 |
|
طفل أفغاني أصيب جراء
القصف الجوي لقوات التحالف أسفر عن
مقتل 17 مدنيا وعشرات من طالبان 22 مايو
2006 |
بعد أربع سنوات ونصف من سقوط حركة
طالبان، لا تزال تشكل عمليات هذه الحركة
تهديدًا قويًّا للقوات الأجنبية والحكومة
الأفغانية في أفغانستان، فمنذ ربيع عام 2005
تتزايد هذه العمليات وتتجدد أساليبها،
الأمر الذي ينبئ عن تمكن المقاتلين من
تلقي الدعم اللوجستي والعسكري المخترق
للتدابير الأمنية المحلية والإقليمية.
وفي هذا الإطار تزداد التخوفات في الأوساط
الأمريكية والأوروبية من تصعيد العمليات
العسكرية في أفغانستان، في ظل رغبة
أمريكية لتقليص عدد قواتها؛ لتحل محلها
قوات الحلف الأطلسي.
الحركة المسلحة تنظم صفوفها من
جديد
تمكنت الحركة المسلحة المعارضة
للقوات الأجنبية في أفغانستان أن تقوي
وتنظم صفوفها، وتوسع دائرتها في الميدان
من المناطق الجنوبية والشرقية، إلى
الشمال أيضًا والذي كان آمنًا إلى حد كبير
خلال السنوات الماضية. وعلى المستوى
الإقليمي تتواصل مع المقاومة العراقية
التي بدورها تسعى إلى توسيع دائرة
المقاومة المسلحة على القوات الأجنبية
بالمنطقة، كما أنها تقوم بنقل التجارب
والتكتيكات الحربية من الساحة العراقية
إلى ساحات القتال في أفغانستان. وقد نقلت
وكالات الأنباء عن حاكم ولاية نيمروز
الأفغانية الجنوبية المحاذية للحدود مع
باكستان، أن عددًا كبيرًا من مقاتلي تنظيم
القاعدة القادمين من العراق بينهم "انتحاريون"
يحاولون التسلل لبلاده لتنفيذ أوامر بشن
هجمات فيها، وجاء ذلك بعد استجواب شرطة
نيمروز عراقيًّا، اعتقل لدى محاولته
التسلل عبر الحدود الأفغانية - الإيرانية
في مطلع شهر مارس من العام الحالي 2006، كما
أن المساعي تتناسق لأجل تأمين مصادر
التمويل بصورة مستمرة عن طريق الأراضي
الباكستانية، وقد طالب المتحدث باسم
وزارة الخارجية الأفغانية باكستان بمزيد
من العمل لأجل قطع الإمدادات التي تتم عبر
الأراضي الباكستانية للمقاتلين، كما أن
تصريحات المهندس حكمتيار يوم 4 مايو 2006
التي بثتها قناة الجزيرة عن شريط مسجل،
باستعداده للحرب تحت لواء القاعدة يمكن أن
تفسر في هذا الإطار، لتنضم الحركة
الأفغانية المسلحة إلى الحركة القتالية
التي يتولى أسامة بن لادن قيادتها.
والجدير بالذكر أن التقارير
الغربية تؤكد وصول أسلحة جديدة إلى
المقاتلين في أفغانستان منها قنابل يتم
التحكم فيها عن بُعد، وصواريخ أرض أرض،
كما يوجد تخوفات في أوساط الجيش الأمريكي
من حصول طالبان على صواريخ ستينغر المضادة
للطائرات، الأمر الذي يشكل تهديدًا
خطيرًا لكل من القوات العسكرية والطائرات
المدنية على حد قول المتحدث باسم الجيش
الأمريكي العقيد جيمس يونتس من كابل.
