بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء  29 ذي القعدة   1427 هـ - 19/12/2006 م

سوريا » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

سوريا وسياسة "الانكفاء الإستراتيجي"

د. رضوان زيادة**

الرئيس السوري بشار الأسد

كان المفكر الإستراتيجي بول كنيدي أول من قدم نظرية متكاملة عن العواقب الناجمة عن الفروق الخطيرة بين معدلات النمو الاقتصادي وكلفة الإنفاق العسكري، وذلك في كتابه "صعود وانهيار القوى العظمى".

فقد أشار إلى انهيار الإمبراطوريات القديمة الرومانية والنمساوية والبريطانية وسواها بسبب التعارض القائم بين تعاظم الإنفاق العسكري وجمود أو تخلف الموارد الاقتصادية المادية.

بالتأكيد سوريا اليوم ليست إمبراطورية، وربما أحد الخلل في سياساتها الخارجية إنما يعود إلى تصوّر بعض مسئوليها أنها كذلك، لكن على أية حال فالتحليل الذي أحاول أن أطوّره بالاعتماد على نظرية كنيدي هو أن التوسع في السياسة الخارجية مع المحافظة في السياسة الداخلية وعدم قدرتها على المواكبة سياسيا واقتصاديا وإداريا ومعلوماتيا سيكون له نتائج عكسية على السياسة الخارجية، إذ إنها تصبح أثقل بكثير من قدرتها على التحمل وربما يثقل كاهلها بما لا قدرة لها به.

توسع خارجي وانغلاق داخلي

فتوسع السياسة الخارجية السورية وبناؤها لعلاقات محورية مع دول الجوار الإقليمي خلال العقود السابقة، خاصة في لبنان وفلسطين، وبناء محور فعال مع السعودية ومصر، ثم التحالف الإستراتيجي مع إيران، فضلا عن تداعيات الاحتلال الإسرائيلي لقسم من الأرض السورية في الجولان، وبالتوازي مع ذلك انغلاق الداخل السياسي وبطء أو انعدام النمو الاقتصادي.. كل ذلك عكس حال سوريا اليوم في عدم القدرة على التوازن أو إعادة النظر في الكثير من سياساتها السابقة.

لذلك لا بد هنا من ما يمكن أن نطلق عليه "الانكفاء الإستراتيجي" أي لا بد من محاولة التراجع البطيء والتدريجي -كي لا تحدث ردات فعل عكسية لا تحمد عقباها- عن المحاور الإقليمية والدولية؛ بغية احتلال منصات جديدة في الداخل مبنية على أسس جديدة.

لا يعني ذلك الانسحاب والعزلة، فذلك مستحيل في بيئة إقليمية مضطربة ومتغيرة، وإنما التحضير لمنصات سياسية جديدة قائمة على رؤية جديدة عبر تنضيد العلاقات السياسية الداخلية والتركيز عليها.

وبعد استئناف السياسة الخارجية بطرق جديدة، فهناك مثل أمريكي معروف في السياسة يقول:

"Policy is Local" ويعني أن السياسة محلية، فعندما لا يحصل السياسي أو المرشح على دعم محلي داخلي لسياسته، فإن سياسته سوف يكتب لها الفشل، وعلى ذلك فالانكفاء الاستراتيجي يوفّر فرصة للتأمل في انعكاسات السياسة الإقليمية على الداخل، ما دام أن هدف أية سياسة هو تحقيق تنمية ومصالح وتطلعات مجتمعها، أي داخلها، وبالتالي يعطينا فرصة لبناء هذه العلاقات الإقليمية وفق خيارات الداخل ذاته.

التوازن بين التراجع والتقدم

إنه تحد، التراجع خطوة خطوة للتقدم فيما بعد بثبات وقوة، ولا بد في الوقت نفسه من إدماج سياسة الانكفاء هذه مع خطوات في السياسة الداخلية تتسم بالتقدم، فبناء حياة سياسية قوية قائمة على قوة الأحزاب السياسية الداخلية وتوافقها على السياسة الخارجية يعطي قوة لهذه السياسة، وبنفس الوقت يعطيها استمرارية ومصداقية داخلية وخارجية، عندما يثبت للجميع أن هذه السياسية إنما هي مستمدة ونابعة من أجل تحقيق المصالح القريبة والبعيدة للمجتمع السوري.

والتوازن بين التراجع والتقدم يحتاج إلى إدارة تتصف بقدر عال جدا من الحذر والحكمة والسرعة في الأداء، ويتطلب بنفس الوقت إطلاق روح من الحماسية القائمة على الأمل بالتغيير في المستقبل الأفضل داخل الشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة.

فإذا عدنا إلى تذكر بعض الأرقام في سوريا، إذ يذكر تقرير التنمية البشرية الأخير في سوريا الصادر عن هيئة تخطيط الدولة بالتعاون مع البنك الدولي أن نسبة الأمية وصلت في سوريا (حسب التقرير المركزي للإحصاء) إلى 19% وتتوزع هذه النسبة إلى 12.1% في صفوف الذكور و26.1% في صفوف الإناث وتتصدر المحافظات الشمالية والشمالية الشرقية لائحة الأمية.

لكن أرقام هذا التقرير على فجاعتها تتصف بالاضطراب وعدم الصحة، إذ يكفي أن نذكر أنه استنادا إلى أرقام إحصاء عام 2000 كانت النسبة العامة للأمية 28%، وأن التقرير الحالي يؤكد على أن الزيادة السنوية لعدد المتخلصين من أميتهم لا تتجاور 0.6%، فكيف انخفضت النسبة بهذه السرعة؟

أما تقرير (التعليم والتنمية البشرية: نحو كفاءة أفضل) الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة فيذكر أن حوالي 67% تقريبا من الطلاب السوريين لا يتابعون تعليمهم الثانوي النظامي.

إن هذه الأرقام كفيلة ليس بدق ناقوس الخطر، وإنما بإطلاق عملية محاسبة ومسئولية تتعدى النظام التعليمي إلى مساءلة النظام السياسي بأكمله، فالتقرير يذكر أن سوريا منذ أواخر الستينيات حيث كانت نسبة الأمية تزيد عن 50 % أخذت الدولة على عاتقها إعداد الخطط والبرامج والمناهج لمحو الأمية، وقد صدر قانون بذلك في عام 1971، وكان ملحوظا انخفاض نسبة الأمية بشكل كبير حتى بداية التسعينيات من القرن الماضي حيث بدأ التباطؤ ومن ثم التراجع، حتى وصل أو كاد أن يصل إلى درجة الصفر، مما يعني أن ازدياد نسبة المنخرطين في المدارس أقل من نسبة المتخلصين من الأمية، وهو مؤشر على تراجع معيار يعد أوليا في مؤشرات التنمية الأساسية، ومعلوم أن كل المؤشرات الأخرى ترتبط به من الفقر إلى البطالة كما أظهرت دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

هذا مؤشر بسيط على الحاجة إلى الانكفاء الإستراتيجي بغية النظر إلى الداخل بوصفه منظر التغيير الرئيسي.


 ** كاتب ومحلل سياسي سوري، مدير مركز دمشق لدراسات حقوق الإنسان.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع