بريدك الالكتروني


English

 

13:45 مكة - الخميس 20 رمضان 1427 هـ - 12/10/2006 م

شئون آسيوية » آسيا » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 

 

اختبار بيونج يانج النووي.. هزات سياسية أعنف

محمد عبد الحليم **

الرئيس الأمريكي بوش والرئيس الكوري الجنوبي رومو هيان كيف يواجهان التحدي الكوري الشمالي؟

مع اهتزاز الأرض لانفجار أول تجربة نووية لكوريا الشمالية، أخذت تتسع دوائر الهزات الارتدادية السياسية إقليميا وعالميا بدءا من التوءم كوريا الجنوبية مرورا بالجيران كالصين واليابان وروسيا خاصة، حتى وصلت للطرف الآخر من المعمورة هناك في أمريكا لتخلق واقعا جيوسياسيا جديدا له أبعاد تختلف كثيرا أو قليلا عما كانت قبل.

فقد أفرز الاختبار النووي بدوره معطيات مختلفة للوضع النووي العالمي، أبرزها أن عضوا جديدا حل على النادي النووي رضيت بذلك القوى النووية أم لم ترض، لكن أخطر ما في هذا الاختبار أنه قد يشعل سباقا للتسلح النووي في منطقة بالغة الحساسية من العالم، فضلا عما يرتبه من التداعيات المحلية لكل الدول المعنية بالأزمة النووية الكورية الشمالية وهي اليابان والصين وروسيا وأمريكا وكوريا الجنوبية.

وبعد أربع سنوات من الصخب والتقدم التدريجي، وصلت كوريا الشمالية في خاتمة المطاف إلى خط النهاية النووي، ملتزمة في كل محطات المشوار بأسلوب الإعلان المقتضب أولا وهي طريقة مكنت بيونج يانج من قياس عزم من يريدون إيقافها، وقبض أو بالأحرى انتزاع ثمن مجرد جلوسها إلى طاولة المفاوضات في شكل مكافآت اقتصادية، فضلا عن كونه أسلوبا مناسبا للغاية لتكييف العالم مع فكرة أنها إما تحولت بالفعل أو أنها ستتحول إلى عضو في النادي النووي، ثم التنفيذ ثانيا دون النظر لأية عواقب.

ففي البداية أعلنت عن الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ثم انسحبت، وبعدها أعلنت عزمها إعادة معالجة البلوتونيوم المتوفر لديها وقد كان، لتعلن بعده عن امتلاكها لـ "قوة ردع"، وأخيرا أعلنت نيتها إجراء تجربة نووية، وبعده تم تفجير نووي محدود، وإن هون بعض الخبراء من قوته، ففي كل مرة أثبت "كيم يونج إيل" أنه رجل يلتزم بكلمته!.

اختبار نووي محدود

وقع المحظور وتمت التجربة وأسقط في يد الجميع وأمريكا على وجه الخصوص، وبعد موجة من الإدانات الدولية، لم يجد أحد جوابا للسؤال العويص الذي فرضه الواقع الجديد: ماذا نحن فاعلون؟ سوى الحديث عن فرض مزيد من العقوبات لتضييق الخناق على بيونج يانج المخنوقة أصلا، وبعض الاستجابات الباهتة التي تراوحت بين الإدانة في البداية مرورا بالمطالبة بالتروي وجمع مزيد من المعلومات الاستخباراتية والتزام الهدوء والبحث كما جاء على لسان رئيس وزراء اليابان الجديد، ثم في النهاية التهوين من حجم التفجير والذي يقوم به الإعلام الأمريكي بإيعاز من الإدارة للتهدئة في تجاهل واضح لحجم الحدث، مما يبرز مفارقة صارخة فيما يتعلق بالضجيج الذي كان يمارسه هذا الإعلام قبل غزو العراق عن قدرات مزعومة ثبت كذب الإدعاء بشأنها، وتكراره على نحو ما مع إيران.

صحيح ربما هون الخبراء والتقنيون من شأن التفجير الذي وصف بـ "القزم" نظرا لكون الطاقة التفجيرية المتولدة عنه لم تتجاوز 550 طنا، أي أقل من كيلوطن (1000 طن من مادة تي إن تي شديدة الانفجار)، وهو يجعلها صغيرة جدا بمعايير القنابل الذرية حتى البدائي منها، فالقنبلة التي ألقتها أمريكا على جزيرة هيروشيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية وصلت قوتها لنحو 12.5 كيلوطنا رغم أن اسمها كان الولد الصغير، ثم ألقت بالثانية على جزيرة ناجازاكي اليابانية أيضا وقوتها 20 كيلوطنا، وكلتا القنبلتين تعدان صغيرتان جدا بمعايير الفارق الزمني.

أيضا الهزة الأرضية التي تسبب فيها التفجير الكوري الشمالي لم تتجاوز قوتها 4.2 على مقياس ريختر وهو زلزال متوسط القيمة يدل على تفجير محدود، لكن نوعية الصخور التي تم فيها التفجير في عمق الجبل لها دورها في الحد من قوة الهزة التي تسببت فيها التجربة النووية.