عوامل تزايد العمليات العسكرية
 |
|
آثار انفجار سيارة مفخخة
في كابل بالقرب من موقع تدريب القوات
الأفغانية |
في هذا السياق ثمة عدة عوامل
مجتمعة ساهمت في انتعاش المقاومة المسلحة،
منها:
أولاً: يُعَدّ وجود القوات
الأجنبية في أفغانستان، وتبرير الحكومة
الأفغانية لهذا الوجود هو السبب الأساس
لتزايد المقاومة المسلحة ضد الطرفين، كما
أن سلوك القوات الأجنبية يثير غضب الأفغان
عمومًا، ولم يستطع الرئيس حامد كرزاي ذاته
الصبر على هذه السلوكيات، فقد طالب بتسليم
السجناء الأفغان لدى الأمريكيين إلى
السلطات الأفغانية بعدما انكشفت العمليات
التعذيبية ضد السجناء بيد القوات
الأمريكية على الأراضي الأفغانية نفسها،
كما ندّد كرزاي بحادثة حرق جثث من مقاتلي
طالبان بعد موتهم في العام الماضي، كما
تثير عمليات التفتيش الواسعة التي تقوم
بها القوات الأمريكية وقوات حفظ السلام
الدولية للمنازل ودخولهم إليها بصورة
مفاجئة وهتك حرمات البيوت حفيظة الأفغان
وغيظهم ضد القوات الأجنبية. ومن ذلك الصور
المعروضة على موقع "بي بي سي" لحملات
الاعتقال التي قام بها جنود كنديون في
ضواحي قندهار في مطلع مايو الجاري.
ثانيًا: تسهم الضربات الموجعة
التي يتلقاها الأمريكيون بالعراق إلى رفع
معنويات المعارضة الأفغانية المسلحة التي
تعتبر أن الحل العسكري هو الطريقة الوحيدة
للضغط على القوات الأجنبية وإجبارها على
الرحيل، وأن استعمال السلاح وحده هو الحل
لأجل الاعتراف بهم كقوة شرعية على الساحة
الأفغانية تقاتل لأجل أهداف مقبولة، وقد
طالب أحد مسئولي طالبان السابقين في شهر
إبريل 2006 الولايات المتحدة بالحوار
الحقيقي مع مقاتلي طالبان وباقي الحركات
المسلحة لوقف إراقة الدماء، وهي الدعوة
التي رفضها المسئولون في الولايات
المتحدة والحكومة الأفغانية، وردوا عليها
بأن العمل العسكري هو الخيار الوحيد لوضع
حد للعمليات العسكرية وتقديم المسئولين
عنها للمحاكمة.
ثالثًا: يقوم المرتزقة
المستفيدون من استمرار الحرب بدور مساعد
لأجل مدّ الحرب لأطول فترة ممكنة. وتشير
بعض التقارير إلى أن ثمة تعاون بين مهربي
المخدرات وحركة طالبان، خاصة بعد أن تعهدت
الحكومة الأفغانية تجاه المجتمع الدولي
بمحاربة المخدرات. ومعروف أن مناطق زراعة
الحشيش هي مناطق نفوذ طالبان، كما أن تجار
الأطفال والأعضاء البشرية هم الآخرون
مرتزقة يستفيدون من تردي الوضع الأمني.
رابعًا: إن حركة تعمير أفغانستان
لا تتقدم بصورة يعقد الأفغان فيها أملاً،
فمؤشرات الفساد في إدارات الدولة
والمؤسسات العاملة في مجال إعادة التعمير
مرتفعة جدًّا، والحديث عن فساد الإدارات
الحكومية حديث الصحافة والشارع، وحتى بعض
الوزراء في حكومة كرزاي الجديدة أدرجوا
محاربة الفساد في جدول أولوياتهم لكسب
الثقة من مجلس الشعب، ولا تظهر مؤشرات
للتنمية في البلد رغم وعود المجتمع الدولي
بذلك.
خامسًا: إن حركة المصالحة
الوطنية المتمثلة في لجنة المصالحة التي
شكلها الرئيس كرزاي قبل عامين تقريبًا
بقيادة صبغة الله مجددي لم تتقدم هي
الأخرى بخطى واضحة، وتواجه إشكالات في
عملها، ولا ينبع خطابها عن مقتضيات
وضرورات وطنية، إنما هو خطاب إقصائي يعتمد
على سياسة فرض الأمر الواقع. ويتدخل
الأمريكيون في سير عمل اللجنة وتحديد من
يمكن التصالح معهم، حيث إن بعضًا منهم
مطلوب أمريكيًّا ولا يندرج تحت لائحة
العفو مثل المهندس حكمتيار والملا محمد
عمر.
تعامل خاطئ مع التصعيد العسكري
ولسوء الطالع تتصدى الحكومة
الأفغانية لهذه الأعمال العسكرية المضادة
بإشعال حرب نفسية بالقول إنها أعمال
معادية للشعب الأفغاني، فقد قال حامد
كرزاي بعد ساعات من الهجوم الذي وقع على
موظفي اليونسيف في مدينة هرات يوم 13 مايو
2006 إن هذه الأعمال لا يمكن أن يقوم بها
الأفغان، وهي من صنيع من لا يريدون تقدم
الشعب وتقديم الخدمات له داخل الحدود، في
إشارة واضحة إلى الحكومة الباكستانية.
وتوعز الحكومة الأفغانية سبب
تزايد العمليات العسكرية إلى انشغال
التحالف الدولي في العراق وعدم تقديمه
الدعم اللازم للقوات الأمنية الأفغانية،
بينما قوات طالبان تتحصل على الدعم
اللوجستي والعسكري بصورة متجددة. وهذا ما
صرّح به السفير الأفغاني في الولايات
المتحدة "سيد طيب جواد" وكذا القائد
الأعلى للقوات الأمريكية في أفغانستان
"كارل آبكنيري" الذي أرجع ذلك إلى عجز
القوات الأمنية الأفغانية.
بينما توعز بعض الفئات الأفغانية
ممن يحسبون على المجاهدين بأن إبعاد
قيادات التحالف الشمالي السابق من
الحقائب التنفيذية الحساسة وإضعاف دورهم
في التصدي لخطر طالبان هو السبب في تراجع
الوضع الأمني في البلاد، ويحسبون أن
القوات العسكرية الأفغانية لا تمتلك
المعنويات والدوافع القتالية الكافية
للحرب ضد طالبان الذي يقاتلون بشراسة -ذلك
بشهادة الأمريكيين أنفسهم- مقابل الجنود
الذين همهم استلام مستحقاتهم المالية،
وترى هذه المجموعة أن الذين قاتلوا طالبان
قبل الحادي عشر من سبتمبر سنوات طويلة هم
الأقدر على التصدي لهم ويمتلكون القناعة
على ضرورة خوض واستمرار المعركة المصيرية
ضدهم.
وفي تطور خطير على الساحة
العسكرية الأفغانية قامت الحكومة
الأفغانية في بعض الولايات بتسليح
المليشيات القومية لحفظ الأمن والتصدي
لحملات طالبان، مع أن الحكومة الأفغانية
ما زالت تعاني من وجود السلاح خارج إطار
وحدات الجيش، ويعتبر ذلك مهددًا للأمن
والاستقرار وسيطرة النظام والقانون. وهذا
التصرف يشبه ما قامت به الحكومة الشيوعية
السابقة المدعومة من الاتحاد السوفييتي -قبل
سقوطها- عندما أرادت الخروج من أفغانستان؛
إذ قامت في ذلك الوقت بتسليح مليشيات
الأوزبك والهزارة للدفاع عن الحكومة
والتصدي لحملات المجاهدين، الأمر الذي
ترك بصماته السلبية على وحدة البلاد
وأمنها واستقرارها.
أما الأمريكيون وقوات التحالف،
فقد توقعوا تزايد العنف في أفغانستان بعد
إبداء رغبة الولايات المتحدة في تقليص
جزئي لعدد جنودها في أفغانستان، وهذا ما
جاء على لسان ريتشارد باوتشر مساعد وزيرة
الخارجية الأمريكية لشئون وسط وجنوب آسيا
للصحفيين، رغم نفي باوتشر والسفير
الأمريكي لدى أفغانستان رونالد نيومان أي
تكهن بانسحاب واشنطن من أفغانستان.
وفي نفس الإطار أظهر القادة
الأوروبيون تخوفهم من تزايد عمليات
طالبان العسكرية وتجدد أساليب قتالها،
حيث أوضح رئيس الوزراء البريطاني "بلير"
أن عناصر طالبان إذا عادوا إلى أي جزء من
البلاد فإن آثار ذلك ستكون في شوارع
بريطانيا وهولندا وفرنسا وألمانيا أو أي
مكان آخر.
لذا لم يجد الساسة الغربيون
بدًّا من العزم على زيادة أعداد القوات
العسكرية في أفغانستان لدى زيارتهم
لأفغانستان خلال الشهرين الأخيرين، ووافق
الحلف الأطلسي أن يتوسع انتشاره في
المناطق الجنوبية والغربية ويرفع عدد
قواته إلى 21 ألف جندي، وأعلن القائد
الأعلى لقوات الحلف الأطلسي الجنرال
الأمريكي جيمس جونز أنه من الممكن تسلم
حلف شمال الأطلسي قيادة جميع قوات التحالف
في أفغانستان بحلول شهر أغسطس القادم؛
لتصبح القوات الأمريكية في المناطق
الشرقية تحت قيادة قوات الحلف في المرحلة
الأخيرة من توسعة مهمة الحلف الذي يضم 26
دولة ليتولى المسئولية في شتى أنحاء
البلاد، وبهذا سيبلغ حجم القوات الأجنبية
في أفغانستان أعلى معدل له منذ الإطاحة
بنظام طالبان، فيما ستصبح أصعب مهمة برية
للحلف الأطلسي في تاريخه الممتد 58 عامًا،
وستسمح هذه العملية للولايات المتحدة
بسحب نحو 3500 من جنودها لخفض عدد قواتها في
أفغانستان، والبالغ نحو 19 ألف جندي.
تقول كل المؤشرات: إن العمليات
العسكرية ضد القوات الأجنبية ستتزايد
بشكل كبير، وكأن تهديد زعيم حركة طالبان
الأفغانية الملا محمد عمر مطلع عام 2006 بشن
هجمات شرسة ضد قوات التحالف بقيادة
الولايات المتحدة كان نابعًا عن خطة
مدروسة، حيث هدّد قائلاً: "إنهم
سيواجهون عنفًا غير متوقع قريبًا.. مع حلول
الطقس الدافئ سنجعل الأرض ملتهبة تحت
أقدام المحتلين بشكل لن يتخيلوه".
وبالمقابل سوف تنتشر قوات الحلف
الأطلسي في جنوب وغرب أفغانستان وتتصدى
لهذه العمليات، ويتوقع استمرار حرب
استنزاف طويلة المدى على الأراضي
الأفغانية قد تكون لصالح من ينتظر
التغيرات الإقليمية والدولية للوصول إلى
أهدافه.
ولكن بالتأكيد ليس لمصلحة
الأفغان استمرار الحرب، حيث إن أجسادهم
والبنية التحتية للبلد -إن بقيت هناك بنية-
هي وقود هذه الحرب، كما أنه ليس لمصلحة
الأفغان أن يتبنوا خطابًا أو مصلحة أو
تصنيفًا للناس وفق رؤية دولة أجنبية سواء
أكانت الدولة بالجوار أو وراء البحار، ثم
يلبس عليه عباءة العدالة والحرية ومصلحة
الوطن.
وواضح أن الأفغان بحاجة إلى حوار
وطني داخلي جاد، يرتكز إلى المشتركات في
المصلحة الوطنية، والاعتراف بالحقائق
والبُعد عن تزييفها وصرف الأنظار عن
المشكلات الواقعية الداخلية ورميها في
سلّة ما يسمى بالتدخلات الأجنبية، وإتاحة
المشاركة السياسية لكل الأفغان.
وبشهادة التاريخ يستبعد استئصال
حركة تتبنى إخراج القوات الأجنبية من
أراضيها شعارًا لها بقوة السلاح مهما
أوتيت القوات الأجنبية من وسائل القمع،
ولا يزيد ذلك المقاومة المسلحة إلا
تعاطفًا وسط أفراد الشعب بعد أن فشل
الأمريكيون في حكمهم للبلاد.
|