 |
|
جمال مبارك |
| طالع:
|
كان من شأن الأزمات التي اندلعت
بكل من العراق وفلسطين ولبنان أن ساد
الاعتقاد بأن على الولايات المتحدة
التخلي عن هدف تعزيز الديمقراطية بمنطقة
الشرق الأوسط، نظرا لحاجتها لتوحيد الصف
مع الأنظمة العربية الصديقة في السعودية
والأردن ومصر. بيد أنه ما تزال هناك فرص
سانحة أمام واشنطن للسعي وراء تحقيق هدفها
طويل الأمد المرتبط بإحلال الديمقراطية،
دون تعريض استقرار المنطقة أو أي من
علاقاتها الحيوية بها للخطر.
وتمر مصر، أكبر دولة عربية من حيث
عدد السكان والحليف الإستراتيجي لواشنطن،
في الوقت الراهن بالمراحل الأولى من عملية
نقل القيادة، والتي ربما تميل بالبلاد إما
إلى قدر أكبر من الانفتاح، أو المزيد من
تدعيم الاستبداد. ومن العوامل الجوهرية
التي ستحدد النتيجة النهائية هو ما إذا
كانت واشنطن ستمضي قدما في جهودها الرامية
لإقرار الديمقراطية في مصر، وهو ما سيخلف
شعورا لدى الدول العربية الأخرى بمدى جدية
الجهود الأمريكية في هذا الصدد.
يذكر أن الرئيس "مبارك"
والحزب الوطني الديمقراطي الذي يترأسه
أعلنا مؤخرا عن مجموعة جديدة من المبادرات
الإصلاحية التي باتت بالغة الأهمية لوضع
ابنه "جمال" كمرشح محتمل في
الانتخابات الرئاسية القادمة. ومن بين
القضايا المطروحة حاليا في إطار هذه
المبادرات التخفيف من صرامة الشروط
اللازمة للتأهل للترشح لمنصب الرئاسة،
ونقل السلطة من الرئاسة إلى السلطة
التشريعية وتغيير نظام الانتخابات
البرلمانية.
وكانت آخر حزمة من الإصلاحات
أقرت عام 2005، حيث وعد الحزب الوطني بتعزيز
الحريات السياسية بصورة كبيرة، لكن جاء
التشريع الفعلي ليدعم هذه الحريات بدرجة
أقل بكثير عما سبق أن وعد به. ومن المحتمل
أن يتكرر هذا السيناريو هذه المرة، خاصة
إذا ما عجزت واشنطن عن دعم المعارضة وقوى
المجتمع المدني المطالبة بالمزيد من
الحريات.
وتواجه واشنطن تحديا هو كيفية
استغلال الموقف الراهن لتحقيق انفراجة
أكبر بالحياة السياسية المصرية بهدف خلق
منافسة أوسع نطاقا وأكثر شفافية في الحقبة
السياسية الجديدة التي يبزغ نجمها في
الأفق.
اقرأ في هذا الموضوع:
التعديل
الدستوري.. ردة عن الإصلاح
 |
|
ميشيل دن |
في 26 ديسمبر عام 2006، طلب الرئيس
"مبارك" رسميا من البرلمان تعديل 34
مادة من مواد الدستور بهدف إنجاز العهود
التي قطعها على نفسه عام 2005 بتحقيق إصلاح
سياسي. وأعلن "صفوت الشريف" الأمين
العام للحزب الوطني أن الهدف هو تمرير
جميع التعديلات وعرضها للموافقة عليها في
استفتاء شعبي في إبريل 2007.
ومن بين أهم التعديلات تغييرات
تسمح لجميع الأحزاب القانونية بترشيح
أعضاء بها في الانتخابات الرئاسية ومنح
البرلمان سلطة إشرافية ذات طابع تفصيلي
أكبر في شئون الميزانية وإقرار إجراءات
أكثر وضوحا لسحب الثقة من مجلس الوزراء
وتوضيح وتقييد السلطات التي يتمتع بها
الرئيس في أوقات الطوارئ تمهيدا لإصدار
قانون جديد لمكافحة الإرهاب.
وتبدي المعارضة اهتماما خاصا
بمبادرات الحزب الوطني لإعادة النظر في
البنود الدستورية الخاصة بالإشراف على
الانتخابات، خاصة أن الاحتمال الأكبر أن
يكون الهدف من وراء ذلك تقييد دور القضاة
الذين أثبتوا أنهم أكثر القوى المؤيدة
للإصلاح فاعلية داخل البلاد حتى الآن،
وكذلك المبادرات الرامية لفرض حظر واضح
على تشكيل أحزاب سياسية على أساس الدين
وتعديل نظام الانتخابات.
ومن الواضح أن هذه التعديلات
ترتبط بصورة وثيقة بوضع نجل الرئيس، الذي
أصبح نائب الأمين العام للحزب الوطني،
والمرشح المحتمل عن الحزب في الانتخابات
الرئاسية القادمة.
لقد ركز "جمال" في السنوات
الماضية اهتمامه على الإصلاح السياسي
والاقتصادي، بل واضطلع بمراجعة غالبية
المبادرات الجديدة التي أعلنها الرئيس
مؤخرا أثناء المؤتمر السنوي للحزب في
سبتمبر 2006. كما جذب "جمال" اهتمام
وسائل الإعلام بإعلانه تأييد بناء مصر
لبرنامج نووي واضطلاعها بدور إقليمي أكثر
قوة لمواجهة النفوذ الأمريكي، وعبر في
نبرة متواضعة عن الحاجة لترجمة الإصلاح
الاقتصادي إلى فوائد يلمسها المصريون
الفقراء. لكن قضايا الإصلاح السياسي
والاقتصادي على الصعيد المحلي احتلت موقع
الصدارة بين مقترحات الحزب الوطني
المطروحة أمام البرلمان.
بيد أن التشريع الفعلي الذي
سيتقدم به الحزب الوطني خلال الدورة
البرلمانية الحالية قد يثمر نتائج أقل من
تلك التي تعد بها مقترحات "مبارك".
ويبدو أن الحزب يسعى من وراء خطواته هذه
لأخذ زمام المبادرة في خضم الدعوات
العديدة من قبل جماعات المجتمع المدني
والمعارضة لإقرار تعديلات دستورية واسعة
النطاق، ويسعى للسيطرة على المعارضة
المصرية، والتأكد من توافر قدر كاف من
التنافس لإضفاء مصداقية على الانتخابات
المستقبلية وفي الوقت ذاته تحييد جماعة
الإخوان المسلمين (أكبر جماعة معارضة
بالبلاد) وزيادة الانقسامات القائمة
بينها وبين الجماعات العلمانية.
ولم تقتصر المقترحات الإصلاحية
على الحزب الوطني، وإنما أبدى كل من
الإخوان المسلمين ونادي القضاة والأحزاب
اليسارية والليبرالية وحركة "كفاية"،
مواقف محددة تنطوي على درجات متباينة من
التفصيل إزاء الدستور. إضافة إلى ذلك،
تعكف اللجنة القومية لحقوق الإنسان (كيان
شكلته الحكومة ويضم نشطاء بارزين داخل
المجتمع المدني) على وضع توصيات حول
الإصلاح الدستوري لتقديمها للحكومة.
ورغم دعوة بعض الجماعات لوضع
دستور جديد تماما، فإن غالبية الأطراف
تدرك استحالة القيام بذلك في الوقت الحالي،
وبالتالي تقترح إجراء تعديلات موسعة
بالدستور الراهن الذي تم وضعه عام 1971.
بصورة عامة، تختلف جماعات
المعارضة والحزب الوطني الديمقراطي فيما
بينهما حول الكثير من التفصيلات، بيد أنها
تدور جميعا في فلك القضايا التقليدية
الخلافية نفسها: الانتخابات الرئاسية،
والسلطات الرئاسية مقابل السلطات
التشريعية، وأنظمة الانتخاب وإلغاء حالة
الطوارئ. ويدعو نادي القضاة ومعظم جماعات
المعارضة عامة لتقليص سلطات الرئاسة
وتعزيز السلطة التشريعية واستقلال القضاء.