تداعيات سياسية عنيفة

ناشطون كوريون جنوبيون يحرقون مجسما لصاروخ كوري شمالي

ومن ثم فإن هذه التجربة تعد مجرد رد من دولة يتربص بها القاصي قبل الداني، والمحصلة أن الهزات السياسية للتفجير أوسع انتشارا وأبعد أثرا وأعمق تأثيرا من الهزات الأرضية التي سببها، فأيا كان حجم القنبلة الحقيقي والذي ذكرت مصادر كورية جنوبية أنه لن يمكن البت بشأنه قبل أسبوعين، فإن التأثيرات المنتظرة لتلك التجربة تبدو لكل أطراف الأزمة الذين يشكلون الجلوس إلى طاولة ما يعرف بالمحادثات السداسية كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وينتظر أن تظهر تجلياتها كالتالي:

  • في كوريا الشمالية نفسها، فإن الوضع الراهن مرشح للاستمرار والتفاقم، لأن التفجير النووي يمثل مجدا ونصرا شخصيا للرئيس الكوري الشمالي كلل جهوده وتوجيهاته التي تم بموجبها تنفيذ مشروع الأبحاث النووية على مدار عشرين عاما، مما قد يرفعه إلى منزلة والده، ويضمن لسلالة "كيم" حكم البلاد لعقود قادمة، وربما لن تؤثر العقوبات على شعب وأمة تمرسا على الأسوار ويتعايشان مع العزلة المفروضة على الدولة الحاضنة داخليا وخارجيا، فالوضع السياسي هناك مستقر للغاية.

ليس هذا فحسب بل سيزيد إيمان "كيم" بعبقريته الإستراتيجية، ويضعه في موضع أفضل لردع التهديدات الخارجية وتأمين الولاء المستمر من أتباعه سواء في الخدمة المدنية أو القوات. بل قد لا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد يغريه هذا النجاح بإطلاق العنان لميله الغريزي للمخاطرة ولعادته في الحصول على الطعام والوقود والنقود من جيرانه عن طريق الابتزاز، حيث ارتفع سقف تحديه الآن وأضاف لجعبته رصيدا تفاوضيا معتبرا.

  • دوي أصداء التفجير في كوريا الجنوبية كبير بالفعل، وأحدث رجة قوية لمجتمعها واقتصادها ونظامها السياسي. فالرئيس الكوري الجنوبي "رو مو هيان" قال في أثناء زيارته لواشنطن الشهر المنصرم بعد اجتماعه ببوش: إن من شأن هذا الحدث أن "يغير طبيعة" سياسة كوريا الجنوبية الاقتصادية تجاه جارتها الشمالية؛ غير أن الزعيمين يفتقران على ما يبدو إلى إستراتيجية منسجمة، ولعل هذا ما حدا بدبلوماسي آسيوي رفيع في واشنطن أن يقول: "الواقع أنه لا أحد منهما يعرف كيف يتعين عليه أن يرد"، في حال أقدم "الشماليون" على إجراء تجربة نووية في المستقبل القريب، وهذا ما حدث بالفعل، فبعد الإدانة والحديث عن رد حاسم ثم الحديث عن العقوبات، فلا شيء أكثر من ذلك على أرض الواقع قد تم، ولا يبدو هناك رد ما حاسم في المستقبل المنظور.

بل قد تتوتر العلاقة بين سيول وواشنطن حيث ينتظر أن يقوم المدافعون عن "رو مو هيان" بتوجيه اللوم للولايات المتحدة لاستفزازها "بيونج يانج"، بل حثها على مضاعفة مساعداتها الاقتصادية واسترضائها دبلوماسيا.

وقد تثار في أمريكا أسئلة حرجة حول الحكمة من الاستمرار في نشر عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، بل إلى إعادة تقييم التحالف الأمريكي- الكوري الجنوبي، وقد تندفع تأسيسا على مجمل ما سبق سيول في طريق تطوير قدرات ردع نووي.

  • في اليابان، من الوارد رغم الحديث عن استمرار نفس السياسة الدفاعية اليابانية، أن يضطر رئيس الوزراء الجديد "شينزو آبي" الذي استهل ولايته باختبار جد صعب إلى السعي لتوسيع نطاق قدرات اليابان العسكرية عن طريق حث الخطى نحو شطب الفقرات الدستورية التي تنص على اتباع مبدأ السلمية في السياسة الخارجية لبلاده.

وابتعادا منه عن الظهور بموقف الضعيف العاجز فإن "آبي" لن ينحو أي منحى نحو التصالح مع بيونج يانج، ومن غير المرجح أن يعير أذنا لنصائح الذين يحثونه على تقديم تنازلات فيما يتعلق بالاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها اليابان في الحرب العالمية الثانية، والراجح أن يقوم بدلا من ذلك بتبني موقف عسكري أكثر صلابة، فضلا عن أن ينحي باللائمة على بكين حليف كوريا الشمالية باعتبارها هي المساهم الأكبر في الوضع الحالي مما يوتر العلاقة بين اليابان والصين، وتتبخر أحلام علاقة أكثر دفئا بينهما.

  • أما بالنسبة للصين، فإن العيون تنظر إليها الآن باعتبارها "مساهما ومسئولا" عن تجاوز بيونج يانج للعتبة النووية، ولهذا فإن شكوكا في واشنطن ستثور حول حد إسهام بكين أو مسئوليها عن الوضع الجديد، قد يقود بدوره إلى جعل سياسة الولايات المتحدة مع الصين أكثر تصادمية، وهذا ما لا تريده بكين في العقد الحالي على الأقل، مما قد يدفعها إلى سياسة أكثر تشددا مع بيونج يانج وقد تجلى هذا في تصريحات مسئوليها العنيفة والتي وصلت إلى حد اعتبار التجربة النووية الكورية الشمالية "وقحة"، وإبداء الصين ليونة إزاء فرض مزيد من العقوبات ضدها وهو موقف كانت بكين تعارضه من قبل.

  • وبالنسبة للولايات المتحدة، يشكل الاختبار النووي الكوري الشمالي هزيمة لإدارة بوش التي أعلنت مرارا وتكرارا أنها لن تقبل بوجود كوريا شمالية مسلحة نوويا، مما سيؤدي إلى إضعاف مصداقيتها، وإلى توجيه ضربة قوية لنظام حظر الانتشار النووي. وربما يشجع ذلك إيران على المضي قدما في تعظيم قدراتها النووية، ويؤدي إلى إضعاف عزم واشنطن على استخدام أي وسيلة لإيقاف إيران.

والواقع أنه أسقط في يد الإدارة الأمريكية حيث لم تتجاوز تصريحات وزيرة خارجيتها المعبرة عن سياستها إزاء تلك الأزمة قبل التفجير عن كونها "عملا استفزازيا"، وهو تصريح رخو جاء متأخرا جدا رغم أن المعلومات الاستخباراتية كانت تشير إلى التجهيز لتلك التجربة بوقت ليس قصير، ثم عادت بلهجة استجدائية لتؤكد بعد تمام التجربة على عدم وجود نية "لغزو كوريا الشمالية"، وأن العراق "حالة خاصة جدا" على حد قولها. أيضا فقد تحدث صقر المحافظين الجدد ومندوب أمريكا في الأمم المتحدة "جون بولتون" قبل التجربة عن "دبلوماسية وقائية"، وبعد التجربة أعرب عن رضاه عن هذا الإجماع الذي تم بمجلس الأمن على فرض عقوبات على بيونج يانج، بعد أن كانت تصريحاته لا تخلو من استخدام الردع والقوة.

ثم بدأ الاستثمار للحدث من جانب الحزبين الأمريكيين الكبيرين وكيل الاتهامات المتبادلة، حيث اتهم الجمهوريون سياسات كلينتون الرخوة بأنها هي التي أفضت إلى هذا الوضع، بينما اعتبر الديمقراطيون أن ما جرى فشل إستراتيجي للإدارة الحالية، فقبل تسلم بوش الإدارة كانت هناك شكوك حول امتلاك بيونج يانج لقنبلة نووية أو اثنين، ورغم قدراتها الصاروخية لن تستطيع إيصال قنبلة نووية إلى هدفها بواسطة صاروخ، أما الآن فإن التقديرات تشير إلى امتلاكها ما يتراوح بين 10 إلى 12 قنبلة فضلا عن قدراتها على إثراء اليورانيوم وزيادة مخزونه، وتعزيز قدراتها الصاروخية.

وعليه، ورغم هذه المواقف التي تبدأ بإعادة كوريا الجنوبية في سياسة المصالحة مع بيونج يونج، إلى فرض العقوبات من مجلس الأمن عليها، إلى اهتزاز علاقاتها مع كل من روسيا والصين، يمكن القول إن نظام منع الانتشار النووي قد مني بانتكاسة جديدة بتفجير كوريا الشمالية، وغالبا سوف تصيبه انتكاسات أخرى رغم تكرار الحديث السابق عن أن العالم لن يقبل بكوريا شمالية "نووية"، فهو يبدو حديثا خاليا من القدرة على الفعل، كما تبدو كافة المؤشرات إلى أن شيئا لن يحدث، وما جرى من قبل مع الهند وباكستان، سوف يتكرر مع كوريا الشمالية وأي قوة تعلن عن نفسها نوويا بتفجير نووي.

الاختبار النووي الكوري الشمالي إذن سيؤدي إلى الإضرار بالمصالح الوطنية لكل القوى الكبرى في شمال شرق آسيا وهو ما لا يجعل أمام تلك القوى من سبيل سوى توحيد صفوفها، وتطبيق وسائل الضغط الدبلوماسية والاقتصادية المنسقة، التي توفر آخر أفضل أمل للتوصل لحل مرض وسلمي للأزمة الحالية، ويثبت حديث الإدارة الأمريكية عن التروي وتأكيد عدم الغزو، أن الأيام المقبلة ستشهد تعزيز موقف الذين ينادون بالحوار أكثر من أي وقت مضى، رغم أن أعضاء النادي النووي قد زادوا واحدا جديدا!.


** باحث مهتم بالشئون العسكرية

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | سجل الزائرين | خارطة الموقع