بريدك الالكتروني


English

 

الثلاثاء 22 ذي القعدة 1427 هـ -12/12/2006 م

مصر » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

تعطل قطار الإصلاح فتعثرت "كفاية" وأخواتها

محمد جمال عرفة**

هل اكتفت حركة كفاية؟

لأن الحركة المصرية من أجل التغيير "حركة كفاية" التي عقدت مؤتمرها الأول في 22 سبتمبر 2004 بدأت بهدف محدد هو معارضة التوريث والتمديد لرئاسة الرئيس حسني مبارك، فقد توقع كثيرون أن تتفكك عرى الحركة وتتحلل بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية التعددية عام 2005، وفتور الحديث عن التوريث، ولذلك كان استمرار نشاط الحركة بعد هذا التاريخ مرهونا بعدة أمور أهمها: استمرار قطار الإصلاح السياسي، ونجاح الحركة في وضع هياكل تنظيمية محددة لعملها.

ولأن قطار الإصلاح تعطل وتوقفت حركته، رغم استمراره في إطلاق أعمدة الدخان عن مشاريع دستورية جديدة، خصوصا مع توقف الوقود الخارجي الذي تمثل في الضغوط الأوروبية والأمريكية على الحكومات العربية بعدما جاءت نتائجها عكس مصالحهم، ولأن الحركة استمرت تسير بنفس الوتيرة السابقة بين أطياف سياسية متعارضة (يساريين وليبراليين وإسلاميين وناصريين) دون وضع نظام محدد للعمل أو برنامج سياسي واضح، خلاف رفض النظام القائم، فقد كان من الطبيعي أن تتعثر حركة كفاية، في ظل اختلاف التوجهات والأطروحات بين أعضائها.

ورغم ذلك، فالحركة كانت قد أعلنت لاحقا عن جملة أهداف أخرى في موقعها على الإنترنت تعتبر بمثابة برنامج أكبر وأشمل من مجرد التوريث أهمها:

1- الإلغاء الفوري –بدون تسويف- لحالة الطوارئ، التي تشل القوة الفاعلة في الوطن، والتخلص من مجموعة القوانين التي تنتهك الحريات.

2- إطلاق حق كل القوى المدنية السلمية في التنظيم، وفي تشكيل الأحزاب السياسية، والنقابات، والهيئات، والجمعيات، بغير قيود.

3- الاعتراف بحق التظاهر والإضراب والاعتصام السلمي.

4- إطلاق حريات التعبير، وإصدار الصحف، وتحرير أجهزة الإعلام المرئي والمسموع من القيود.

5- تشكيل جمعية تأسيسية وطنية، تشرف على إعداد دستور جديد للبلاد، يحتفي بالحرية، ويضع الضمانات الفعلية لتأكيدها.

6- تأسيس جمهورية برلمانية، تضمن حقوق الوطن والمواطن وتفصل بحسم بين السلطات، وتحد من انفراد الحاكم بالسلطات الدستورية المطلقة، وتضع حدا لمدد حكمه وصلاحياته.

بيد أن طريقة إدارة الحركة وتحديد أجندة الأولويات بقيت نقاطا خلافية مفخخة خصوصا بين التيارات الناصرية واليسارية داخل الحركة وبين التيارات الإسلامية (الإخوان وحزب العمل) ربما كان أكبرها الخلاف بين اليسار والناصريين مع الإخوان في مسألة تغيير الرئاسة كمدخل للتغيير ككل، غير خلافات أخرى ذات طابع ثقافي عقيدي مثل: أزمة الحجاب والموقف من تصريحات وزير الثقافة فاروق حسني حول الحجاب.

كذلك ظلت الحركة أشبه بحركة للمثقفين فقط غير منتشرة في أوساط المصريين بحكم أنها حديثة العهد، وساعدت الخلافات بين أعضائها اليساريين وتيار الإخوان بشأن عدة أمور -منها الشعارات والهتافات المسيئة لرئيس الجمهورية– في عزوف الإخوان عن المشاركة بقوة في مظاهرات الحركة، ما كشف ضعف قوتها خصوصا أن القوة الرئيسية النشيطة في الشارع الآن هي الإخوان.

سر الخلاف الداخلي

ولأن معيار قوة الحركة هو التركيز على كسر نظرية حظر المظاهرات، وخروجها إلى الشارع، بما يعنيه هذا التوجه من ضمان أكبر حشد من المتظاهرين، وهو ما لم يتوافر بسبب الخلاف الذي بدأ بين بعض قادة الحركة اليساريين والإسلاميين، فقد كان ذلك هو نقطة الضعف الرئيسية داخل الحركة.

وقد غذى هذا الضعف عدم رغبة القيادات الناصرية أو اليسارية في تقديم أي تنازلات للتيار الإسلامي تخوفا من سيطرته على الحركة، ومن ثم فرض أجندته عليها، والتي يقول الجناح اليساري إنها ترتبط أحيانا كثيرة بصفقات الإخوان مع النظام أو حسابات الإخوان الخاصة.

ويمكن القول –وفقا لحوار كاتب هذه السطور مع عبد الحليم قنديل المتحدث باسم الحركة– إن سر الخلاف الداخلي بين هذين الجناحين يكمن في أن قادة الحركة كانوا يرون: "أن المدخل الطبيعي لتحقيق جملة المطالب الديمقراطية التي تأخر تحقيقها سنين عدة، هو فكرة تغيير جوهري في مؤسسة الرئاسة"، ومن هنا اشتهر شعارها "لا للتمديد لا للتوريث"، وفي الممارسة هي خططت طريقا جديدا هو أن تكون مصر "بلد مظاهرات" بدلا من أن تكون "بلد بيانات وشعارات فقط".

وهنا ظهر الخلاف الرئيسي أو الانشقاق الأول بين الحركة وجماعة الإخوان، المتمثل في اختلاف سقف مطالب كل فريق، فعلى حين جاء سقف مطالب كفاية عاليا ويصل لتغيير رئيس الجمهورية، اكتفى الإخوان في البداية بسقف مطالب منخفض، إذ إن الإخوان المسلمين –كما يقول قنديل– كانوا في حالة اعتراض على فكرة رفع سقف المطالب الديمقراطية لتغيير الرئاسة، ولزوم خفض السقف إلى الحديث عن الطوارئ والحريات وغيرها مما درجت عليه الحركة الوطنية المصرية، وهذا سبب الخلاف بينهما؛ لأن مصر الآن –كما يضيف– "تحتاج إلى صدمة تغيير"، ولا يمكن أن تنتقل مصر إلى دستور جديد حقيقي بدون إنهاء حكم الرئيس مبارك وعائلته".

التظاهر كان السمة المميزة لحركة كفاية

وإذا كان هذا الخلاف الداخلي أو الانشقاق الأول ظل غير معلن -وإن ظهر تأثيره في قلة أعداد المشاركين من الإخوان في مظاهرات كفاية، ثم سعي الجماعة لإجراء مظاهرات خاصة بها- فقد جاء الخلاف أو الانشقاق الأخير (الثاني) بين الجناح الإسلامي الآخر داخل الحركة (أعضاء حزب العمل ذي التوجه الإسلامي) وبين قياديي "كفاية" اليساريين والناصريين حول (الهوية) و(ثوابت الدين) في صورة أزمة الحجاب ليفجر الحركة أكثر من الداخل.

"الحجاب" يفتت "كفاية"

لم تفلح محاولات الحكومة أو مناهضي حركة كفاية في تفتيت وكتابة بداية النهاية لهذه الحركة، مثلما أفلح بيان أصدره بعض قادة الحركة يدافع عن وزير الثقافة "فاروق حسني" في أزمة الحجاب الأخيرة التي وصف فيها الوزير الحجاب بأنه عودة للوراء.

ومع أن بيان انسحاب 7 من أعضاء اللجنة التنسيقية للحركة تحدث عن "قيام البعض من مؤسسي الحركة بإدارتها منذ تأسيسها بشكل غير مؤسسي"، وتأكيد المنسحبين أنه في ظل غياب الرؤية الإستراتيجية "تم تجميد الحركة في مواجهة الواقع المتغير"، فقد ألمح عدد من المنسحبين أن القشة التي أدت للانشقاق كانت صدور بيان من "كفاية" يؤيد وزير الثقافة ضد الحجاب بشكل صدم الرأي العام المفترض أنه هو وقود مظاهرات الحركة.

وقد أكد "مجدي أحمد حسين" الأمين العام لحزب العمل أنه يرفض أن يستمر في العمل مع ناس "لديهم حقد ضد الإسلام"، ووقفوا مع الوزير فاروق حسني في معركة الحجاب، وشدد على أن الإسلاميين (داخل الحركة) لم يسبغوا الحركة بشعاراتهم، وبالمثل يرفضون ميلها تجاه رأي على حساب بقية المشاركين.

وأرجع "حسين" أسباب انسحاب أعضاء حزبه أيضا إلى "تلوين" المجموعة الأولى المسيطرة إعلاميا لآراء الحركة بآرائها الخاصة حتى وصل الأمر إلى أنهم وقفوا مع الوزير فاروق حسني في معركة الحجاب، واتهموا الإسلاميين بالفاشية والمكارثية، وهي مصطلحات بوش في وصفه للإسلاميين.

ويؤكد نفس القول السابق أيضا بيان المنسحبين الذي قال: "كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، بإصدار بيان صادم للشعب (حول الحجاب) في موضوع بعيد عن أولويات الحركة، وبمضمون بعيد عن أولويات الحركة، وبمضمون يتعارض مع رأي قطاع كبير من بين أعضائها، والأهم أنه قد صدر دون الرجوع للجنة التنسيقية للحركة".

كذلك نشر موقع الحركة على الإنترنت انتقادات لهذا البيان يقول بعضها: "مهما كان أنتم غلطانين..... ليه أخدتم موقف غريب وشاذ من قضية الحجاب.. ليه أخدتم موقف مش بس ما فيش إجماع عليه داخل الحركة بل الشعب المصري كله كان ضده.... وفي الآخر بتقولوا إنكم بتمثلوا الشعب!!! دية غلطة...وبتبين إن فيه فئة في الحركة بتحاول تحولها من حركة تمثل جميع الأطياف إلى حركة يسارية... رغم أن اليساريين في مصر ليس لهم أي شعبية تذكر".

والمشكلة ليست في هذا الخلاف حول الحجاب وآراء وزير الثقافة التي اعتبرها البعض "حرية رأي"، واعتبرها البعض الآخر "تصادما مع ثوابت هوية الأمة"، ولكن في أن هذا الخلاف كشف عن حقيقة التضارب في هويات مؤسسي الحركة، وعدم وجود آلية لضبط هذه الخلافات أو الاتفاق على آلية موحدة للحركة فيما يخص سيناريو موحدا للتحرك والتفاعل مع قضية ما.

فقد بادر بعض قادة الحركة لنشر البيان المؤيد لوزير الثقافة المصري في أزمة الحجاب على موقع الحركة، وعندما انتقدته الأجنحة الإسلامية داخل الحركة، تم حذفه، ثم حاول المتحدث باسم الحركة د.عبد الحليم قنديل موازنة الخلل الذي حدث بنشر مقال على موقعها يطالب فاروق حسني بالاحتجاب "أي الاستقالة"، ويقدم رؤية متوازنة حول الحجاب الذي اعتبره "حقا شخصيا".

جورج إسحاق المنسق العام لحركة كفاية

أيضا سعى "جورج إسحاق" المنسق العام للحركة لإخراج تبرير آخر يبرد به الأزمة، فوصف انسحاب الأعضاء السبعة من الحركة بأنه "موقف حضاري لمجموعة امتلكت رؤية مختلفة".

ولأن هذا الأسلوب لم يكن هو الأول في تعاطي قادة الحركة مع بعض القضايا المطروحة، وكانت قضية الحجاب هي القشة التي فجرت الخلافات، فقد جاء قرار انسحاب السبعة المؤسسين ليشير بوضوح إلى هذا الخلل المؤسسي داخل الحركة.

توقف الضغوط الخارجية

ورغم أهمية ما قيل عن وجود عيوب داخلية كانت وراء ضعف الحركة، فمن الواضح أن هذه العيوب ليست هي السبب الرئيسي لضعف وتلاشي دور الحركة في الشارع المصري تدريجيا، وأن العيب الأساسي يظل هو توقف الضغوط الخارجية باتجاه دعم الديمقراطية على كل الأنظمة العربية، والتي أثمرت "كفاية" في مصر واليمن والسودان ودول عربية أخرى.