من ناحيتهم، دعا الإخوان
المسلمون في إطار برامج سياسية مفصلة
كشفوا النقاب عنها عام 2004 وفيما قبل
انتخابات عام 2005 إلى تغيير أكثر راديكالية،
يتمثل في الانتقال من النظام الرئاسي إلى
النظام البرلماني. ومن ذلك الحين، اتبع
النواب البرلمانيون عن جماعة الإخوان
المسلمين نهجا برجماتيا لاقتراح تعديلات
على النظام الرئاسي القائم، لكن تعارض
المصالح حال دون صياغة جماعات المعارضة
لأجندة متناغمة مؤيدة للتغيير، الأمر
الذي برع الحزب الوطني الديمقراطي في
استغلاله عبر مبادراته الجديدة.
في تقييم مقترحات مبارك
أولا: الانتخابات الرئاسية:
يعد إجراء مزيد من التعديل
للمادة 76 من الدستور بمثابة اعتراف من
الحزب الوطني بأنه خلق لنفسه مشكلة عند
قيامه بتعديل المادة للمرة الأولى عام 2005.
لأنه رغم السماح لجميع الأحزاب المسجلة
قانونيا بالتقدم بمرشحين في الانتخابات
الرئاسية التي أجريت عام 2005، فإن المعايير
الصارمة تجعل من المتعذر على أي حزب سياسي
بخلاف الحزب الوطني الديمقراطي التوافق
معها في الانتخابات القادمة عام 2011 أو قبل
ذلك (إذا لم يكمل "مبارك" فترة
الرئاسة الراهنة). وكان الحزب الوطني قد
وضع هذه المعايير لرغبته في إقصاء مرشحي
الإخوان المسلمين، وليس خوفا من أي منافسة
حقيقية من جانب الأحزاب القائمة.
ورغم أن التعديل الجديد يسمح
لجميع الأحزاب المسجلة قانونيا بالترشيح (حتى
التي ليس لها تمثيل بالبرلمان)، فإن
القيود الأخرى من المحتمل أن تبقى، مثل
السماح لكل حزب بتقديم مرشحٍ عمِلَ كجزء
من صف القيادة الأعلى به على مدار عام كامل
على الأقل وضرورة حشد المرشحين المستقلين
لتأييد الكثير من المسئولين المنتخبين.
ومن الواضح أن الأحزاب الرسمية،
مثل الوفد المنتمي للوسط، والتجمع
والناصري المنتميين لليسار، تكمن مصلحتها
في تأييد تعديل يسمح لها بالمشاركة
بمرشحين في الانتخابات الرئاسية، وفي
الوقت ذاته يستثني المنافسين غير المعترف
بهم قانونيا أمثال الإخوان المسلمين وحزب
الوسط (ذي التوجهات الإسلامية) وحزب
الكرامة (ذي التوجهات الناصرية الجديدة)
والجبهة الديمقراطية (تتبع مسارا
ليبراليا). والاحتمال الأكبر أن تبقى
الشروط الصارمة المرتبطة بمشاركة مرشح
مستقل في الانتخابات الرئاسية.
وعن جماعة الإخوان، تخلق المادة
76 المعدلة ثانيا شروطا أيسر أمام الإخوان
المسلمين، إذ لهم عدد من الخيارات: إما
إقامة حزب خاص بهم أو تشكيل تحالف مع حزب
قائم أو محاولة المشاركة في الانتخابات
عبر مرشح مستقل.
ويذكر أن أعضاء البرلمان عن
الجماعة أعلنوا مؤخرا أنهم سيعمدون
لاختبار النظام الحالي من خلال السعي
لإقامة حزب، الأمر الذي من المحتمل أن
يلقى معارضة شديدة من قبل النظام. أما فيما
يتعلق بالخيار الثاني الخاص بتشكيل تحالف
مع حزب قائم -الأمر الذي فعله الإخوان
بالفعل مرتين من قبل مع حزبي الوفد ثم
العمل خلال الثمانينيات- فهو ممكن رغم
صعوبته بالنظر إلى الشروط التنظيمية
الصارمة الواردة بالمادة 76 بشأن الفترة
الزمنية التي يجب على المرشح المحتمل
للرئاسة قضاءها في الصفوف القيادية
العليا بالحزب قبل أن يتمكن من الترشح في
الانتخابات.
بيد أن العمل على التقدم بمرشح
مستقل قد يكون أكثر المسارات الممهدة أمام
الإخوان المسلمين رغم صعوبته. فطبقا
للمادة 76 في صورتها الحالية، يتعين على
المرشح المستقل الحصول على 250 توقيعا من
مسئولين منتخبين و65 توقيعا من مجلس الشعب
و25 توقيعا من مجلس الشورى و140 توقيعا من
المجالس البلدية.
ومع وجود 88 مقعدا للجماعة داخل
البرلمان، يحظى الإخوان بالفعل بعدد
أصوات كاف داخل مجلس الشعب. وقد أعلنوا
عزمهم على التقدم للمرة الأولى في تاريخهم
بمرشحين في انتخابات مجلس الشورى المقرر
إجراؤها في ربيع عام 2007. كما ستشارك
الجماعة في انتخابات المجالس البلدية،
التي تم إرجاؤها مدة عامين، في أي وقت تجرى
فيه. ورغم العقبات الكثيرة القائمة على
هذا المسار واحتمالات تدخل النظام، فإن
هذه الإستراتيجية الصبورة من قبل الإخوان
قد تؤتي ثمارا إيجابية في نهاية الأمر.
أما فيما يخص المادة 77،
والمتعلقة بفترة الرئاسة، وتسمح للرئيس
بالعمل لمدد غير محددة العدد تبلغ الواحدة
منها ست سنوات، فتطالب المعارضة وجماعات
المجتمع المدني بإعادة إقرار حد أقصى (سبق
أن ألغاه الرئيس السابق "السادات"
عام 1980) وتقصير مدة الرئاسة بحيث لا تتجاوز
مدتين كل منها خمس سنوات، ويرى أنصار
الإصلاح أن هذه النقطة ملحة بصورة خاصة
لاحتمالات انتخاب "جمال مبارك"
البالغ من العمر 43 عاما، الأمر الذي سيضعه
فعليا في هذا المنصب على الأقل.
ثانيا: السلطات الرئاسية
والتشريعية:
تعهد "مبارك" بتناول انعدام
التوازن القائم بين السلطة التنفيذية
القوية والتشريعية الضعيفة من خلال عدة
خطوات. ومن المقرر أن يتقدم الحزب الوطني
بتعديلات بشأن الإجراءات التي يمكن
للبرلمان من خلالها سحب الثقة من مجلس
الوزراء وإلغاء بند يلزم البرلمان
بالحصول على الموافقة على هذه الخطوة عبر
استفتاء شعبي. لكن في الوقت ذاته اقترح "مبارك"
منح الرئيس سلطة حل البرلمان دونما إجراء
استفتاء شعبي.
واقترح "مبارك" كذلك
إجراءات تسمح للبرلمان بالموافقة على
الميزانية التي تتقدم بها الحكومة على
أساس كل بند على حدة. لكن الحزب الوطني لم
يعد بمنح البرلمان سلطة الإشراف التفصيلي
على أهم جزء بالميزانية وأكثرها سرية حتى
الآن: مخصصات المؤسستين العسكرية والأمن
الداخلي.
وأثار ذلك انقسامات في صفوف
المعارضة، فبينما اتفق الجميع على ضرورة
تقليص السلطات الرئاسية، فإنها تختلف عن
مدى هذا التقليص. فجماعة الإخوان المسلمين
أيدت تحويل النظام المصري إلى نظام
الديمقراطية البرلمانية الذي يضطلع
الرئيس في إطاره بدور يغلب عليه الطابع
الرمزي، بينما يمارس رئيس الوزراء ومجلسه
الحكم فعليا. على الجانب الآخر، تفضل معظم
جماعات المعارضة الأخرى الحد من سلطات
الرئيس مع توسيع نطاق السلطة التشريعية
وتعزيز استقلال القضاء، بيد أنها لم تقترح
مثل هذا التغيير الراديكالي للنظام.
ثالثا: نظام الانتخابات:
اقترح الحزب الوطني تغيير نظام
الانتخابات البرلمانية، من الاعتماد على
مرشح واحد إلى نظام يقوم على التمثيل
النسبي (أو ربما نظام مختلط يسمح ببعض
التمثيل الفردي)، باعتباره يزيد من فرص
الأحزاب السياسية والمرأة. وفي الوقت ذاته،
دعا "مبارك" لإضافة فقرة إلى المادة 5
والتي تعرف مصر باعتبارها دولة متعددة
الأحزاب، عبارة "يحظر تشكيل أحزاب على
أساس الدين أو النوع أو الأصل". (تجدر
الإشارة إلى أن هذا الحظر على إقامة
الأحزاب الدينية يوجد بالفعل بقانون
الأحزاب السياسية، قانون رقم 40 لعام 1977).
وهناك سببان وراء تغيير النظام
الانتخابي: أولهما: تقليص الفرص المتاحة
أمام الإخوان المسلمين بصورة بالغة، حيث
النظامان النسبي أو المختلط يجبران
الجماعة على اتباع واحد من عدة خيارات
سيئة: إما الترشح للمقاعد المستقلة فقط (حال
وجود نظام مختلط) أو إقامة تحالفات مع
أحزاب قانونية أو التقدم بالتماس لتأسيس
حزب خاص بهم أو مقاطعة الانتخابات. والسبب
الثاني: الأداء المتواضع للحزب الحاكم في
انتخابات عامي 2000 و2005، حيث فاز بأقل من 40%
من المقاعد وخسر الكثير من الدوائر أمام
أعضاء سابقين به استقالوا كي يتقدموا في
الانتخابات كمستقلين، ثم رحب بهم الحزب من
جديد في صفوفه بعد الانتخابات لحاجة الحزب
لمقاعدهم لتحقيق الأغلبية.
ورغم أن النظام النسبي قد يقوي
الأحزاب الأقدم، الخاملة، ويسمح لها
بالفوز بعدد ضئيل من المقاعد، فإن الواضح
هو أن النظام يرغب في منع الإخوان
المسلمين من تشكيل حزب لهم، كما يريد زرع
الفرقة في صفوف المعارضة من خلال تفضيل
الأحزاب المسجلة على غير المسجلة. ولا شك
أن هذا النظام سيكون بمثابة انتكاسة خطيرة
للإخوان وللأحزاب الأخرى الصغيرة أمثال
الوسط والكرامة، التي لم تحصل على ترخيص
للتحول إلى حزب قانوني.
ومن هنا سوف تغيب التنافسية التي
وجدت في انتخابات برلمان 2005 رغم ما كان بها
من نقائص لهذا السبب أولا، وثانيا لغياب
الإشراف القضائي الفاعل، فمبارك يدعو
حاليا لإعادة تعريف مشاركة القضاة في
الإشراف الانتخابي من أجل السماح
للانتخابات البرلمانية بالانعقاد على
مستوى البلاد بأكملها في يوم واحد، الأمر
المستحيل في الوقت الراهن لعدم توافر قدر
كاف من القضاة للتواجد بجميع أماكن
الاقتراع في الوقت نفسه.
رابعا: قضايا أخرى:
وتتضمن التعديلات المقترحة
تمهيد الطريق أمام إلغاء حالة الطوارئ،
وزيادة سلطات رئيس الوزراء ومجلسه في
مقابل سلطات الرئيس، وتوسيع سلطات مجلس
الشورى، ونقل المزيد من السلطات إلى
الحكومات المحلية، وتحديث اللغة
الدستورية بشأن الاقتصاد. كما وعد الحزب
الوطني بإعادة النظر في القوانين المثيرة
للجدل المتعلقة بالمنظمات غير الحكومية
والاتحادات المهنية.
لقد وعد الرئيس "مبارك" في
عام 2005 بإقرار قانون لمكافحة الإرهاب يقضي
على الحاجة لحالة الطوارئ المستمرة منذ
اغتيال "السادات" عام 1981. لكنه جدد
حالة الطوارئ لمدة عامين آخرين عام 2006،
مشيرا إلى أنه من الضروري إجراء تغييرات
بالمادة 74 من الدستور التي تمنح الرئيس
سلطات طارئة. والآن من المقرر إقرار هذه
التغييرات.
وفي الوقت الذي ترحب فيه جماعات
المعارضة والمجتمع المدني بإمكانية تقليص
السلطات الطارئة التي يتمتع بها الرئيس
وإنهاء حالة الطوارئ، فإنها تشعر بالقلق
من أن يمنح قانون الطوارئ الجديد النظام
نفس السلطات الواسعة التي يحظى بها الآن
في ظل حالة الطوارئ والتي تمكنه من احتجاز
الأفراد لفترات طويلة دون توجيه اتهام
إليهم وحظر التجمعات العامة دون موافقة
أمنية مسبقة.
