 |
|
الدكتور عبد المنعم سعيد |
إذا كانت الدولة هي أهم أرصدة مصر
في سياستها الخارجية، فإن شكل هذه
الدولة ومشروعها الداخلي هو الذي يعطي
للرصيد قيمته وفاعليته على الساحة
الإقليمية.
ومنذ أعلن الرئيس مبارك عن مطالبته لمجلسي
الشعب والشورى بتعديل 34 مادة من
الدستور كان ذلك إيذانا بعملية سوف تستغرق
الشهور القليلة المقبلة حول إعادة تشكيل
الدولة من جديد، وعلى نتاج النقاش
والحوار الذي سوف يجري حولها سوف تكون
نظرة كل الأطراف في المنطقة لمصر وما
ستفعله، وخلال الأيام القليلة الماضية
تلقيت العديد من الأسئلة عن تقييم المطروح
وآفاقه المستقبلية وعما إذا كان أكثر مما
يجب أو أقل مما هو متاح.
وكانت إجابتي عن كل هؤلاء هو ما يلي:
أولا: أن الدستور هو ركن واحد مهم من
أركان النظام السياسي، ولكن قدرة الطبقة
السياسية في العموم على تطبيقه بنزاهة،
والتفاعل بين قواها المختلفة بحيث تحقق
الأهداف القومية حتى لو اختلفت في طريق
الوصول إليها لا يقل عنه أهمية.
وثانيا: أن التعديلات
الدستورية لم تكن أبدا هدفا في حد ذاتها،
وإنما هي جزء لا يتجزأ من عملية إصلاحية
هدفها زيادة كفاءة الدولة المصرية
وفاعليتها.
وثالثا: أن عبء الإصلاح لا يقع
فقط على أكتاف الحزب الوطني الديمقراطي،
وإنما على عاتق جميع القوى والأحزاب
السياسية بحيث يستقر الجميع على معرفة
الفارق بين الدولة النضالية ودولة
التنمية والرفاهة، والمسافة بين الدولة
التدخلية التي تنظم حياة الناس من المهد
إلى اللحد ومن الحصول على الرزق في الحياة
الدنيا حتى الحج والعمرة بحثا عن المغفرة
في الحياة الآخرة، والدولة الفاعلة التي
تطلق العنان لمواطنيها للمشاركة والإبداع
في وطن حر.
ورابعا: أنني خلال السنوات
القليلة الماضية، وطوال عام 2006
تحديدا طرحت مجموعة من الأفكار حول ضرورة
تغيير الدستور كله حتى يكون مستندا إلى
فلسفة سياسة واحدة تقوم على النظام
الرئاسي الديمقراطي، وباختصار تبتعد عن
المدرسة القانونية والفقهية الفرنسية
القائمة على خلط الأنظمة واضطرابها على
الأقل عند التطبيق لدينا.
نحن أمام عملية جادة
ولما بدا ذلك مستعصيا طرحت
مجموعة أخرى لتعديل الدستور قامت كلها على
التخلص من الأوضاع الاستثنائية التي لا
يعرفها بلد آخر في العالم بحيث تكون مصر في
النهاية دولة طبيعية تحكمها فلسفة مدنية
ديمقراطية تكفل المساواة والمشاركة
وتداول السلطة في آجال معلومة.
وللحق فإن ما طرحته لم يكن أبدا
موضع ترحيب كبير من قبل قوى سياسية متعددة
حتى صرت في موضع الأقلية في كل الأوقات،
ففي داخل الحزب الوطني الديمقراطي كانت
المقترحات أكثر جذرية مما ينبغي وقافزة
إلى مراحل من التطور لم يأت أوانها بعد.
وبالنسبة لجماعات الإسلام
السياسي فقد كان مفهومي للدولة المدنية
مخالفا لما يطرحونه لدولة دينية ذات غلاف
مدني. وفي الأحزاب القومية واليسارية،
فقد كانت الدولة التي يريدونها نضالية
أكثر منها ديمقراطية، وتدخلية في شئون
البشر بأكثر من الثقة في قدرتهم على
ممارسة الحرية، وحتى بالنسبة للقوى
الليبرالية فقد كانت مقتنعة بفكرة
الجمهورية البرلمانية إلى الدرجة التي
جعلتها لا تقبل بأية فكرة أخرى.
مثل هذه الاختلافات والمسافات
والمفارقات أصبحت الآن متروكة للتاريخ
يحسمها، ويقرر مدى الصحة فيها من عدمها،
وحسبنا فيها كان أمانة الكلمة وصدق النية،
وما لدينا الآن ـ مهما تكن التفضيلات
الشخصية ـ هو أكبر عملية للتعديلات
الدستورية عرفتها مصر في تاريخها المعاصر.
وعندما يجري تعديل 34 مادة من
الدستور فإننا نصبح أمام عملية جادة ينبغي
أخذها بكل الجدية اللازمة خلال الفترة
المقبلة من الحوارات والنقاشات، فلا
يصادرها تلاعب في محتواها أو عبث في
مقاصدها أو ضجيج يشكك في نواياها.
ووفقا للدستور المصري فإن هناك
ستين يوما كاملة يطرح فيها الموضوع برمته
للنقاش العام داخل مجلسي الشعب والشورى
وجلسات الاستماع، وبالطبع أجهزة
الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. وهي
فترة تعرف في التقاليد الدستورية باسم
التروي أي تلك الفترة يتم فيها التمعن
بالفكر والحكمة فيما هو معروض قبل اتخاذ
قرار أو قرارات مصيرية، وهو ما لا يتم
إلا من خلال الإجابة عن أسئلة أساسية يكون
لها معاييرها ومقاييسها الواضحة حتى لا
يضيع عن النقاش جديته، وعن الحوار
صراحته.
الأسئلة الخمسة الكبرى
وأول الأسئلة المطروحة يتعلق
بالفلسفة الأساسية الحاكمة للدستور.
وطبقا لخطاب الرئيس لمجلسي الشعب والشورى
فإن التوجه يسير إلى التخلص من الاشتراكية
كفلسفة حاكمة من ناحية، وتأكيد طبيعة
الدولة المدنية القائمة على أساس من
المواطنة من ناحية أخرى.
هذا التوجه يصحح المفارقة الكبرى
بين الدستور الحالي وواقع الحياة
الاقتصادية والاجتماعية الذي تغير خلال
العقود الماضية نحو اقتصاد السوق الحر،
كما يرفع الالتباسات المقصودة وغير
المقصودة المتعلقة بالمادة الثانية من
الدستور والتي يحاول بعضنا جعلها بديلا
للدستور كله، ولاغيا في الواقع العملي
المادة الثالثة التي تقول بأن الشعب،
والشعب وحده، هو مصدر السلطات. هنا
فإن القضية التي سوف يواجهها المشرع هي
الكيفية التي عليها يتم تحقيق الوضوح ومنع
الالتباس والسماح بالتوافق بين دستور لم
يعد اشتراكيا مع بقاء تمييز خاص بالعمال
والفلاحين، كان شعارا لمرحلة، ومضت
المرحلة وبقي الشعار؟!.
والسـؤال الثـاني يتـعلق بما هـو
معـروف في الفقـه الدسـتـوري بالتوازن
والأثقـال المضــادة Checksand Balances بمعنى
أن تكون لكل سلطة ـ التنفيذية والتشريعية
والقضائية ـ قدرة على ضبط وموازنة السلطات
الأخرى فلا تجور واحدة على الأخرى.
وفي الحقيقة فإن التعديلات
الراهنة تشكل توجها حميدا نحو إعادة توزيع
السلطات بين رئيس الجمهورية ورئيس
الوزراء، وما بين السلطة التنفيذية
والسلطة التشريعية، بحيث أصبح رئيس
الوزراء أكثر استقلالية عن الرئيس،
كما أصبح البرلمان أكثر قدرة على المراقبة
والحساب.
هذه التعديلات تدفع النظام
السياسي المصري لكي يكون أكثر قربا من
النظام السياسي الفرنسي، ويصبح السؤال
هو: لماذا لا نقطع في أثناء صياغة
التعديلات تلك المسافة المتبقية بين
النظامين ونجعل رئيس الوزراء منتخبا هو
الآخر، ونشترط موافقته على أمور حددها
الدستور بدلا من مشورته، ونلغي منصب
نائب رئيس الجمهورية مادام رئيس الوزراء
سوف يحل محله في مناسبات حددها الدستور؟.
السؤال الثالث يتعلق بالمادة
88 الخاصة بالإشراف القضائي على
الانتخابات، وهنا فإن المشروع المقترح
يعطي للقضاء دورا يتماشى مع مستقبل
العملية الانتخابية والرغبة في عقدها في
يوم واحد، وقدرة الجهاز القضائي على
القيام بواجباته الأصلية في المجتمع.
ومع التسليم برجاحة الحجج المطروحة،
وأنه مع زيادة عدد الناخبين واللجان
الانتخابية سوف يستحيل على الجهاز
القضائي الوفاء بمسئولياته الانتخابية
خلال مدة معقولة ثم العودة لممارسة مهامه،
إلا أن القضية في الواقع هي نزاهة
الانتخابات العامة وليس من يقوم بالإشراف
عليها.
فالسؤال هنا ليس حول شكل معين من أشكال
الإشراف على الانتخابات وإنما حول
مصداقية العملية كلها.
وللحق فإن مصداقية الانتخابات في
مصر لم تكن أبدا مما يشهد لها، ومن ثم
فإن وظيفة المشرع في هذه النقطة هي التأكد
من هذه المصداقية سواء من خلال الرقابة
الشعبية وحتى الدولية ومن خلال منح السلطة
القضائية حق الحكم في المنازعات الخاصة
بسلامة الانتخابات بحيث لا يكون مجلس
الشعب ـ أو حزب الأغلبية في الحقيقة ـ سيد
قراره.
والسؤال الرابع يخص العلاقة بين
حماية الحريات الخاصة وحماية البلاد من
الإرهاب وهو الأمر الذي كان نتيجته وفقا
للأوضاع الراهنة فرض حالة الطوارئ على
البلاد لسنوات طويلة للتخلص عمليا من نصوص
دستورية لم تسمح للسلطات العامة بالقيام
بمهامها.
ولكن القضية لها وجهان، واحد
منها يخص قدرة السلطة العامة على منع
العمليات الإرهابية، والآخر يتعلق
بإساءتها استخدام هذا الحق بحيث يجور على
حقوق الأفراد. فلا يوجد في مصر من لا
يريد حماية البلاد من الإرهاب,، وإنما
يوجد الكثيرون الذين يخشون من استخدام هذا
السبب لمخالفة حقوق الإنسان.
مثل هذه المعضلة لم تواجهنا
وحدنا، ولكنها واجهت كل بلاد العالم
الديمقراطية، ولم يكن حلها بالجور على
حقوق الأفراد، أو حقوق المجتمع،
وإنما من خلال التفرقة ما بين الإجراءات
اللازمة لإحباط العمليات الإرهابية،
والإجراءات اللاحقة على هذا الإحباط بحيث
تحترم حقوق الأفراد فلا يجور عليها جائر،
ولا ينتهك قدسيتها منتهك، وتكون في كل
الأحوال مقيدة الزمن إلى أقصي درجة،
وخاضعة للرقابة المباشرة من النيابة
العامة والقضاء.
والسؤال الخامس والأخير ـ على
الأقل فيما يتعلق بهذا المقام ـ فهو خاص
بتعديل التعديل في المادة 76 من الدستور
والتي تخص انتخاب رئيس الجمهورية،
وهذه المرة سوف يكون مفيدا التعلم من
التجربة السابقة، فلا ننسى أن الأصل في
الموضوع هو إتاحة الفرصة وضمان الجدية،
وكلاهما لا يتناقصان إذا ما صدقت النية
وصلح القصد.
ويصبح السؤال في هذه المادة،
إذا كنا نريد أن نشجع النظام الحزبي من
خلال مزايا خاصة للأحزاب، فكيف نفعل ذلك
في مجتمع غالبيته من المستقلين؟ وهي معضلة
يحلها نظام يعطي الأحزاب فرصا حقيقية في
الفوز والوصول إلى السلطة وهو ما لم يحققه
النظام الحالي، وهل يمكن حل هذه المعضلة
ما لم يتم التعرض للمادة 77 غير
المعروضة للتعديل؟ إنها أسئلة صعبة ولكن
الإجابة عنها أكثر صعوبة؟!.
|