 |
|
بعد التعديلات الدستورية هل تختفي المعارضة الحقيقية بالبرلمان المصري؟ |
برغم أنها أضخم وأهم تعديلات
دستورية مرتقبة من نوعها منذ دستور عام 1923،
وتمثل حسب وصف الحزب الحاكم "ثورة
تشريعية إصلاحية"؛ لأنها تشمل 34 مادة من
211 وبنسبة 16% من مواد الدستور، فقد فتحت هذه
التعديلات الباب أمام جدل سياسي حاد في
مصر بين المتفائلين بأنها خطوة على طريق
الألف ميل، والمتوجسين من أن تكون
انقلابًا دستوريًّا غرضه تحجيم المعارضة
خصوصًا جماعة الإخوان المسلمين والتمهيد
للتوريث.
ومردّ ذلك أن بعض التعديلات
الدستورية تبدو ظاهريًّا بمثابة ثورة
تشريعية في اتجاه تقليص بعض صلاحيات رئيس
الجمهورية وإشراك مجلس الوزراء والبرلمان
في "التشاور" حول بعض القرارات،
وإعطاء نواب البرلمان صلاحية سحب الثقة من
الوزارة، فضلاً عن تغيير النظام السياسي
الرسمي من اشتراكي إلى حر.
بيد أن التمعّن في النتائج
الفعلية المترتبة على الحزمة الكبرى من
المواد المطلوب تعديلها، يشير بوضوح إلى
بوادر "انقلاب تشريعي" يستهدف بشكل
أساسي إبعاد القوى السياسية الأكثر
تأثيرًا خصوصًا جماعة الإخوان وإقصاءهم
تمامًا على طريقة عام 1954 ولكن بصورة "دستورية"
لا "أمنية"، فضلاً عن ضمان سيطرة
الحزب الوطني الحاكم -بالدستور- على
السلطة.
ويمكن رصد إيجابيات وسلبيات
التعديلات المقترحة وفق ردود الأفعال
المختلفة على النحو التالي:
إيجابيات التعديلات
بشكل عام يمكن الإشارة إلى أن أهم
الإيجابيات تتركز في:
1- تفتح هذه التعديلات الطريق
أمام دوران عجلة التغيير، فهذه هي المرة
الأولى منذ عام 1980 التي تقبل فيها مؤسسة
الحكم بتعديلات ضخمة في مواد الدستور،
بعدما كان رئيس الدولة وكبار المسئولين
يرفضون تمامًا تغيير الدستور ويعتبرونه
خطًّا أحمر لا تسمح الظروف بتعديل واسع له.
2- تنهي التعديلات المقترحة
الازدواجية الموجودة في الدستور، خاصة ما
يتعلق بهوية مصر كدولة "اشتراكية"،
في حين أن الاقتصاد يدار بطريقة رأسمالية،
وما يتبع هذا من وجود كيانات غير واقعية
مثل "المدعي الاشتراكي" و"محكمة
القيم".
3- وفقًا للتعديلات سيكون هناك
دور أكبر لرئيس مجلس الوزراء في سياسة
الدولة، ودور آخر للبرلمان في محاسبة رئيس
الوزراء وسحب الثقة من الحكومة وتعديل
مشروع موازنتها، وهي أمور جديدة لم تكن
متاحة سابقًا، ما يعني إمكانية إقالة
البرلمان للحكومة في حالة سحب الثقة منها.
4- إلغاء الفصل السادس من المادة
179 والمتعلقة بقانون الطوارئ بهدف التمهيد
لإصدار قانون جديد ودائم لمكافحة الإرهاب
بدل قانون الطوارئ. وتعتبر تلك الخطوة هي
الأهم باتجاه الإلغاء الفعلي لحالة
الطوارئ المطبقة منذ أكثر من ربع قرن
متواصلة، بصرف النظر عن المخاوف من أن
يتضمن القانون الجديد نفس القيود على
الحريات.
5- إعادة تعديل المادة 76 المثيرة
للجدل بشأن شروط الترشيح لرئاسة
الجمهورية، بما يسمح بحذف أحد أعقد شروط
الترشح لممثلي الأحزاب (حصول الحزب على
تزكية 65 عضوًا من مجلس الشعب، و25 عضوًا من
مجلس الشورى، و250 عضوًا من المجالس
المحلية، و140 من أعضاء المجالس الشعبية في
المحافظات، إضافة إلى 20 عضوًا من أي من تلك
المجالس السابقة) بما يتيح للأحزاب فرصة
أكبر للمشاركة، وذلك رغم الإبقاء على ذات
الشروط التعجيزية بالنسبة للمستقلين.
6- سيقلص التعديل المقترح للمادة
74 بعض سلطات رئيس الجمهورية بخصوص حل
البرلمان "إذا قام خطر يهدد الوحدة
الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات
الدولة عن أداء دورها الدستوري"، وذلك
ضمن (الإجراءات السريعة) التي كان الرئيس
يتخذها غالبًا لمواجهة هذا الخطر، كما
سيفرض عليه التشاور مع رئيس مجلس الوزراء
ورئيسي غرفتي البرلمان، حيث طالب مبارك بـ"مزيد
من الضمانات" في استخدام السلطات التي
تتيحها هذه المادة من خلال النص على ضرورة
أن يتخذ الرئيس هذه الإجراءات "بالتشاور"
مع رئيس الوزراء ورئيسي غرفتي البرلمان
وألا يحل مجلس الشعب (الغرفة الأولى
للبرلمان) عند ممارسته للسلطات التي
تخولها له هذه المادة.
سلبيات التعديلات
أما أبرز السلبيات التي يمكن
رصدها من خلال تعليقات بعض القوى السياسية
فتدور حول:
1- لم تصل التعديلات إلى مرتبة
تحويل مصر لنظام برلماني كامل كما يطالب
المعارضون، ولا هي أبقت على النظام
الرئاسي الخالص، بحيث يبدو من بعض المواد
أن النظام "رئاسي"، ويبدو من مواد
أخرى أنه "برلماني".
2- تبدو بعض التعديلات متعارضة مع
مواد أخرى لم يتم تعديلها، مثل تعارض
المواد 82 و84 فالمادة 82 تنص على أنه "إذا
قام مانع مؤقت يحول دون مباشرة رئيس
الجمهورية لاختصاصاته أناب عنه نائب رئيس
الجمهورية"، وتعديلها يسمح بحلول رئيس
مجلس الوزراء (محل رئيس الدولة) عند تعذر
حلول نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس،
ولكن المادة 84 تنص على أنه "في حالة خلو
منصب رئيس الجمهورية أو عجزه الدائم عن
العمل، يتولى الرئاسة مؤقتًا رئيس مجلس
الشعب، وإذا كان المجلس منحلاًّ حل محله
رئيس المحكمة الدستورية العليا، وذلك
بشرط ألا يرشح أيهما للرئاسة". وقد أثار
هذا التعارض التساؤل حول من يحل محل
الرئيس في حالة غيابه أو تعذر قيامه
بمسئولياته: رئيس البرلمان أم رئيس
الوزراء؟ وخاصة بعد تصريحات للمستشار عبد
الرحيم نافع رئيس اللجنة الدستورية بمجلس
الشورى حول استبعاد رئيس مجلس الشعب
والمحكمة الدستورية العليا من الحلول محل
رئيس الجمهورية، وبعدما نقلت صحف عن خبراء
حكوميين ردهم بالنفي والقول إنه لا مساس
باختصاص رئيس مجلس الشعب أو رئيس المحكمة
الدستورية!.
3- تعديل المادة 40 بإضافة فقرة
ثالثة تنص على "حظر مباشرة أي نشاط
سياسي أو حزبي أو قيام الأحزاب على أساس
الدين أو الجنس أو الأصل..."، يستهدف ليس
فقط منع القوى الدينية (الإخوان والأقباط -
حزب "الأمة المصرية" - أو الشيعة أو
غيرهم) من تشكيل حزب سياسي، ولكن خطورة هذه
الفقرة أنها تتحدث عن حظر ومنع (النشاط
السياسي) أيضًا، مما قد يعني استخدامها
مستقبلاً في تشريع قوانين تحظر القوى
الإسلامية المتنامية خصوصًا الإخوان
عمومًا، وبما يعطي الحكومة الحق في مصادرة
أي نشاط سياسي للإخوان ببنود الدستور.
وربما يكمل دائرة الحصار هذه حول التيار
الإسلامي تعديل المادتين 62 و94 وتوقع
سياسيين الأخذ بنظام القائمة النسبية
الذي يقصر المشاركة في الانتخابات على
الأحزاب دون المستقلين، ومن ثَم استبعاد
جماعة الإخوان المسلمين، أكبر كتلة
برلمانية معارضة، من الدفع بمرشحين
مستقلين وحصر إمكانية الدفع بمرشحين لها
على تحالفها مع أحد الأحزاب الرسمية.
4- السلبية الكبرى هي استبعاد
القضاة عمليًّا عن الإشراف على كل مراحل
الانتخابات، والحديث عن تشكيل هيئة
قضائية تشرف على إجراء الانتخابات في يوم
واحد فقط (المادة 88)، بدعوى أن هناك 54 ألف
لجنة انتخابية بينما يبلغ عدد القضاة
حوالي 11 ألفا فقط، حيث ترغب الحكومة في قصر
إشراف القضاء أثناء الانتخابات على رئاسة
أعضاء الهيئات القضائية في اللجان
الرئيسية فقط دون الفرعية، بدعوى أن عدد
القضاة غير كاف للإشراف على اللجان
المتزايدة، وهو ما تعتبره المعارضة
والقوى السياسية المستقلة يكشف عن نوايا
تزوير للانتخابات ويستهدف تقليص دور
القضاة في الانتخابات.
5- رغم إعطاء التعديلات (المادتين
194 و195) اختصاصات تشريعية أكبر لمجلس
الشورى وإعطائه "حق الموافقة" على
بعض الموضوعات الواردة في اختصاصاته
المنصوص عليها حاليًّا بدلاً من اعتبار
"رأيه غير ملزم"، فلم يتم تغيير طريقة
تشكيل المجلس التي تنص على تعيين رئيس
الجمهورية ثلث أعضاء هذا المجلس وانتخاب
الثلثين الآخرين، مما يعني أنه قد يصبح
وسيلة -مع سيطرة نواب الحزب الحاكم
المعينين- لتمرير بعض القوانين الحكومية
في حالة اعترض عليها مجلس الشعب.
6- فرقت التعديلات الدستورية بشكل
واضح بين الحزبيين والمستقلين، وأعطت
تسهيلات للفريق الأول في حين ضيقت الخناق
على الفريق الثاني بشكل أكبر رغم أن
الأحزاب لا تمثل سوى 15% من المصريين وفق
بعض التقديرات، في حين يمثل المستقلون 85%
من الشعب.
7- لم تتطرق التعديلات للمادة 77
المثيرة للجدل بشأن تحديد مدد توالي
الرئيس السلطة بعدما تم إطلاق هذه المدد
عقب تعديل عام 1980، وكانت في دستور 73 دورتين
رئاسيتين فقط، مما يعني السماح ببقاء أي
رئيس لمصر عدة دورات متتالية مدى الحياة.
دلالات ونتائج التعديلات
الدستورية
من أبرز النتائج التي ستترتب على
هذه التعديلات إقصاء جماعة الإخوان وبعض
القوى المعارضة عن البرلمان بشقيه (الشعب
والشورى) عمليًّا، خاصة إذا ما أخذ بنظام
القائمة النسبية، خصوصًا أنه تم تأجيل
انتخابات الشورى لمنتصف العام 2007،
ومطاردة "اسم" الجماعة وحظر نشاطها
بعدما رفعت شعاراتها واسمها في
الانتخابات النيابية الأخيرة، وربما لهذا
أبدى الدكتور حمدي حسن المتحدث باسم نواب
الجماعة مخاوفه من أن يؤدي نص التعديل
الجديد إلى "منع الجماعة من مواصلة
ممارسة أنشطتها السياسية"، فيما قالت
الجماعة في بيان لكتلتها البرلمانية: "إن
إعطاء ضمانة دستورية لملاحقة المواطنين
تحت ذريعة مكافحة الإرهاب سيؤدي إلى إطلاق
يد المؤسسة الأمنية على اختلاف أجنحتها
وهيئاتها لتعبث بمقدرات الشعب دون عاصم
ولا رقيب، واستمرار انتهاكها الدائم
للحقوق والحريات، بل ولكرامة المواطنين،
واستخدامها لقمع المخالفين السياسيين".
