بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 18ذي الحجة  1427 هـ -07/01/2007 م

مصر » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين

 

سيناريو التحول الليبرالي في توجهات كل القوى

د. معتز بالله عبد الفتاح**

هل يتمكن إخوان مصر من تثبيت الطابع المدني لا الديني لجماعتهم؟

يقوم هذا السيناريو على افتراض: برجماتية الحزب الوطني + برجماتية الإخوان + برجماتية الأحزاب المدنية، وهو بديل يترك للأحزاب المدنية فرصة الاختيار بين التنسيق مع الحزب الوطني أو التنسيق مع جماعة الإخوان. ويبدو أن اختيار أحزاب المعارضة المدنية محسوم لصالح التنسيق مع الحزب الوطني طالما أنه على استعداد للتفاوض وتقديم عروض تضمن نقلة نوعية في الحياة السياسية على حساب الإخوان الذين لا يأمنون جانبهم.

فمن وجهة نظر الأحزاب المعارضة المدنية فإن التحالف مع الإخوان ضد الحزب الوطني يعني معركتين إحداهما حالة مع الوطني وأخرى محتملة مع الإخوان متى نجح التحالف ضد الحزب الوطني؛ لأن الإخوان هم أصحاب الثقل الأكبر في الشارع المصري، وغالبا ما سيهمشون الأحزاب المدنية عند قيادة المعارضة أو إذا أقصوا الحزب الوطني عن سدة الحكم. فالديمقراطية ليست قيما والتزامات مسبقة فقط ولكنها قبل كل شيء نوع من التوازن في القوة بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة، وهو ما تعلم الأحزاب المعارضة أنها لا تملكه في مواجهة الإخوان المسلمين.

وعلى هذا، وبفرض أن الفاعلين المختلفين يقرءون الساحة السياسية على النحو السابق، فإن الحزب الوطني، بفرض الرشاد، سيكون من الأفضل له ألا يرتكب خطأ توحيد أعدائه ضده وإنما عليه أن يوسع ما بينهم من شروخ وفجوات، وهي قائمة بالفعل، بألا يتبنى إستراتيجية التعنت لأن هذا يجعل التناقضات البينية (أي بين القوى المعارضة بما فيها الإخوان) تختفي لصالح التناقض الأكبر مع الحزب الحاكم، فنكون أمام خندقين: خندق الحزب الوطني (ونتذكره أن أصحاب الهلال والجمل حصلوا فقط على 33% من أصوات الناخبين في انتخابات 2005) وخندق كافة القوى المعارضة والمستقلة الأخرى ومعها قطاعات واسعة من الشعب المصري التي دفعت فاتورة "الإصلاح الاقتصادي" على مدى 25 عاما.

وبالتالي تكون الإستراتيجية المثلى للحزب الوطني هي أن يدخل في حوار مباشر مع الأحزاب المدنية بل وفي صفقات تضمن لهم نسبة من مقاعد مجلسي الشعب والشورى بما يضيق الخناق على الإخوان المسلمين. فالمعارضة المصرية لم تكن بمثل هذا القدر من التقارب في الأهداف السياسية، وعلى رأسها الإصلاح الدستوري، ربما طوال تجربة التعددية منذ أواخر السبعينيات. وعلى هذا سيسدي الحزب الوطني لنفسه خدمة كبيرة إذا ما نجح في توسيع الشروخ بين قوى المعارضة المدنية التي هي متفقة معه على استبعاد التيار الديني من الحياة السياسية، وبين الإخوان المسلمين.

وبفرض الرشاد أيضا، فإن الإستراتيجية المثلى لأحزاب المعارضة المدنية أن تتبنى البرجماتية (أي التعاون) تجاه من يقدم على التعاون معها سواء كان الحزب الوطني أو الإخوان المسلمين، وإن أقدم الطرفان ببرجماتية على التعاون معها فهي ستفضل المكسب المعقول مع الحزب الوطني عن المكسب الأقصى مع الإخوان المسلمين. وقد أفصحت أحزاب المعارضة المدنية عن نزعتها البرجماتية تجاه الحزب الحاكم في جولات الحوار حول تعديل المادة 76 بيد أن تعنت الحزب الوطني وقف حائلا دون استمراره. ولو خيرت الكثير من الأحزاب السياسية المصرية، لا سيما اليسار، بين استمرار الحزب الوطني في السلطة وبين وصول الإخوان للحكم فإنهم سيفضلون استمرار الحزب الوطني شريطة أن يكون حتى لو كان الثمن هو القبول بالتوريث المشفوع بإصلاحات سياسية حقيقية على النحو الذي أشرنا إليه. وهي رؤية محققة لذاتها، فشيوعها يعطي إشارة واضحة للإخوان باستحالة التحالف مع اليسار فيزدادون هجوما عليه ورفضا للتعاون معه بما يخلق فجوة أكبر بين قوى المعارضة.

وبفرض الرشاد أيضا، فإن الإخوان المسلمين مطالبون بألا يظنوا أنهم الأقوى على الساحة بحكم تآكل شرعية الحزب الوطني وهشاشة أحزاب المعارضة المدنية؛ فحاجة قيادات الحزب الحاكم للتنسيق مع المعارضة المدنية قد تعني أن يفقد الإخوان (حرب المواقع) إذا ما نجح التحالف المدني بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة في تشديد القيود على قدرة الإخوان على اختراق المجالس المحلية والتشريعية (مثلما حدث مع النقابات). فعكس ما قد يبدو للعيان، ووفقا لهذا التحليل، فإن نتائج الانتخابات التشريعية السابقة، وإن أعطت مؤشرا بالغ الوضوح على قوة الإخوان، لكنها ربما تكون آخر فرصة لهم كي يحققوا مكاسب من هذا القبيل. والمثال الذي يحضرني هو تحالف قوى الغرب على دولة محمد علي في منتصف القرن التاسع عشر؛ فوصول الإخوان إلى الأغلبية في مجلس الشعب، خط أحمر لن يقبل به الحزب الوطني حتى لو كان البديل استخدام أدوات التدخل الصلب أو التنسيق مع المعارضة المدنية أو الجمع بينهما.

ومن هنا فإن البديل الأمثل للإخوان قد يكون في تخليهم عن "النرجسية" السياسية وأن يسارعوا، والزمن حقيقة ليس في صالحهم، إلى أن يتقاربوا سياسيا مع قوى المعارضة الأخرى، وأن يهرولوا نحو تأكيد طابعهم المدني والتخلي عن الجانب الدعوي وإلا فإن الحزب الحاكم، وبفرض الرشاد أيضا، سيحكم الخناق عليهم بعزل قدرتهم على بناء تحالفات أوسع مع المعارضة أو الحصول على عدد أكبر من المقاعد في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى ثم المحليات ثم مجلس الشعب في 2010. وآليات التعديل الدستوري والتشريعي لتقليم أظافر الإخوان متوفرة بتوسيع فرص الأحزاب في الترشح للانتخابات كقوائم نسبية دون إتاحة فرصة مماثلة للمستقلين بما يضعف من قدرة الإخوان على تحقيق مراكز متقدمة في الانتخابات.

ومهمة الإخوان في تبديد مخاوف المعارضة المدنية ليست سهلة على الإطلاق؛ فالتحالف مع الإخوان ليس البديل الأمثل من وجهة نظر المعارضة إلا إذا تعنت الحزب الوطني ورفض الاستجابة لبعض مطالبهم على الأقل. فلا أحد يحب أن ينام بجوار الفيل (كناية عن الإخوان)، كما يقول المثل الإنجليزي؛ لأن أي حركة منه تعني الموت لمن يجاوره.

إن تنسيق الحزب الوطني مع قوى المعارضة المدنية يبدو السيناريو الأقرب إلى الرشاد السياسي بيد أن هذا لا ينفي احتمال مستبعد عملا ولكنه مطروح نظريا وهو "الصفقة السياسية" القائمة على التنسيق البرجماتي بين الحزب الوطني والإخوان حيث تخشى قيادات الحزب الوطني أن تعبئ جماعة الإخوان كافة طاقاتها للوقوف ضد من يرغب الحزب الوطني في تسميته للرئاسة، وتحديدا إذا كان هو جمال مبارك، فضلا عن قدرة الجماعة على إحداث نقلات نوعية في فكرها وممارساتها بالقدر الذي يزيل أو يقلل ما يثار من مخاوف قائمة بشأنها اليوم. ويجعل احتمال الصفقة مطروحا، ولو نظريا، أن النخبة الجديدة في الحزب الوطني قد ترغب في أن تؤسس لشرعيتها على أساس انفراجة ديمقراطية وبالتالي فقد يصل الأمر إلى حدوث مقايضة ما بين الجانبين سوف تأتي بآثار ونتائج إيجابية على مستوى التحول الديمقراطي في مصر.

هذا الأمر قد يكون مدخلا جوهريا للأخذ بالبديل التركي في كيفية استيعاب التيارات الإسلامية، وهو ما يمكن أن يطلق عليه "نموذج الاستيعاب الديمقراطي". وهذا بديل ديمقراطي أيضا لكنه يختلف في بنيته المؤسسية عن البديل الألماني السابق الإشارة إليه، من حيث إنه يستوعب جميع القوى التي تقبل نظريا بقواعد الدولة المدنية والديمقراطية، ويراقبها من خلال مؤسسة تسهر على حماية القواعد فوق دستورية supra-constitutional والتي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها كما لا يجوز العمل على تغييرها أو تعديلها بحكم الدستور نفسه.

ولأهمية الأخذ بهذا النموذج ومناسبة تطبيقه في الحالة المصرية، وبغض النظر عما يمكن أن يؤول إليه الوضع السياسي مستقبلا بين الحزب الوطني وجماعة الإخوان، يمكن الاستفاضة قليلا في شكل هذا البديل كحل يمكن أن يحل كثيرا من الإشكالية الديمقراطية في مصر.

الحقيقة أن التجربة التركية ليست الوحيدة في التخوف الشديد من استمرارية الديمقراطية. فكم من دول تحولت ديمقراطيا، لكنها انكسرت بوصول قوى غير ديمقراطية إلى سدة الحكم، فكانت بمثابة ديمقراطية المرة الواحدة. ومن هنا يطرح المدخل المؤسسي في نظريات النظم السياسية فكرة بناء أطر مؤسسية تنشأ وتحافظ على الطابع المدني والديمقراطي والليبرالي للدولة. وهو ما يقتضي أن يتم تضمين الدستور آليات تسمح بحق جميع القوى السياسية التي تلتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية في أن تكون جزءًا من الإطار السياسي للدولة من ناحية، شريطة عدم الركون لنوايا الفاعلين السياسيين بشأن التزامهم بالديمقراطية. وهو ما يتطلب تفتيت السلطة بين القوى السياسية المختلفة على نحو لا يجعل أيا منها، إسلامية كانت أو غير إسلامية، أن تغير قواعد اللعبة السياسية في مصلحتها متى وصلت إلى الحكم. وفي هذا المقام يمكن أن تتخذ إجراءات ثلاثة على وجه التحديد:

1 - خوفًا من أن يؤدي وصول الإسلاميين أو غيرهم للسلطة إلى استبعاد منافسيهم، فإنه يمكن أن ينص في الدستور على ألا يكون رئيس الدولة، في الدول الجمهورية، من نفس الحزب الذي يشكل الحكومة. فضلاً على ألا يسيطر الحزب الذي يسيطر على أحد المجلسين التشريعيين، وليكن مجلس النواب، على أكثر من ثلث مقاعد المجلس الآخر، وليكن مجلس الشورى، حتى نضمن أن تظل دائما القرارات "توافقية" بين أكبر عدد ممكن من القوى السياسية المختلفة.

2 - خوفًا من أن تؤدي الديمقراطية إلى فنائها بتصويت المواطنين لقوى غير ملتزمة بالديمقراطية وبأصول الدولة المدنية، فإنه يمكن تضمين قواعد عمل مؤسسات الدولة المدنية والحقوق الليبرالية وإجراءات تداول السلطة ومحاسباتها وموازنتها في مواد فوق دستورية، بحيث لا يمكن تعديلها على الإطلاق أو أن تكون جامدة بحيث لا يمكن تعديلها فور حصول أي قوة سياسية على الأغلبية في الهيئة التشريعية، وإنما يقتضي تعديل الدستور فترة زمنية طويلة تسمح بتداول الآراء والأفكار، وليس مجرد انقلاب دستوري يأتي في أعقاب الانتخابات التشريعية مباشرة.

3 - خوفًا من أن يؤدي وصول الإسلاميين أو غيرهم للسلطة إلى العبث بدستور البلاد والانقلاب عليه، فإنه يمكن أن ينشئ الدستور آليات محددة لحمايته مثل وجود مجلس أعلى لحماية الدستور يضم في عضويته مزيجًا من الجهات المنتخبة وغير المنتخبة مثل رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيسي المجلسين التشريعيين (وكلها جهات منتخبة) ورؤساء عدد من الهيئات القضائية (وكلها جهات غير منتخبة)، ويكون لهذا المجلس وحده وبأغلبية خاصة (كأغلبية الثلثين) سلطة استدعاء وحدات خاصة من الجيش لحماية الدستور حين الخروج عليه.

إن الحالة المصرية تحتاج إلي إعادة نظر في بنية النظام السياسي كله، وليس فقط في تعديل مادة هنا أو هناك. وليقيني بأن شيئًا من هذا لن يحدث في عهد الرئيس مبارك؛ فالموضوع كله مؤجل لما بعده، ولكن علينا التأمل فيه من الآن.


** مدرس العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. يمكنك التواصل معه عبر موقعه الإلكتروني www.aladl.net 
- يتوجه الكاتب بالشكر إلى أ. غادة فايق على الجهد البحثي الذي قامت به لإتمام هذه الدراسة.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع