 |
|
وزيرة الخارجية الأمريكية في أثناء إلقائها محاضرة فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة يونيو 2005 |
الخطوات الإصلاحية التي اتخذها
النظام المصري عام 2005، برغم عدم سعادة
المعارضة بها، وجدت أشد الترحيب من
الإدارة الأمريكية، وهو ما يوضح إلى حد
بعيد أن سقف التطلعات الأمريكية بشأن
الديمقراطية المصرية "منخفض"، وليس
بالارتفاع الذي ظنه كثير من المعارضين في
البداية.
تطوير شروط الممارسة
الديمقراطية يكفي
في تصريحات صحفية أدلى بها في
مايو 2005 قال بوش: "إن الرئيس مبارك اتخذ
خطوة شجاعة جدا، حيث اتجه خطوات لتحقيق
مزيد من الانفتاح في الانتخابات. هذه خطوة
مهمة جدا... وعندما ننظر إلى بلادنا نتبين
أن العبودية استمرت لمدة مائة عام بعد
نشأة الولايات المتحدة". واعتبرت
الإدارة الأمريكية في بيان لها -في أعقاب
انتخابات الرئاسة- أن ما جرى خطوة مهمة على
طريق التحول الديمقراطي، رغم ما بدا من
غياب التنافس فيها.
وقد وصف تقرير حقوق الإنسان
الصادر عن الخارجية الأمريكية في 8 مارس 2006
الانتخابات الرئاسية بأنها "سجلت للمرة
الأولى فرصة انتخاب رئيس في عملية تعددية.
قدمت أحزاب كثيرة مرشحين لخوض
الانتخابات، ورغم أن مدة الحملة
الانتخابية كانت قصيرة، فإنها شهدت جدلا
عاما ظاهرا لم يتعرض لأي مصادرة، رافق ذلك
مستوى عال من الوعي السياسي، وبروز
التغطية الإعلامية للمعارضة".
ومن ثم يجوز القول إن ما كان يعني
الإدارة الأمريكية -طيلة فترة الاحتجاج
السياسي على مستوى الشارع- هو ضمان حق
التظاهر السلمي، وعدم التعرض للمتظاهرين
بإجراءات أمنية عنيفة مثلما حدث يومي 25
مايو و30 يوليو 2005. وبرغم انتقاد تقرير
الخارجية الأمريكية لبعض مظاهر العنف في
الانتخابات البرلمانية، وعمليات شراء
الأصوات، وبعض حالات التزوير، فإن الموقف
الأمريكي -بشكل عام- لم يسجل نقدا عنيفا في
هذا الخصوص. وأكثر من هذا سجل "ترحيبا
بوجود معارضة قوية قوامها 88 نائبا من
الإخوان المسلمين، وبعض النواب القليلين
من المعارضة السياسية".
الموقف الأمريكي واضح إذن،
فالقضية لا تتصل بتحول ديمقراطي شامل،
لكنها تتعلق -في الأساس- بتطوير شروط
الممارسة السياسية، على نحو يسمح بما يمكن
أن نطلق عليه "الواجهة الخارجية
للديمقراطية"، وهي تشكيل أحزاب، ووجود
منظمات مجتمع مدني، وانتخابات تعددية حتى
إن لم تؤد إلى تغيير حقيقي، وحرية
الصحافة، والعمل على ضمان عدم التعرض
للمتظاهرين سلميا، وتمكين القضاة من
الإشراف على الانتخابات ضمانا للحيادية،
وتدعيم اللامركزية، ورفع القيود
القانونية عن منظمات المجتمع المدني،
وغيرها.
من هنا تأتي غالبية الانتقادات
الصادرة عن الإدارة الأمريكية لتنحصر في
التعرض للمتظاهرين سلميا، أو في قضية د.
أيمن نور. في 25 ديسمبر عام 2005 صدر بيان عن
البيت الأبيض أعرب فيه عن انزعاجه الشديد
بسبب "صدور حكم قضائي بإدانة السياسي
المصري أيمن نور الذي خاض الانتخابات
الرئاسية؛ وهو ما يثير تساؤلات حول التزام
مصر بالديمقراطية، والحرية، وحكم القانون".
وبعد رفض الطلب المقدم من أيمن نور بنقض
الحكم، أعاد البيت الأبيض -في بيان له في 18
مارس 2006- التأكيد على ضرورة الإفراج عن
أيمن نور، ودعا الحكومة المصرية إلى "تقييد
استخدام قوانين الطوارئ، والسماح
بالمظاهرات السلمية التي يمارس أصحابها
حقهم في حرية الاجتماع والتعبير".
وجاء البيان الصادر عن الخارجية
الأمريكية بهذه المناسبة -أكثر حدة من
البيان الصادر عن البيت الأبيض- واصفا ما
جرى بأنه "إجهاض للعدالة، وتراجع عن
المعايير الدولية".
وبالرغم من هذا فإن من اعتاد
مطالعة البيانات الصادرة عن البيت الأبيض
أو الخارجية الأمريكية سوف يتأكد من أن
هذه البيانات الاحتجاجية ليست باللهجة
التي تمثل مؤشرًا على حدوث تحول في الموقف
الأمريكي. وجاءت إشارات الترحيب العديدة
من الإدارة الأمريكية بما وصفته بالنخبة
الإصلاحية التي تقود العمل الحكومي في
مصر، سواء في سياق استقبال الرئيس بوش
لرئيس الوزراء أحمد نظيف في إبريل 2005، أو
استقبال جمال مبارك في صيف 2006 لتعطي مؤشرا
على وجود "تقبل أمريكي" -على الأقل في
ظل الشهور المتبقية على الولاية الثانية
لإدارة الرئيس بوش- للسياسات الإصلاحية
التي يتخذها النظام.
ومن غير المعروف يقينا الموقف من
"نشر الديمقراطية" في ظل الإدارة
الأمريكية القادمة، ولا سيما أن خطوط
التماس بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي
"متداخلة" في هذا الملف تحديدا، وقد
يجد المحافظون مساحة حركة أفضل في ظل
إدارة "ديمقراطية" مما يجدونه الآن
في ظل إدارة بوش الجمهورية.
ويلخص الموقف الأمريكي فيما
يتعلق بالتغيير الديمقراطي في مصر
الشهادة التي أدلى بها كل من ديفيد وولش
David Welch مساعد وزيرة الخارجية لشئون الشرق
الأدنى، وميشيل كولتير Michael Coulter نائب
مساعد وزيرة الخارجية لشئون العلاقات
السياسية والعسكرية أمام اللجنة الفرعية
المختصة بشئون الشرق الأوسط ووسط آسيا
التابعة للجنة العلاقات الخارجية بمجلس
النواب في 17 مايو 2006.
ذكر وولش أن بلاده "تبدي
اهتماما بتأجيل الانتخابات المحلية لمدة
عامين، وتمديد قانون الطوارئ لمدة عامين
أيضا، ومحاكمة القضاة الذين كشفوا
المظاهر غير القانونية في الانتخابات،
والعنف الذي تواجه به المظاهرات السلمية،
والقبض على النشطاء الديمقراطيين".
ورغم وصفه لما جرى في الانتخابات
البرلمانية في خريف 2005 من مظاهر "غير
القانونية"، و"أحداث العنف الخطيرة"،
فإنه "حيا الرئيس حسني مبارك على تعديل
الدستور، وإجراء أول انتخابات رئاسية
متعددة في سبتمبر 2005". وشدد وولش على دور
"الإصلاحيين" الذين قام رئيس الوزراء
أحمد نظيف بالاستعانة بهم في دفع عجلة
الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي". وأضاف
قائلا: "إن مجلس الوزراء الجديد يعمل من
أجل تطبيق أجندة إصلاح اقتصادي طموحة صممت
من أجل توليد الوظائف وجذب الاستثمار
الأجنبي... إننا نأمل أن نرى مصر تحقق
التقدم في مجال الإصلاح السياسي أسوة
بالإصلاح الاقتصادي الذي تظهر فيه "المكاسب"
شديدة الجاذبية Impressive، على حد قوله.
وأشار كل من وولش وكولتير إلى
الدور الحيوي الذي تقوم به مصر في
المساعدة على حل الصراع العربي
الإسرائيلي، والمساهمة في الانسحاب
الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة في صيف 2005،
والحد بكفاءة من عمليات تهريب الأسلحة إلى
غزة، كما سجل كولتير -على وجه الخصوص-
امتنان الولايات المتحدة للدعم الذي
قدمته مصر للقوات الأمريكية في العراق
وأفغانستان، مشيرا إلى أن دعم مصر للأهداف
الأمريكية في العراق لا يمضي بدون تكلفة -على
حد تعبيره- واختتم قائلا: "مساعدتنا
لمصر تسهم إيجابيا في تحقيق أهداف
الولايات المتحدة في المنطقة".
"رايس" بين زيارتين
لمصر
وبعد مرور نحو عام على
الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر
يبدو واضحا أن الموقف الأمريكي تجاه مصر
يستند -في الأساس- إلى التوافق مع نظام
الرئيس حسني مبارك في تحقيق الإستراتيجية
الأمريكية في المنطقة العربية، وبالأخص
في العراق وفلسطين، وهو ما يستدعي دفع "التكلفة"
-حسب تعبير كولتير في شهادته أمام مجلس
النواب- في شكل اللجوء إلى "الإستراتيجيات
الناعمة" في دفع التحول الديمقراطي في
مصر، والدليل على ذلك تغير طبيعة
التصريحات التي أدلت بها وزيرة الخارجية
كونداليزا رايس في زيارتين لمصر كان
الفاصل الزمني بينهما ما يزيد على العام
بقليل.
ففي محاضرة ألقتها رايس بالجامعة
الأمريكية بالقاهرة في 20 يونيو 2005 قالت ما
نصه: "إنه على الحكومة المصرية أن تفي
بوعدها التي قطعته لمواطنيها، وللعالم
بأسره، من خلال منح المواطنين حرية
الاختيار. ويجب أن ترقى الانتخابات في مصر
-متضمنة الانتخابات البرلمانية- إلى
المعايير الموضوعية التي تتصف بها كل
انتخابات حرة".
هذه العبارات القوية خفت حدتها
في أثناء زيارة رايس للقاهرة في الأسبوع
الأول من أكتوبر 2006 حيث ذكرت -في حديث
أجراه معها 3 صحفيين مصريين- لصحيفة "المصري
اليوم" يوم 5 أكتوبر: "إن الديمقراطية
ليست محصورة على الولايات المتحدة
الأمريكية، وليس فرضًا على الولايات
المتحدة أن تنشرها خارج حدودها. ونحن ندرك
أن للديمقراطية أنماطًا وأشكالاً وصياغات
مختلفة في كل بقعة من بقاع الأرض،
والولايات المتحدة تريد أن تدعم هذه
الجهود الإصلاحية، وهي تدعم أيضا كل الذين
يريدون أن يغيروا بلادهم، وكل هذا يتم في
ظل روح الصداقة والاحترام لتاريخ وثقافة
مصر التي تمتعت بها على مدار عقود وسنوات
طويلة".
وقالت رايس في مؤتمر صحفي عقدته
مع نظيرها المصري أحمد أبو الغيط بشأن
التغيير السياسي في مصر: "إن الأمر
متروك للشعب المصري؛ فهو الذي سيختار من
هو رئيس مصر، ويجب ألا يكون لواشنطن أي
وجهة نظر حول هذا الموضوع". هذه إشارة
واضحة إلى أن واشنطن سوف تراقب التحول
السياسي في مصر في اتجاه يدعم مصالحها، كل
ما يهمها رئيس منتخب في انتخابات تعددية -حسب
معايير المنطقة العربية- تتوافق أجندته
السياسية مع الأهداف الأمريكية في منطقة
الشرق الأوسط، وهذا يعبر عن الواقعية
الأمريكية في أوضح صورها، ويفتح الباب
أمام الحسم الداخلي على أرضية النظام
الحالي، وليس خارجه.
اقرأ في هذا الموضوع:
|