فالحركة التي ظهرت على الساحة السياسية المصرية في صيف عام 2004 في شكل تجمع لمجموعة من المثقفين وأساتذة الجامعات والمحامين الذين عارضوا مبدأ التمديد للرئيس مبارك لفترة حكم جديدة، وعارضوا بشدة أية محاولات لتوريث الحكم لنجل الرئيس، حصلت من البداية على اسمها "كفاية" استعارة من تصريح للرئيس الماليزي السابق "مهاتير محمد" في لقاء فكري معه بمكتبة الإسكندرية صيف 2004 حينما قال: "إنه كفاية عليه في الحكم 24 عاما".

وعندما انتقدها الرئيس مبارك فى حديث له مع صحيفة "الفيجارو" الفرنسية حينئذ، اتهمها "باستغلال الظروف الدولية للضغط على النظام والاستقواء بالخارج"، وكانت هذه الفترة تشهد ضغوطا أمريكية مكثفة ضمن برنامج نشر أو "فرض" الديمقراطية الذي أطلقه الرئيس بوش عام 2004.

كما أن أساليب تعامل أجهزة الأمن المصرية والعربية مع مظاهرات كفاية في الدول المختلفة اختلفت بتغير أساليب الضغط الأمريكية، حيث كان يتم السماح لهذه المظاهرات في البداية بحرية الحركة دون تدخل الشرطة لصدها خصوصا مع توالي صدور بيانات الخارجية الأمريكية التي تنتقد تعامل أجهزة الأمن مع المظاهرات والمتظاهرين، وتعتبر التظاهر حقا أصيلا ومظهرا من مظاهر الديمقراطية.

ومع توالي ظهور نتائج هذه الضغوط الأمريكية من أجل انتخابات حرة وديمقراطية حقيقية في صورة فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في انتخابات المجلس التشريعي في يناير 2005، ثم حصول إخوان مصر في انتخابات البرلمان في ديسمبر 2005 على 88 مقعدا، بدأ يحدث التحول العكسي مع بوادر تغير قوة الدفع الأمريكية لفكرة نشر الديمقراطية بعدما أنتجت "إسلاميين" يناهضون مصالحها، وعندها بدأ القمع العربي لهذه المظاهرات ومنعها.

ولهذا لا يمكن إغفال دور العامل الخارجي في الظهور القوي لحركة كفاية، مثلما لا يمكن التغافل عن أثره العكسي في عودة الغرب لمساندة الحكومات العربية ضد حركات المعارضة الداخلية.

هل من عهد جديد؟

ولعل تصاعد وتفجر الخلافات بين مؤسسي وأنصار الحركة -وغيرها من حركات التغيير المعارضة العربية على اختلاف مشاربهم الفكرية على خلفية العديد من القضايا السياسة والثقافية في هذا الوقت الذي يشهد انحسارا للضغوط الخارجية الداعية للإصلاح- يلعب دورا في سعي أعضائها لوضع آليات جديدة ونظم للعمل بعيدا عن زخم هذه الضغوط الخارجية.

بعبارة أخرى، قد تكون الأزمات الأخيرة التي عصفت بقوة الحركة وغيرها من حركات المعارضة في الشارع -نتيجة ضعف تنظيمي داخلي، أو إحباط لتوقف الإصلاحات الحكومية، أو تلاشي الضغوط الخارجية- مفيدة في تدارك الحركة لمناطق ضعفها التي تتمثل أساسا في التوفيق بين قناعات المشارب المختلفة للقوى الثقافية والسياسية التي تنضوي تحتها، وتحديد أولويات مشتركة وتلافي نقاط الاختلاف.

ويبدو أن هذا هو ما بدأت تدركه –نظريا حتي الآن- قيادة الحركة في صورة التركيز على رأب الصدع، وتلافي إصدار مواقف أحادية في مواقف حساسة، وعدم الدخول في صراعات مفتوحة تهدم ما تبقى من قوة الحركة، والإيحاء بأن مظاهرة 12 ديسمبر في الذكرى الثانية لانطلاق الحركة هي عودة للتركيز على هدفها الأول (التظاهر)، فهل تشهد الحركة في هذه الذكرى انطلاقة جديدة أم تكون هذه هي الذكرى الأخيرة لها؟


** المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع