 |
|
الدكتور وحيد عبد المجيد |
استبعد الدكتور وحيد عبد المجيد
نائب مدير مركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام أن تكون
التعديلات الدستورية الأخيرة خطوة
تمهيدية لسيناريو توريث الحكم في مصر،
وتوقع أن تؤول الأمور في المستقبل إلى
القوات المسلحة (الجيش) باعتباره المؤسسة
الوطنية التي تحظى بثقة قطاعات عريضة من
الشعب.
ورأى عبد المجيد في حوار خاص مع
إسلام أون لاين.نت أن أي تعديلات في
الدستور لن تفيد الواقع المصري الذي أصبح
جثة هامدة، مشددا على ضرورة أن يكون هناك
بيئة ومناخ سياسي قادر على وصول المجتمع
إلى حالة وفاق وطني يتم خلالها الاتفاق
على أسس بناء الدولة أولا ثم يأتي الحديث
عن الدستور في مرحلة لاحقة.
واعتبر عبد المجيد أن التعديلات
الدستورية لن تؤثر إيجابا على الحياة
المصرية، إذا لم يتم تعديل قانون الأحزاب
وإطلاق حرية تأسيسها بدون أي قيود، لأن
ذلك السبيل الوحيد لكسر حالة الجمود
القائمة في المجتمع المصري.
وفيما يلي نص الحوار:
* هل تتوقع أن يؤدي تغيير 34 مادة
في الدستور إلى إحداث التحول المنشود في
الحياة السياسية المصرية؟
- أعتقد أن الحياة السياسية
المصرية تمر حاليا بحالة موت سريري،
وتغيير 34 مادة من الدستور أو حتى تعديل
الدستور كله لن يغير في الأمر شيئا،
فالواقع مرير وشديد التعقيد، لن يصلح
تعديله حتى لو استبدلنا دستور مصر
بالدستور الفرنسي أو الأمريكي، فالمطلوب
قبل كل شيء توفير البيئة المناسبة لإعداد
وتهيئة المجتمع للإصلاح السياسي.
والحقيقة أن الهدف الواضح من
وراء هذه الخطوة هو بعث رسالة للخارج بأن
النظام يمضي في طريق الإصلاح، كما أنها لا
تخلو من رسائل للداخل أيضا، لكن الأهم هو
الخارج.
* برأيكم ما هو البديل العملي لهذه
الخطوة لإحداث إصلاح حقيقي في مصر؟
- الإصلاح الحقيقي للأوضاع في مصر
يجب أن يبدأ بتغير قانون الأحزاب بحيث يتم
إلغاء كافة القيود التي تعترض قيام أحزاب
جديدة بدون أي شروط، لأن الأحزاب القائمة
بما فيها الحزب الوطني الحاكم فقدت
صلاحيتها، ولم يعد المواطن العادي يثق
فيها أو في جدوى وجودها، وبالتالي هذه
الخطوة كان يجب أن تسبق أي تعديل في
الدستور، لأنها يمكن أن تغير في البيئة
السياسية المصرية، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة
الحديث عن الدستور، لأن وضع مصر الحالي لا
يستطيع تغييره أي دستور مهما كان مستوى
تقدمه.
* في حالة إطلاق حرية تأسيس
الأحزاب، هل هذه الخطوة قادرة على إصلاح
ما أفسده النظام الحالي؟
- المجتمع المصري واسع وما زال فيه
خلايا حية، وإذا فتح باب الأحزاب بلا
قيود، ستقدم مجموعات من الشباب والأجيال
الجديدة على خوض التجربة، والدخول في
معترك الحياة السياسية. وميزة هذه الخطوة
أنها الوسيلة المضمونة لضخ دماء جديدة في
عروق الحياة السياسية المصرية التي أصيبت
بتصلب الشرايين، وستكون فرصة لظهور مئات
التجارب الحزبية التي في النهاية ستترك
لمصر رصيدا هائلا من الأجيال الجديدة التي
تحمل راية المسئولية والعمل للمستقبل
وبعد ذلك يمكن فتح باب النقاش حول الدستور.
* ما هي الفائدة المتوقعة شعبيا من
وراء حزمة التعديلات الدستورية؟
- لا فائدة ولن تغير شيئا في الواقع
المعقد سياسيا واقتصاديا منذ سنوات
طويلة، فالمواطن المصري يتصور أن ما يجري
بشأن التعديلات الدستورية مجرد صراع بين
قوى تبحث عن مصالحها الخاصة وليس له فيها
ناقة ولا جمل.
* هناك همس يدور في أوساط
السياسيين بأن ما يجري من تعديلات يهدف
إلى التمهيد للتوريث فما هي رؤيتك في ذلك؟
- أتصور أن النظام بضعفه الحالي
وتفسخه وعدم قدرته على حسم الأمور لن
يستطيع أن يقدم على خطوة من هذا النوع، بل
إن حالة الجمود في المجتمع المصري لن
تتغير عما كانت طوال فترة بقاء الرئيس
مبارك في الحكم. أما عن السيناريو
المستقبلي، أعتقد أن الأمر في النهاية
سيؤول إلى القوات المسلحة باعتبارها
المؤسسة الوطنية التي ما زال قطاع عريض من
الشعب المصري يثق بها ويأتمنها على
مستقبله.
* يرى البعض أن التعديلات المقترحة
تتضمن نوايا لعزل شرائح بعينها وإبعادها
عن مجرد الاشتغال بالسياسة، فما هو الواقع
الذي ينتظر هذه القوى؟
- لا شك أن التعديلات المقترحة تضع
موانع لظهور أحزاب على أسس دينية وهذه
الشروط كانت قائمة بالفعل من قبل، لكن
الجديد والخطير أيضا أن يضاف إليها منع
ممارسة السياسة "النشاط السياسي" على
أسس دينية، وهو بالطبع تضييق غير مفيد
ربما يضاعف من الأزمة التي يواجهها
المجتمع المصري الذي يواجه غيبوبة سياسية
تظهر في صورة احتقان ليس له قواعد تضبط
إيقاعه.
* حول وضع جماعة الإخوان في ظل هذه
التعديلات، هل يمكن بالفعل محاصرتها
وخنقها عبر هذه التعديلات المقترحة؟
- وضع الإخوان بالطبع سيكون أصعب،
خصوصا فيما يتعلق بمسألة ترشيحهم للمجالس
النيابية كما حدث في الانتخابات الأخيرة،
فلن يكون بوسعهم العمل تحت شعارات دينية،
لكن هذا لن يقضي عليهم ولن يؤثر كثيرا في
وضعيتهم الحالية أو السابقة لأنهم يخشون
دائما من العمل السياسي، ويفضلون العمل
الاجتماعي في الأوساط الفقيرة، ومجالهم
الحيوي دائما بين المهمشين والقطاعات
المنسية من جانب أجهزة الحكومة.
*لوح البعض من جماعة الإخوان
باللجوء للعمل الحزبي ردا على نوايا
النظام تجاههم، فهل تتوقع نجاحهم في هذا
التوجه؟
- الإخوان تجنبوا دائما العمل
السياسي الصريح، وهذا يفسر ترددهم في
التحول إلى حزب حتى في ظروف سياسية كانت
تسمح لهم بذلك، والسبب أن العمل السياسي
والحزبي ربما يضعفهم، ويوفر المجال
لتعميق خلافاتهم، وظهورها على السطح، إلى
جانب تنامي الصراعات الداخلية للجماعة
إذا قررت أن تلعب سياسة من خلال حزب شرعي
محدد، لذلك فهذه إحدى الخطوات المؤجلة
عندهم دائما.
* إذن ما تصورك للخروج من حالة
الجمود السياسي التي تعيشها مصر منذ
سنوات؟
- ما يحدث حاليا هو مثل تنطيط
القرود في الغابة، لا يوجد أي منطق لما
يجري، ولا أحد يستطيع أن يفهم جدوى كل هذا
الصراخ والتهليل في وسائل الإعلام
الحكومية حول التعديلات الدستورية،
فالأمر يقتضي أن نحدد ما هي الرؤية
الوطنية للأسس التي تقوم عليها بنية
الدولة. هناك تياران رئيسيان: الأول
يريدها دولة مدنية وأنا أتصور أنه لا يوجد
شيء في العالم اسمه دولة مدنية، وما أعرفه
أن يكون هناك مجتمع مدني وأظن أن رافعي هذه
الراية يخفون نواياهم في قيام دولة
علمانية، بينما يرفع تيار آخر في المقابل
راية الدولة المدنية بمرجعية دينية،
وهؤلاء أيضا نواياهم قيام دولة دينية، لكن
يخفونها تحت ستار المرجعية الدينية.
وبالتالي الأمر يحتاج أولا أن يحدث وفاق
وطني في مصر على الأسس التي يختارونها
لدولتهم الحديثة وبناء على هذا التحديد
يتم تفصيل الدستور وإعادة هيكلة الدولة
وفقا للقواعد التي جرى الاتفاق عليها.
* برأيكم لماذا لم يقم النظام
بخطوة كهذه، على اعتبارها كانت أولوية إستراتيجية تسبق أي
حديث عن تعديل الدستور؟
-هذا يعيدنا إلى البداية، هل
النظام يرغب في تحقيق إصلاح ونقلة حقيقية
لمصر؟. الإجابة أنه لو كان يرغب في ذلك كان
سيبدأ بتحديد أسس الدولة أولا قبل أي حديث
عن التعديلات الدستورية، لكن يبدو أن
النظام رغب في مغازلة الخارج بهذه الخطوة
ولم ينوِ إجراء تعديل جذري في بنية الدولة.
وكانت النتيجة أن تحولت مصر إلى ما يشبه
"جبلاية قرود"، تنطيط في اتجاهات غير
منتظمة وصراع شتائم واتهامات متبادلة،
والسبب في ذلك ببساطة أن النظام هو
المستفيد الأول من بقاء الوضع على ما هو
عليه حاليا من جمود، حيث يترك القرود
يتصارعون ويتصايحون بينما هو جالس مستقر
في موقعه.
|