 |
|
جانب من تظاهرة بفرنسا تطالب بوقف العنف نوفمبر 2005 |
تواجه فرنسا معضلة مع سكانها المسلمين، ولكنها ليست المعضلة المفترضة بشكل عام. أحداث أكتوبر ونوفمبر من العام الماضي 2005، والمصحوبة بموجة من الاعتقالات التي طالت جهاديين مشتبها بهم، نقلت مسألة الإسلام إلى واجهة الاهتمامات الفرنسية، وأعطت حياة جديدة لقلق من خطر عالم إسلامي معبأ من قبل الإسلام السياسي. ورغم ذلك، فإن العكس هو الصحيح: من المفارقات أن إنهاك الإسلام السياسي وليس مزيدا من راديكاليته هو الذي يُفسر الكثير حول أسباب العنف، وإن ابتعاد الشباب المسلم عن السياسة، وليس عودتهم المزعومة إلى نمط جديد من الطائفية هو الذي يجب أن يكون السبب وراء القلق.
إن المفتاح لتقليل أخطار الشغب والجهادية المتطرفة يكمن في كبح جماح أشكال من العنف الذي تمارسه الدولة ضد الضواحي العمالية التي تقطنها أغلبية مسلمة، والعمل على إشراك سكانها المسلمين في العملية السياسية.
فراغ سياسي خطير
حتى الآن، فشلت الجهود التي بذلت لتنظيم هؤلاء السكان فشلا تاما. لقد كان ذلك هو الحال، في الآونة الأخيرة، في محاولات الفعالية الإسلامية الرئيسية "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" (VOIF) لاستخدام الدين كقوة دافعة. وبعد أن تخلت عن إستراتيجيتها في لعب دور المعارضة السياسية قامت هذه الحركة بتطبيق إستراتيجية العميل التي حاولت من خلالها الحصول على اعتراف الدولة بها. وقد كانت نتيجة ذلك استعداء القاعدة الاجتماعية التي يعتمد عليها هذا التنظيم، وبالأخص عنصر الشباب فيها، والذين شعروا بأنهم لم يعودوا مُمثلين بشكل كاف من قبل قادة، أصبحوا في نظرهم متواطئين مع الحكومة.
نفس المصير حل بالحركات المختلفة التي قام بها الشباب المسلم في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، كوكلاء يشكلون التنظيم الاجتماعي في الضواحي الإسلامية. ولما كانت السلطات تشك بأنهم يرتبطون بروابط وثيقة جدا مع الناشطين المسلمين في الشمال الإفريقي، ولما كان الشباب الصاعد في تلك الضواحي ينظر إليهم كفرقاء بعيدين عن همومهم اليومية، فقد فقدت تلك التنظيمات قوة زخمها.
لقد جاء إنهاك الإسلامي السياسي متزامنا مع نمو السلفية، وهي حركة تدعو إلى إحياء سيرة السلف الصالح في مطلع الإسلام، والتي تدعو إلى التمسك الدقيق بالقرآن، والسلوك الفردي الأخلاقي، كما تدعو إلى الانسلاخ عن المجتمعات الغربية. ومع تراجع أثر الإسلام السياسي، وإصابة الحركات الشبابية بالإنهاك، فقد توسعت السلفية لتسد الفراغ، وكان نجاحها إيذانا بنمو القلق الفردي، والتوجه إلى الابتعاد عن المجتمع الفرنسي، والخروج من دائرة السياسة، بدلا من مشروع تنظيم المجموعة الإسلامية كمجموعة تقف في مواجهة المجتمع الفرنسي الأوسع.
وحيث إنه لا الإسلام السياسي، ولا منظمات الشبيبة المسلمة، كانتا قادرتين على تنظيم أو تعبئة دوائرهما، وبالنظر إلى نمو وتزايد القوة الدينية الصاعدة، والتي لم يكن للسلفية أية مصلحة في تنظيمها، فقد نشأ فراغ سياسي خطير، وبالأخص في صفوف الشباب، وهم الطبقة العاطلة والمسحوقة في الضواحي. ونتيجة لذلك، أصبح التعبير عن المطالب السياسية في يد الجهادية السلفية، وأصبح الشغب الذي تؤججه البطالة والأحوال المعيشية الهشة، والتمييز الاجتماعي، ومؤخرا ما اعتبر قدحا في الإسلام.
السبب ليس دينيا
إن مسألة الجهادية هي، بشكل واضح، مسألة سياسية ومتعددة القوميات في آن معا. وبينما كانت الهجمات الإرهابية في فرنسا في الماضي مرتبطة بجماعات إسلامية ذات قوميات أجنبية، والتي طافت صراعاتها على الأرض الفرنسية، فإن هذه الحالة لم تعد قائمة منذ النصف الثاني من عقد التسعينيات المنصرم. ففي يومنا هذا، الغالبية الساحقة من أعمال العنف هي ليست مستوردة؛ وبدلا من ذلك، فإن الذين يقومون بها هم مواطنون فرنسيون، باسم دعوة إسلامية مناهضة للإمبريالية، وتغذيها قضيتا فلسطين والعراق على الساحة الدولية، وكذلك التمييز الاجتماعي في فرنسا. إن طبيعة الصراع قد تغيرت؛ إن أهدافها ليست الوصول إلى السلطة السياسية، كما أنها لا تهدف إلى إقامة دولة إسلامية في بلد معين، بل خوض صراع عريض بين المجموعة الإسلامية العالمية (الأمة)، وبين أعدائها. القضية بالنسبة للجهاديين لا تكمن في الانفلات الأخلاقي الغربي ولكن، في الإمبريالية الغربية.
وبعد، وفي غياب هياكل تنظيمية فعالة، فقد أصبحت المطالب السياسية تتم بشكل ثورة شعبية أكثر منها عملا جهاديا. إن الاضطرابات التي وقعت في أكتوبر ونوفمبر 2005، لم تكن بفعل أية قوى دينية، وأثبتت بأن الإسلاميين لا يسيطرون على تلك الضواحي ومع أنه كانت لهم مصلحة في إعادة الهدوء، وبالتالي إثبات سلطتهم، وعلى الرغم من المحاولات المتعددة التي بذلوها لوقف العنف، فقد فشلوا في ذلك إلى حد كبير. لم يكن هنالك "ملتحون" وراء الاضطرابات، ولم يكن هنالك "إخوة كبار" لوضع حد لها. أما بالنسبة للمؤسسات الإسلامية في فرنسا، فقد أثبتوا بدورهم قِصَر باعهم في السيطرة على الأحداث، أو التأثير على القائمين بها.
وبتحييد منظمات الشباب المسلم، والإسلام السياسي، وبفشل الأحزاب السياسية العلمانية في إشراك المواطنين المسلمين بشكل مناسب، فقد برز توجه متزايد للجوء إلى العنف، سواء كان ذلك في شكل شغب، أو من طراز العمل الجهادي. ولا شك أن العنف الإسلامي يعكس الجاذبية المتصاعدة لنظرة عالمية راديكالية تستلهم القاعدة وتستوجب اتخاذ إجراءات أمنية مقابلة. ولكن مثل هذا العنف الذي تجسده انتفاضات الضواحي الأقل حظا هو فوق كل شيء، نتيجة أزمة في التمثيل السياسي، وفي ضوء ذلك يتطلب بالإضافة إلى الإجراءات الأمنية، والإجراءات الاجتماعية - الاقتصادية - استجابة سياسية.
لقد جاءت أحداث 2005 تذكيرا على أن النمط الفرنسي في الاندماج، والذي سرعان ما أشيد به في أعقاب الهجمات الإرهابية في لندن في يوليو 2005 -على أنه بديل مفضل للطائفية الأنجلو سكسونية المتعددة الثقافات- هو كذلك في حاجة إلى إعادة نظر. ولكن، وبينما التوجه العام هو تعريف المشكلة بأنها صدام بين النظام المتمحور حول الطوائف المستقلة والذي يفترض أنه يهيمن على المسلمين من جهة، والتأكيد على الفردية التي يُزعَمُ أنها تحكم الجمهورية الفرنسية من جهة أخرى، فإن الحقيقة هي عكس ذلك تماما. إن مسلمي فرنسا هم في الحقيقة أكثر فردية بمراحل مما هو متوقع؛ وعلى النقيض من ذلك، فإن النموذج الجمهوري الفرنسي هو أكثر جهوية طائفية مما هو مُدّعى، وهذا المعلم يتجسد من خلال "الجتوات" الاجتماعية القائمة في البلاد، وكذلك استخدامات الدولة المتكررة للنخب الدينية. أن يكون مثل هذا التمحور الطائفي، غير منسجم مع العقيدة الجمهورية بتفسيرها اللفظي، هو ليس المشكلة التي نتحدث عنها. وإنما تتمثل المشكلة في كونها غير ملائمة إطلاقا مع إدارة شعب تهيمن فيه الفردية، والذي تكون فيه المطالب من الدولة عالية، وكثيرا ما يتم تجاهلها.
إن استجابة سياسية تركز على بناء الدين، وتتطلع إلى التعاطي مع ممثلين مسلمين معتدلين يمكن السيطرة عليهم، سوف يكون تأثيرها ضئيلا. إن إعطاء الشباب المسلم إسلاما مدجنا، متأقلما، متعاونا، لن يحول دون الإغراء الذي تمثله الراديكالية، كما لن يحول دون اللجوء إلى الاضطرابات الدينية الجماهيرية.