وتدعي الحكومة المصرية منذ أمد
بعيد أن هذه السلطات يجري استخدامها فقط
ضد الإرهابيين المشتبه فيهم وتجار
المخدرات. إلا أنه في واقع الأمر جرى
استخدامها أيضا ضد معارضي النظام ممن لا
يلجئون للعنف.
علاوة على ما سبق، اقترح "مبارك"
تغييرات في هيئات التنسيق القضائي، ما قد
يثير الشكوك في أن الحزب الوطني يسعى لكبح
جماح القضاة. ومن بين المخاوف الأخرى أن
الحزب سيعمد إلى مراجعة قانون المنظمات
غير الحكومية الذي تعرض للتعديل مرات عدة،
بهدف سد الثغرات التي تسمح للمنظمات
بتحاشي التنظيمات الصارمة عبر تسجيل
نفسها كشركات مدنية تدفع ضرائب، وليس
منظمات غير حكومية. تحديات
السياسة الأمريكية
 |
|
هل تعود الإدارة الأمريكية
لممارسة الضغوط على مصر من أجل
الإصلاح؟ |
سيمثل عام 2007 فترة حساسة لتعاون
الولايات المتحدة بنشاط مع مصر بشأن
الإصلاح السياسي. ومن الواضح أن التعديلات
الدستورية الجاري مناقشتها حاليا بمصر
ستحدد الظروف السياسية بالبلاد بالنسبة
للجيل القادم. من جانبهم، يدرك المصريون
جيدا أنهم يمرون بمرحلة انتقال للسلطة،
ليس فقط فيما يخص الرئاسة، وإنما كذلك
بالمؤسسات الأخرى مع انسحاب المجموعة
التي قدمت إلى السلطة مع "مبارك" في
السبعينيات والثمانينيات تدريجيا من مسرح
الأحداث.
والتساؤل الأكبر الذي يفرض نفسه
الآن هو: هل سيتوافر قدر مناسب من الضغوط
من جانب جماعات المعارضة والمجتمع المدني
لدفع الحزب الحاكم لإقرار إصلاحات تمهد
الطريق أمام ظهور منافسة حقيقية
بالمستقبل. فبدون هذه التغييرات، تواجه
مصر في أفضل الظروف مستقبلا يتسم بالجمود
السياسي والاقتصادي، وربما انعدام
الاستقرار.
وفي الوقت الذي يتعين فيه على
واشنطن التحلي بالتواضع والواقعية بشأن
حجم نفوذها بمصر، فإن عليها أيضا أن تدرك
أن الضغوط التي سبق أن مارستها والدول
المانحة الأخرى على مصر عامي 2004 و2005 شكلت
عاملا مكملا على درجة كبيرة من الأهمية
للدعوات الداخلية الداعية للإصلاح. خلال
هذه الفترة وبناء على تعليمات من الكونجرس،
زادت إدارة "بوش" من الإنفاق على
أنشطة المساعدة الديمقراطية داخل مصر من
قرابة 5 ملايين دولار سنويا إلى حوالي 50
مليون دولار. وتضمن هذا المبلغ 17 مليون
دولار في شكل منح قدمت مباشرة إلى
المنظمات غير الحكومية التي قام عدد منها
بتدريب ونشر آلاف المصريين عام 2005 في أول
رقابة حقيقية للانتخابات البرلمانية.
في ديسمبر عام 2005، اتخذت الإدارة
خطوة ربما تكون الأكثر جدية من نوعها حتى
الآن على طريق تعزيز الديمقراطية بمصر
بتلميحها إلى سخطها حيال إدانة السياسي
المعارض "أيمن نور" من خلال إلغاء
محادثات التجارة الحرة التي كان من المقرر
أن تبدأ يناير عام 2006. ولكن منذ ذلك الحين،
تضاءلت تصريحات كبار المسئولين
الأمريكيين بشأن الدمقرطة في مصر، وركزوا
جهودهم بدلا من ذلك على حوار خاص بينهم
وبين الحكومة المصرية حول قضايا الإصلاح
السياسي. وأدى غياب المشاركة العلنية إلى
أن ساد الاعتقاد بين دعاة الإصلاح من
المصريين بأن واشنطن قد تراجعت عن أجندة
تعزيز الديمقراطية خلال الوقت الراهن، أو
أنها على الأقل عاجزة عن تحديد كيفية
المضي قدما لتنفيذها.
وجاء العام 2006 ليشهد ظهور عاملين
زادا من تعقيد جهود صياغة إستراتيجية
أمريكية فعالة: أولهما: تعمق سياسات
الخلافة الرئاسية التي باتت من القضايا
المهمة منذ عام 1999، مع توقع الكثير من
المصريين الآن مغادرة الرئيس "مبارك"
منصبه خلال سنوات قليلة. وعليه، فإن أي
إصلاح محتمل يجري تفحصه داخل وخارج
المؤسسة الحاكمة للتعرف على تأثيراته
المحتملة على "جمال مبارك" أو
منافسيه.
وعلى الولايات المتحدة أن تمتنع
عن الاضطلاع بأي دور في تحديد من سيخلف "مبارك"
والتحلي بالحذر إزاء أي خطوات قد يجري
تفسيرها على هذا النحو. في الوقت ذاته،
ينبغي عليها تشجيع إجراء تغييرات بالنظام
المصري تحد من السلطات الرئاسية وتزيد من
محاسبة السلطة التنفيذية في المستقبل.
أما العامل الثاني فهو افتقار
نشطاء المعارضة والمجتمع المدني المصريين
لوحدة الصف بدرجة أكبر مما كان عليه الحال
منذ عام مضى. فرغم اتفاقهم جميعا على ضرورة
نقل السلطات من السلطة التنفيذية إلى
السلطتين التشريعية والقضائية، بدأت
الخلافات في الظهور بينهم، خاصة فيما
يتعلق بكيفية تعديل نظام الانتخابات
البرلمانية. وتخلق هذه الخلافات مشكلة
لواشنطن في عملها حتى الآن على توجيه
انتباه الحكومة المصرية لمطالب مواطنيها،
وليس فرض أجندة إصلاح قامت هي بوضعها.
إلا أنه يجب ألا يسمح لهذه
العوامل بإعاقة جهود وضع إستراتيجية
أمريكية فعالة في هذا الصدد، حيث يتعين
على واشنطن تعزيز إقرار تغييرات بالنظام
من شأنها توسيع نطاق الحريات وإنعاش
المنافسة السياسية. أما القضايا الجوهرية
التي بإمكان الولايات المتحدة التمتع
بفاعلية بشأنها في الوقت الحالي فهي:
تقليص فترة الرئاسة:
على واشنطن دعم المطالب الواسعة
داخل مصر لتعديل المادة 77 من الدستور بهدف
إعادة إقرار حد أقصى لمدد الرئاسة والحد
من فترة الرئاسة. وينبغي على واشنطن
الامتناع عن اتخاذ أي موقف حيال الشكل
العام الذي يجب أن يكون عليه النظام
السياسي.
حرية الأحزاب:
ينبغي على واشنطن دعم مطالبة
الأحزاب بنظام ترخيص أكثر انفتاحا ووضوحا
والاعتراض على تدخل النظام في شئون
الأحزاب. وفيما يتعلق بالإخوان المسلمين،
فليس هناك بعد إجماع حول السبيل الأمثل
لمنحهم حقوقهم السياسية دون تهديد
استقرار البلاد. وعلى الولايات المتحدة
تسوية هذه المعضلة.
الإشراف الانتخابي:
من المهم للغاية البناء على
المكاسب التي تحققت عام 2005. وينبغي على
واشنطن دعم الدعوات لاستمرار مشاركة
القضاة المصريين بشكل مكثف في الإشراف على
الانتخابات.
حالة الطوارئ:
ينبغي أن تبقي واشنطن على حوار
نشط مع الحكومة المصرية حول صياغة قانون
لمكافحة الإرهاب يمكن استخدامه بفاعلية
في محاربة الإرهاب، دون أن يتحول إلى سيف
مسلط على رقاب زعماء المعارضة السلميين.
|