (يوليو) الماضي. وبحسب المراسل
فإنه دعي لحضور حفلة راقصة في السفارة
الأمريكية في كابول ـ والتي شبهها في وصف
له دلالاته العميقة بإحدى القلاع
الصليبية المحصنة في فلسطين التاريخية ـ
شهدتها النخبة الغربية من الدبلوماسيين
وكبار الضباط والصحافيين وعمال الإغاثة
والمنظمات الدولية في العاصمة.
وفي ذلك الحفل الذي أقيم في عاصمة
الطالبان السابقة، قدمت الخمور بكرم
حاتمي وكانت السيدات والآنسات يلبسن أحدث
صرخات الموضة الغربية. وبحسب المراسل فإن
هذا الحشد من موظفي الراج (الاسم الذي كان
يطلق على الاستعمار البريطاني في الهند)
الجديد يعيشون في تلك المدينة التي يسميها
المتفائلون فقط عاصمة أفغانستان، في عالم
وهمي صنعوه لأنفسهم لا علاقة له بواقع
الفقر والحرمان المحيط بهم، ولا بثقافة
ومعتقدات وتقاليد أهل البلاد.
ومن ضمن هذا العالم يوجد مطعم فرنسي باسم
لاتموسفير (الجو) تقصده النخبة حيث تتمتع
في حدائقه الواسعة بأكل أشهى الأطباق
الفرنسية مع البيرة المثلجة أو البراندي،
ويطلق على الشارع الذي يقع خارجة طريق
الخطف لكثرة من تعرض للاختطاف فيه من
الأجانب. وبحسب فيكرز فإن رجل الأمن الذي
يقف حارسا خارج المطعم قال له يوما: هل
تعتقد أنه لو جاء الطالبان إلى هنا فإنني
سأقاتلهم؟ وأجاب: كلا، سأخلع زيي العسكري
وأنضم إليهم!.
أفغانستان وقصة فشل
أمريكية
أفغانستان كانت تعتبر حتى وقت
قريب قصة النجاح الأبرز فيما أسمته
الإدارة الأمريكية الحرب على الإرهاب،
فقد لقيت الإدارة دعما دوليا واسعا حين
هاجمت البلاد التي آوت أسامة بن لادن
وصحبه، ونجحت في إسقاط حكومة الطالبان
وتنصيب حكومة وطنية تقول إنها منتخبة
ديمقراطيا، وقامت بعد ذلك بتسليم مسئولية
الاحتلال فيها إلى قوات من حلف الأطلسي من
بينها قوات من تركيا. واعتبرت الولايات
المتحدة أنها دمرت معسكرات القاعدة هناك
وحرمتها من ملاذها الآمن. وبخلاف العراق
الذي أصبح معقل القاعدة الجديد وخسرت فيه
أمريكا عددا من الجنود يوشك أن يتجاوز
ضحايا الحادي عشر من سبتمبر 2001، فإن خسائر
أمريكا في أفغانستان كانت قليلة نسبيا.
ولكن الساحة الأفغانية تحولت في الأشهر
الأخيرة إلى ساحة حرب فعلية تكاد تنافس
العراق في حجم العمليات. فبين القوات
البريطانية التي تم نقلها لأفغانستان في
نهاية مايو الماضي 2006، قارب عدد الجنود
القتلى هناك نصف عدد الخسائر في العراق،
أي حوالي الخمسين قتيلا، إضافة إلى عشرات
الجرحى. ويواجه الحلف الأطلسي الذي يقود
العملية هناك محنة حقيقية، حيث دعا أمينه
العام الأسبوع الماضي الدول الأعضاء إلى
إرسال المزيد من الجنود، في حين تتصاعد
الدعوات في بعض هذه الدول، مثل كندا التي
خسرت العديد من جنودها هناك، إلى سحب
الجنود الموجودين أصلا. وبحسب بعض المصادر
فإن السيطرة على إقليم هيلماند وحده قد
يحتاج إلى 40 ألف جندي (العدد الكلي لجنود
الحلف في أفغانستان حوالي 19000).
ولكن القضية ليست قضية جنود هنا أو هناك،
بل في الفكرة من الأساس. فما كشف عنه تقرير
الـ بي بي سي ليس إلا قليلا من كثير من
المشهد الذي كان يصلح للكوميديا لولا
مأساويته، حيث تسعى الدول الغربية لتحويل
أكثر دولة إسلامية محافظة وتقليدية في
العالم إلى بلد غربي الملامح، فيما يبدو
أنه افتقاد مدهش لكل حس بالزمان والمكان
تدخل أسوأ من الاستعمار
القديم
وبحسب مراسل الـ بي بي سي فإن
الأفغان الوحيدين الذين تلتقيهم هذه
النخبة الغربية وبطانتها هم أولئك الذين
يوزعون الشمبانيا والأطعمة في الحفلات
إياها. أما غالبية الأفغان الذين يعانون
الفقر والحرمان فلا يكاد هؤلاء يعرفون
عنهم شيئا.
هذا النوع من التدخل أسوأ من الاستعمار
القديم، لأن الاستعمار القديم كان يهتم
بالاستيلاء على الأرض والموارد بينما يدع
الناس وشأنهم، خاصة فيما يتعلق بدينهم
وثقافتهم.
ولكن الاستعمار الجديد جاء
بأجندة محددة لتغيير البنية السياسية
والثقافية للبلاد، سوى أنه اختار في
أفغانستان أقل البلدان صلاحية لمثل هذا
المشروع. فأفغانستان التي كانت مقبرة
للغزاة في أيام سطوة الاستعمار الغربي في
القرن التاسع عشر، ولم تدحر الإمبراطورية
السوفيتية في أوج قدرتها فقط، بل كانت
الهزيمة الأفغانية هي السبب المباشر في
انهيار تلك الإمبراطورية. ولا شك أن
محاولة تحويل دولة إسلامية من وضع كانت
فيه تعيش تحت نظام مثل نظام الطالبان إلى
نظام مستنسخ من الأنظمة الغربية يكشف عن
جهل تام بالجغرافيا والتاريخ وقواعد
التحول الاجتماعي.
ولعلنا نستعيد هنا تجربة أخرى مشابهة كانت
لها نتائج عكسية، وهي تجربة التغريب
للمجتمع الإيراني التي قادها شاه إيران
السابق تحت رعاية أمريكية، ومع أن الأمر
لم يقم على استعمار مباشر كما هو حال
أفغانستان اليوم، إلا أن ردة فعل المجتمع
الإيراني على ذلك المشروع كانت قوية
وعنيفة، وأحد الأسباب المباشرة للثورة
الإسلامية في إيران. هذا مع العلم بأن
إيران لم تكن قد شهدت سلفا المخاض الثوري
الإسلامي الذي شهدته أفغانستان، كما أنها
بخلاف أفغانستان، كانت قد شهدت عمليات
تحديث واسعة طيلة قرن من الزمان، وكان
والد شاه إيران الذي تولي إنشاء الدولة
الحديثة في العشرينات يقتدي بسنة مصطفى
كمال أتاتورك في علمنة الدولة، وهو ما لم
تشهده أفغانستان حتى في أيام الحكم
الشيوعي.
التدخل في أفغانستان يمثل إذن خطأً
تاريخيا سيدفع الغرب ثمنه غاليا على المدى
القريب والمدى الطويل. فذلك التدخل والغزو
استند على مبررات خاطئة، فلم يكن بين
الخاطفين المفترضين أفغاني واحد ولا
عراقي واحد، كما أن إيواء أفغانستان لبن
لادن وصحبه لم يكن اختيارا، حيث أن بن لادن
وصل إلى المنطقة قبل وصول طالبان للسلطة،
ولكن حكومة بوش اختارت غزو أفغانستان
والعراق لحاجة في نفس المحافظين الجدد،
فوجدت نفسها في مستنقع كانت في غنى عنه
في الذكرى الخامسة.. فشل
الحرب على الإرهاب
 |
|
زيادة جنود الأطلسي هل تعزز الأمن المفقود في أفغانستان؟ |
الآن بعد مرور خمسة أعوام على
أحداث سبتمبر، تذكر الإحصائيات بعمق
مصيبة أمريكا. فقد تصاعد الإنفاق العسكري
بمعدل خمسين مليار دولار سنويا (من 265
مليار في عام 2002 إلى 535 مليار في العام
الماضي)، في حين تشير المصادر أن ما صرف
على الحرب على الإرهاب خلال الأعوام الخمس
الماضية بلغ 437 مليار دولار. الخسائر
البشرية بلغت في العراق وحده أكثر من 2600
جندي قتلوا وأكثر من 62000 أصيبوا بعاهات
جسدية أو نفسية من جراء الحرب. أما القتلى
من العراقيين فليست هناك إحصائية موثوقة
بهم، إذ تضعهم صحيفة الإندبندنت
البريطانية في حدود 62000، بينما تقول
الجارديان إنهم أكثر من 90000، وتقول مصادر
أخرى إن عددهم فاق المائة وثلاثين ألفا.
أما جملة القتلى في أفغانستان من جميع
الأطراف فقدر بحوالي خمسة آلاف، وهناك فوق
ذلك آلاف المعتقلين في المعتقلات السرية
والعلنية، والأزمات الاقتصادية التي
واجهتها المؤسسات والأفراد والدول، وما
واجهته بعض المجموعات من تمييز واضطهاد.
وقد انعكس ذلك على الحظوظ السياسية لكبار
أعمدة هذه الحرب مثل رئيس الوزراء
الإيطالي سيلفيو بيرليسكوني ونظيره
الإسباني خوزيه ماريا أثنار، حيث فقد
كلاهما منصبه، بينما تدنت شعبية كل من
جورج بوش وحليفه توني بلير إلى أدنى
مستوياتها.
القاص الأمريكي المشهور غور فيدال انتقد
فكرة الحرب على الإرهاب من أساسها، قائلا
إن المصطلح أشبه بالحديث عن الحرب على
قشرة الرأس، لا معنى له ولا نهاية منظورة.
وكان من المنتظر أن تصبح الذكرى الخامسة
لتلك الأحداث المؤسفة مناسبة لوقفة تأمل
وإعادة النظر في التفكير والمنهج الذي جعل
تلك المأساة بداية لمآس أخرى لا نهاية
تلوح في الأفق لها بدلا من أن تكون بداية
لمرحلة جديدة من النظر في لب المشكلة
والبحث عن حلول لها.
وبالعكس، يتم التداوي بالتي كانت
هي الداء على سنة أبي نواس غفر الله لنا
وله، فأصل المشكلة نتج عن التدخل الأمريكي
المباشر في شئون الدول الإسلامية، وهو أمر
لا يعالج بمزيد من التدخل السافر في
عدوانيته وتبجحه.
هناك ما يشبه الإجماع بين المعلقين على أن
الولايات المتحدة بقيادة جورج بوش الابن
قد فشلت في حربها على الإرهاب، وفشلت في
اعتقال بن لادن وكبار معاونيه، وفقدت
تعاطف العالم وخسرت سمعتها وأدخلت نفسها
والعالم في صراعات تبدو بلا نهاية.
ولكن معظم هذه التحليلات تبدأ
بالقول بأن أمريكا كانت محقة في غزوها
لأفغانستان، ولكنها أخطأت في غزو العراق،
والحقيقة أن غزو أفغانستان كان أيضا خطأً
كبيرا، وعدم إدراك هذا الأمر من الولايات
المتحدة ومنتقديها على السواء يشير إلى
عمق المشكلة.
|