ولأن واقع الحال السياسي يشير
لضعف حالة الأحزاب وبروز قوة سياسية واحدة
ذات طبيعة دينية هي الإخوان، فقد بدا أن
واضعي التعديلات يريدون تحجيم قوة
الإخوان من جهة ومحاصرتهم ومنعهم -دستوريًّا-
من أي نشاط بحيث يسهل تجريمهم بالقانون
وتجريم الانضمام للجماعة (على الطريقة
السورية)، مع إعطاء هذه القيود الدستورية
على الإخوان طابعًا ديمقراطيًّا بإظهار
أن الهدف منها هو تعظيم قوة الأحزاب
الشرعية وتنشيطها على المدى البعيد.
أيضًا من شأن هذه التعديلات أن
تحصر المعركة الانتخابية فعليًّا بين
الحزب الوطني الحاكم وبضعة أحزاب ضعيفة لا
وجود لها في الشارع السياسي (أكبر حزب
معارض حصل على أقل من 1% في انتخابات 2005)،
كما أن غياب الإشراف القضائي الكامل
المتوقع قد ينهي عصر الانتخابات الحرة تحت
الإشراف القضائي الكامل في كل الدوائر
والتي استمرت فترة قصيرة تعادل بضعة
أعوام، وسمحت بوصول معارضين للبرلمان
خصوصًا جماعة الإخوان التي حصلت على 20% من
المقاعد البرلمانية عام 2005.
ولذلك من النتائج الأخرى
المتوقعة تضييق الخناق على القضاة
الإصلاحيين من أعضاء أندية القضاة ممن
وقفوا ضد عمليات تزوير الانتخابات وشجعوا
على محاكمة المزورين والقائمين على
التعذيب في السجون ومراكز الشرطة،
وإبعادهم عن مركز القوة (الانتخابات) الذي
كانوا يعتصمون به، خصوصًا بعدما أعلن
المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي
القضاة مقاطعة القضاة لعملية الإشراف على
الانتخابات تمامًا إذا أصرت الحكومة على
أن تتم الإجراءات "بالمقاسات التي
تفرضها".
أيضًا ورغم إيجابية تعديل البند
الخاص بالاشتراكية، فإن البعض يرى أن هذا
التعديل يطلق يد لوبي رجال الأعمال في
الحياة الاقتصادية والسياسية معًا،
خصوصًا أن محمد أبو العنين رئيس لجنة
الصناعة والطاقة بالبرلمان وعضو الحزب
الحاكم قال: "إن هذه التعديلات جاءت
لتخدم قطاع الأعمال والاستثمار والصناعة
وكل ما يتعلق بالبيزنس في مصر، خاصة أنها
نصت على حرية الرأسمالية التي طبقتها دول
كبرى منذ أزمنة ونجحت بدورها في قيادة
اقتصاديات تلك الدول نحو مستوى أرفع".
دلالات التعديلات
ويبقى أن هذه التعديلات لها
دلالات هامة: فلأن هناك هاجسًا أثاره
العديد من الكتاب والسياسيين بشأن
المخاوف من حالة عدم الاستقرار السياسي في
حالة غياب رئيس الجمهورية لأي سبب، خصوصًا
في ظل رفض الرئيس مبارك تعيين نائب له، فقد
جرى تعديل المواد المتعلقة بهذا الأمر؛
لضمان عدم حدوث هذا الفراغ السياسي كما هو
الحال في المادتين 82 و84، ولكن هذا فتح
الباب أيضًا لإمكانية حدوث التوريث
مستقبلاً لنجل الرئيس -ولو في صورة
انتخابات رئاسية تنافسية عادية- لأن
التعديلات اهتمت بتعبيد الطريق بصورة أو
بأخرى لمرشح الحزب الحاكم بصورة عامة (الوريث
أو غيره) في صورة حجب المستقلين عمليًّا عن
الترشيح بالإبقاء على شروط الترشيح
الصعبة للمستقلين (الأقوى) مع التيسير على
المرشحين الحزبيين (الأضعف).
وضمن هذا أيضًا جاءت تعديلات "تقليص
بعض سلطات الرئيس" وتوفير "مزيد من
الضمانات" لقرارات الرئيس، وفرض تشاوره
مع رئيس الوزراء ورئيسي غرفتي البرلمان (المادة
74) بغرض تحصين حكم الرئيس الجديد (الأقل
خبرة) وحمايته من اتخاذ قرارات غير مدروسة.
|