توجه أكثر نجاحا هو ذلك الذي يركز على الشئون السياسية التي تكمن في قلب الأزمة، والتركيز على الحد من الممارسات القمعية التي تتم في الضواحي الأقل حظا، ومن ثم العمل على دعم أشكال جديدة من التمثيل السياسي للشباب المسلم تتمتع بالمصداقية، بما في ذلك عن طريق الأحزاب السياسية العلمانية القائمة. وبالنسبة للغرب بشكل عام، يجب أن تبذل الجهود لمعالجة الأحداث الدرامية التي تساعد على تعبئة المسلمين الأوربيين وراديكاليتهم -فلسطين والعراق بوجه خاص- واللتين تشكلان السبب الرئيسي الذي تطرحه الحركات المسلحة دافعا لسخطهم وعملياتهم، سواء كان ذلك هو الدافع الحقيقي أم لا.
توصيات
** إلى الحكومة الفرنسية
1. تخفيض الوجود القمعي للدولة في المناطق الأقل حظا، عن طريق:
(أ) التركيز على تدريب الشرطة، بما في ذلك إنزال عقوبات صارمة بحق من يسيئون استخدام السلطة، وبالأخص أولئك الذين يفعلون ذلك بدوافع عنصرية.
(ب) إعادة إقامة أنماط غير مستبدة من التورط بين سلطات الدولة وبين السكان، وعلى سبيل المثال، إعادة إحياء وتنشيط بوليس الضواحي والنشاطات الاجتماعية.
2. التقليل من التمييز الاجتماعي، وبالأخص عن طريق:
(أ) إعادة النظر في سياسة توزيع الإسكان العام، عن طريق تشجيع الاختلاف العرقي.
(ب) التنفيذ الصارم لقانون "التضامن وتجديد الأحياء المدنية"، والذي يهدف إلى ضمان توزيع أكثر عدالة للسكن العام بين البلديات المختلفة.
(ج) شن حملات قوية ومستدامة ضد التمييز العنصري والإثني.
3. إصلاح أشكال التمثيل السياسي للسكان المسلمين وبالأخص:
(أ) التخلي عن فكرة أن "مأسسة" الإسلام كدين، من شأنه إحباط التوجه نحو الجهادية.
(ب) تحديد واضح لمهام "المجلس الفرنسي للطائفة المسلمة"، ككيان مهمته إدارة شئون الدين والإيمان، وليس بتمثيل المسلمين القاطنين في فرنسا.
(ج) الحد من السياسات القائمة على العمالة والأشكال الطائفية، على جميع مستويات الدولة.
(د) إعطاء الأولوية، في الحوار مع الشباب المسلم، على المستويين المحلي والإقليمي، لأولئك الذين وُلدوا في فرنسا.
(هـ) انتهاج سياسة إيجابية في التعامل مع تلك الحركات السياسية التي قد تنشأ من رحم أحداث الشغب التي وقعت في تشرين أول – تشرين الثاني.
4. إعادة تنشيط الاتحادات وبالأخص:
(أ) إعادة النظر في التخفيضات الحادة التي أثرت على التمويل العام للاتحادات منذ عام 2002، وألا تهمل تلك الاتحادات التي لها أهداف سياسية واضحة.
(ب) وضع توجه بعيد المدى لتمويل.
(ج) إشراف أفضل ورقابة حول كيفية استخدامات تلك الأموال.
** إلى القوى السياسية الوطنية:
5. تقوية وجودهم في أحياء الضواحي الأقل حظا بواسطة:
(أ) الاستجابة إلى مطالب الشباب المسلم للمشاركة في السياسة، من منظور أن ذلك سبيل ممكن لتنمية شكل خاص من أشكال النشاط العلماني. مثل حزب الخضر جدير بأن يقلد في هذا الميدان.
(ب) تعبئة الاتحادات العمالية في الصراع ضد التمييز، وبالأخص في ميدان الإسكان والعمل.
** إلى الناشطين بين مجموعات المهاجرين والضواحي الأقل حظا:
6. زيادة الفرص أمام الشباب المسلم لأن يكون أكثر نشاطا وتعبئة، من خلال الأحزاب السياسية والاتحادات المحلية، كوسيلة لمنافسة التوجهات السلفية والجهادية. وهذا يتطلب:
(أ) أن يفتح اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا أبوابه واسعة أمام المسلمين الذين يولدون في فرنسا، وأن يعطيهم الفرص للمراكز القيادية، وأن يُطوّر حوارا يكون منصبا بشكل أوثق على الأوضاع القائمة في الضواحي والأحياء الأقل حظا.
(ب) الاتحادات التي خَلَفَتْ حركات تعبئة الشباب المسلم في السابق يجب أن تعيد انغماسها في النشاطات الاجتماعية، وأن تنهمك في قضاء الضواحي المدنية، وأن تعزز الشراكة مع من ينشطون دون الرجوع إلى الإسلام.
|