بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 28 رجب  1427 هـ - 22/8/2006 م

سوريا » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

الثغرة الكبرى في السياسة السورية

نبيل شبيب**

بشار الأسد هاجم في خطابه أطرافا كثيرة

كان مما يلفت النظر أنه لم يصدر عن سوريا طوال فترة الحرب العدوانية ضد لبنان، أي على امتداد خمسة أسابيع تقريبا، أي موقف رسمي، سواء بالنسبة إلى مؤتمر روما سوى القول إن واشنطن سببت إخفاقه، أو بالنسبة إلى المواقف المتقلبة الصادرة عن الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، أو تجاه مشروع القرار الأمريكي-الفرنسي بصيغته الأولى، ناهيك عن مجرى المعارك والمواقف اللبنانية والعربية، وإن كان الموقف السوري معروفا من خلال مؤتمري وزراء الخارجية العرب، وكذلك من خلال تعبئة وسائل الإعلام السورية في فترة الحرب. هذا الصمت الرسمي كان من أسباب المفاجأة التي عمت في عدد من الدول الغربية والعربية إثر الكلمة التي ألقاها الرئيس السوري بعد أن وضعت الحرب أوزارها وبدأت المعركة السياسية التالية لها.

منتصر دون حرب

الخطاب الذي استغرق أكثر من ساعة يوم 15/8/2006 ترك الانطباع بأن الرئيس بشار الأسد يعتبر نفسه طرفا منتصرا في الحرب التي لم تشارك سوريا فيها، بغض النظر عن كونها أحد الأطراف الرئيسية الداعمة لحزب الله. وكما هو شأن المنتصر، عمد الأسد إلى جرد الحساب مع سائر الأطراف، بدءا بالطرف اللبناني المرتبط بسياسة واشنطن وباريس والذي كان وراء إخراج القوات السورية من لبنان، مرورا بالدول العربية التي اتخذت في بداية الحرب مواقف وضعتها في خانة القبول أو الرغبة في كسر ما بات يوصف بمحور إيران-سوريا-المقاومة، انتهاء بمجلس الأمن الدولي بتسلط الزعامة الأمريكية عليه.

وتضمن الخطاب -بجانب اللغة الإعلامية القديمة التي لا تخلو من الشتيمة- سلسلة من العناصر التي تحدد معالم السياسة الرسمية السورية في المرحلة المقبلة، وهي إجمالا "سياسة هجومية" رغم ما تسعى إليه الدول الغربية علنا ودول عربية ضمنا على الأقل، لوضع سوريا والمقاومة وإيران في موقع سياسي دفاعي، وأبرز هذه العناصر:

1- إذا كانت لغة منظمة حزب الله في لبنان لغة تصالحية في مواجهة مواقف عدوانية نسبيا صدرت عن أطراف أخرى، فلغة الرئيس السوري لغة هجومية تؤكد عدم الرغبة في التلاقي مع القوى التي لا تقبل توظيف انتصارات المقاومة منطلقا لتحديد معالم وجه لبنان السياسي في المرحلة القادمة.

2- في الوقت الذي تسعى فيه دول عربية أخرى، لا سيما مصر والسعودية، لأن تتخذ من قبل نهاية الحرب مواقف الدعم السياسي والمالي للبنان، مع تبني قرار مجلس الأمن في اتجاه نزع سلاح المقاومة وليس إبعاده عن الحدود الجنوبية فحسب، تسعى السياسة السورية إلى استعادة وجود تأثيرها السياسي على لبنان من خلال ارتباطها بحزب الله وبعض الأطياف السياسية الأخرى، على أساس المواجهة، أو كحد أدنى الانطلاق من المواجهة لكيلا يتخذ مجرى الصفقات السياسية في نهاية المطاف منحى يضر بموقع سوريا إقليميا، لا سيما في غياب أي مؤشر في الأفق على صعيد استعادة الجولان.

3- تحولت اللغة السياسية السورية إلى لغة تطالب الآخرين بالتحول إلى النهج السوري الرافض للاقتصار على "خيار واحد" دون رفض نهج "السلام".

4- تأكيد دعم المقاومة في لبنان وفلسطين لم يقترن بالحديث عن المقاومة في العراق، ناهيك عن دعمها، وهو ما يرتبط بالرغبة في عدم اتخاذ موقف قد يتعارض مع الرؤية الإيرانية لأحداث العراق، بالإضافة إلى ترك الباب مفتوحا أمام تقارب سوري-أمريكي محتمل.

5- رغم الخلفية الإسلامية الظاهرة للعيان في إنجازات المقاومة في فلسطين ولبنان، فقد برز في خطاب الرئيس السوري تأكيد أكثر مما مضى على عنصر "العروبة" والمنطلق العربي، وأنها وحدها الأساس للتحرير والنهوض، وهو ما يُضعف الأقاويل التي شاعت عن وضع "مسحة إسلامية" على السياسة السورية في الآونة الأخيرة. والأرجح أن ذلك يستهدف أيضا الإبقاء على نافذة مفتوحة تجاه الدول العربية المنزعجة من توثيق العلاقات السورية-الإيرانية، علاوة على العوامل المرتبطة بالأوضاع الداخلية لسوريا، فضلا عن محاولة تعبئة القوى التي لا تزال تعمل من أجل إحياء تيار قومي على أسس بعيدة عن المصالحة التاريخية التي بدأت مع التيار الإسلامي.

معالم الحصار السياسي

سبق أن فقد الحكم في سوريا على الصعيد الدولي العلاقات المتميزة التي كانت تربطه بفرنسا بصورة شبه كاملة، كما فقدها مع روسيا جزئيا على الأقل، وباتت فرنسا ترفض مجرد مشاركة سوريا في مفاوضات مباشرة حول مستقبل لبنان، كما أن موسكو تقتصر على حد أدنى من التواصل مع سوريا بقدر ما يخدم رغبتها في تثبيت موقع دولي لها، تتباين فيه ولو في الجزئيات والتفاصيل، عن سياسات واشنطن العدوانية.

ومع اندلاع الحرب في لبنان ظهر ما أسماه الرئيس السوري "تعرية الموقف العربي" وهو ما يعني على أرض الواقع السياسي أن القلق المصري والسعودي من توسع "النفوذ الإيراني" في المنطقة، غلب على "صيغ" حد أدنى من التضامن العربي، كانت تظهره الدولتان -وكذلك الأردن- مع سوريا على صعيد المطالبة باسترجاع الجولان على الأقل، وإن بقي هذا الحد الأدنى مقتصرا على صياغة بيانات لقاءات القمم.

لقد كانت سياسات المنطقة العربية سياسات ضعيفة بسبب الاضطرار باستمرار إلى اعتماد ذلك الحد الأدنى من التوافق في الساحة العربية، أي ما بين أقصى درجات المضي مع السياسات الأمريكية وأقصى درجات معارضتها، جنبا إلى جنب مع غلبة الاكتفاء بمواقف سياسية شكلية للاستهلاك المحلي، وممارسة سياسات أخرى في الاتصال والتعاون والتفاهم من وراء الكواليس أحيانا، وعلنا أحيانا أخرى مع القوى الغربية بزعامتها الأمريكية.

خطاب الرئيس السوري يريد عمدا وضع "نهاية" لهذه السياسات، ويعتمد في ذلك على عنصرين:

1- النتائج الفعلية للحرب العدوانية ضد لبنان، بغض النظر عن سلبية القرار الدولي لإنهاء القتال.

2- التجاوب الشعبي الكبير مع ممارسات المقاومة وإنجازاتها، وليس "ثقافة المقاومة" فحسب.

هذا وذاك مرفوض على الصعيد الرسمي دوليا وعربيا، ومن المؤشرات الواضحة على ذلك، أنه بقدر ما تركز المقاومة ويركز المحور السوري-الإيراني على الإنجازات العسكرية، تركز المواقف الرسمية العربية القليلة وتلك الصادرة عبر وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية على "عنصر الدمار وعنصر المعونة".

الرئيس السوري يريد توظيف الإنجازات العسكرية في تحديد معالم سياسات المنطقة، دون أن يخرج عن أرضية "خيار السلام الإستراتيجي"، وهذا ما كرره مرارا في الخطاب الأخير. والأطراف العربية الرئيسية، لا سيما مصر والسعودية، أقرب إلى الخط الذي حدده القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي، بمشاركة عربية، ويكمن جوهره في محاصرة الإنجازات العسكرية بإنجازات سياسية لم تتحقق بعد، ولكن بدأت الجهود المكثفة لتحقيقها.

السياسة السورية بهذا المنظور في عزلة رسمية باستثناء ارتباطها -غير المطلق- بالرؤية الإيرانية، ومن نقاط الافتراق هنا: استعداد سوريا لمعاهدة سلام، وتأكيد المنطلق العروبي بديلا عن الإسلامي الراسخ في إيران وفي المقاومة، وبالتالي تأكيد وحدة الأراضي العراقية تحت مظلة عربية.

تريد السياسة السورية التعويض عن العزلة الرسمية بتأييد شعبي، ولكن هذه الرغبة غير مضمونة التحقيق لأسباب عديدة، في مقدمتها:

1- الوضع العربي الراهن يختلف شعبيا وسياسيا اختلافا جوهريا عن حقبة "عبد الناصر والبعث" في مطلع النصف الثاني من القرن الميلادي العشرين، بما في ذلك عنصر الوعي الشعبي، فلم يعد يمكن تحقيق التعبئة الشعبية بالخطابات العروبية وحدها.

2- الأرضية التي تنطلق منها المقاومة والتأييد الشعبي لها هي الأرضية الإسلامية وليست "العروبية"، هذا مع الاعتقاد بعدم التعارض بين المنطلقين، رغم الفارق الباقي ما بين تأكيد احتضان الإسلام للعروبة ولسائر القوميات الأخرى، وبين تأكيد احتضان العروبة -وفق رؤية كثير من أنصارها حديثا- للإسلام وسواه من الديانات بما في ذلك ما شذ منها عن المنطلق الإسلامي وحتى المنطلق المسيحي.

3- الوضع السياسي الداخلي السوري لا يختلف عن أوضاع أنظمة عربية أخرى من حيث الاستبداد، أما التأييد الشعبي للمقاومة فمقترن بقوة للرفض المطلق لاستمرار السياسات الاستبدادية، سواء حملت طابعا مناصرا للمقاومة ومناهضا للمخططات الصهيو-أمريكية أم لم تفعل.

غياب سلاح المقاومة

يمكن القول بأن سوريا تواجه خطر الاستهداف في المستقبل المنظور، سياسيا وعسكريا، لأسباب عديدة تتلخص في:

1- لا غنى عن سوريا في تثبيت السلام وفق الرؤية الصهيو-أمريكية المتوافقة مع رؤية دول عربية عديدة، ولكن هذه المقولة لا تعني عدم الاستغناء عن سوريا بنظام حكمها الراهن وبسياساته الراهنة، فالمطلوب هو تطويع سوريا، سواء بتطويع الحكم الراهن القائم فيها، أو بأسلوب المغامرة وفق مقولة "الفوضى الخلاقة" على أمل إيجاد وضع بديل قابل للتطويع، أو تحييد البلد الذي تنتشر الفوضى فيه، كما جرى مع العراق.

2- الهزائم التي لحقت بالمشروع الصهيو-أمريكي بدءا بالانسحاب الأول من جنوب لبنان، مرورا بالهزيمة الأمريكية الواقعية في العراق، انتهاء بالهزيمة أمام المقاومة في جنوب لبنان، لا تعني -حتى الآن- تعديل هذا المشروع في اتجاه الانكفاء ما دامت لا توجد قوة كافية للقضاء على مقوماته الأساسية، وليس لتوجيه الضربات له فحسب. وما لم تحققه القوة العسكرية عبر البوابة اللبنانية والمقاومة فيها، ستحاول تحقيقه عبر البوابة السورية في المستقبل المنظور، بتغطية أمريكية وربما دولية كاملة.

3- سائر الإنجازات العسكرية، بمعنى الضربات الموجعة، للمشروع الصهيو-أمريكي، كانت إنجازات "المقاومة" وليس إنجازات جيوش عسكرية منظمة في دول استبدادية، كما تؤكد الأحداث ما بين أفغانستان وفلسطين، مرورا بالعراق بعد الاحتلال السريع، ولبنان طردا للاحتلال ومنعا من تكراره. وليس في سوريا "مقاومة" تنبثق عن الإرادة الشعبية تصورا عقديا وتخطيطا وتنظيما وإدارة وقرارا.

4- ليس صحيحا أن المقاومة اللبنانية يمكن أن تكون "سندا عسكريا" إذا تعرضت سوريا لعدوان عسكري، فالمقاومة اللبنانية بطبيعتها دفاعية، وإن كانت لها طاقة "صاروخية" هجومية رادعة، وقد أظهرت الحرب العدوانية ضد لبنان أن تأثير الطاقة الهجومية الرادعة مرتبط ارتباطا وثيقا بطول فترة المعارك البرية التي عجزت القوات الإسرائيلية عن حسمها لصالحها، وليس من المنتظر أن يكون الصمود "البري" على الأرض السورية طويلا وفق المعطيات العسكرية تجاه العدو الإسرائيلي، لا سيما أن احتمال أن يجد دعما عسكريا أمريكيا انطلاقا من العراق المجاور غير مستبعد.

5- لا يلوح في أفق الأوضاع العربية، ولا الوضع الإيراني، أن سوريا ستجد سندا عسكريا من جانب طرف آخر، كما لا يلوح في أفق الأوضاع الدولية أن الاعتراضات على مختلف المستويات ستتجاوز حدود ما شهدته الحرب العدوانية ضد لبنان، وقد بلغت أقصى درجات الفجور على حساب القوانين الدولية للحرب والسلم، والانتهاكات المطلقة لمختلف الاعتبارات الإنسانية.

إن الثغرة الكبرى في سوريا هي ثغرة غياب أي شكل من أشكال المقاومة الشعبية، بما في ذلك الصيغة المصطنعة التي كانت لدى نظام صدام حسين، ولا يمكن أن تنطلق سوريا الآن لتكوين مقاومة شعبية سورية، ليس بسبب عدم استعداد الشعب السوري للدفاع عن نفسه وأرضه، إنما لغياب الثقة المطلوبة بين الحاكم والمحكوم أولا، ولحاجة أي مقاومة شعبية مرتبطة بالحكم إلى فترة إعداد طويلة ثانيا، ولافتقاد الإرادة السياسية أصلا.

سوريا في خطر كبير لم يعد بعيدا، ولا يؤخذ من خطاب الرئيس السوري الأخير أن إدراك أبعاد هذا الخطر يدفع النظام السوري القائم في اتجاه تغيير جذري وسريع لأوضاعه الداخلية، على أمل أن يشكل ذلك ردعا بحد أدنى للمخططات المعادية.

قد يعجل مثل هذا التوجيه في تنفيذ مخطط عسكري لا ريب أنه موضوع سلفا كما ظهر تجاه لبنان، ولكن الانتظار لا يمثل جوابا سياسيا ولا عسكريا على الخطر القائم، والانتظار في هذه الحالة سيكون على الأرجح فترة زمنية يحتاج إليها الطرف الآخر لاستكمال ما يعمل لإعداده، وقد يكون من ذلك:

1- استكمال تنفيذ ما يمكن تنفيذه من القرار رقم 1701 من حيث نشر عدد كبير من القوات الدولية واللبنانية، وإثارة الخلافات بين "حزب الله" والقوى السياسية اللبنانية الأخرى، بما يعرقل بمجموعه -إن لم يصبح حائلا منيعا- تحركا عسكريا محتملا على الجبهة اللبنانية من جانب المقاومة اللبنانية.

2- استنفاد الوسائل الدبلوماسية التي يدور الحديث عنها بشأن التأثير على سوريا على صعيد التعامل مع مستقبل لبنان، ومع مستقبل فلسطين؛ أي تطويع النظام السوري على حساب المقاومة هنا وهناك، مع استبعاد أن تؤدي تلك الوسائل إلى نتيجة، وبالتالي تهيئة الظروف لإيجاد الذرائع المعتادة من أجل تحرك عسكري مقرر، ويكفي أن تكون تلك الذرائع مقبولة بالمنظور الدولي ومحتملة طوعا أو كرها بالمنظور العربي الرسمي.

3- تجاوز الأزمة السياسية الداخلية الإسرائيلية نتيجة الهزيمة العسكرية في لبنان، وأيا ما تكون نتيجة الأزمة يبقى ثابتا أن أي حكومة إسرائيلية ستكون شديدة الحرص على تعويض الهزيمة العسكرية بإنجاز عسكري في نقطة الضعف الرئيسية فيما يوصف بمحور إيران- سوريا-المقاومة، وهي سوريا بالطبع.

سوريا في خطر كبير إذن، يشمل الأرض والشعب، كما يشمل النظام القائم أيضا، وأكبر جوانب الخطر أن النظام الحاكم يريد التعامل معه بمنظوره هو لنفسه ولأوضاعه الحقيقية والموهومة، وليس بمنظور شعبي، ويحسب أن التعبئة الشعبية قابلة للتحقيق من خلال "دعوة بعثية عروبية" لها، دون إلغاء ما فصل بين الحكم والشعب، بدءا بحالة طوارئ مزمنة وخلل دستوري، مرورا باحتكار السياسة تسلطا وممارستها قمعا، انتهاء بالوقوف عقبة في وجه تكوين مقاومة شعبية لخطر خارجي.


 ** كاتب ومحلل سياسي.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع