 |
|
جانب من مظاهرة لطلاب بجامعة عين شمس المصرية احتجاجا على تزوير الانتخابات الطلابية |
(اتحاد العمال الحر، واتحاد
الطلبة الحر، والحكومة الموازية أو حكومة
الظل، التي تشكلت عقب الانتخابات
البرلمانية المصرية، حيث أعلنت مجموعة من
الأحزاب الرسمية عن تشكيلها حكومة ظل-
اثني عشر حزبا- ليس من بينهم التجمع أو
الوفد أو الناصري أو الإخوان المسلمين)...
كل هذه المسميات دخلت قاموس الحياة
السياسية في مصر وبدأت تحتل مساحة -لا بأس
بها- في الساحة السياسية المصرية مؤخرا،
وبشكل خاص في أعقاب الانتخابات العمالية
والطلابية التي جرت الشهر الماضي فبراير
2006، وقبل ذلك عقب الانتخابات البرلمانية
التي جرت نهاية العام 2005، وحصلت فيها
جماعة الإخوان المسلمين على 88 مقعدا بما
يوازي 20% من مقاعد مجلس الشعب في سابقة لم
تحدث من قبل في تاريخ الحياة البرلمانية
المصرية.
وقد باتت الكيانات الموازية هذه
ظاهرة جديدة خاصة في ضوء تشكيل العمال
والطلاب لاتحادات موازية، حيث قام العمال
بتشكيل اتحاد العمال الحر، وكذا قام فريق
من الطلاب بتشكيل اتحاد الطلاب الحر، بعد
أن استبعدت السلطات آلافا من العمال
والطلاب المنتمين إلى أحزاب وتجمعات
معارضة عامة والإخوان المسلمين خاصة من
الانتخابات العمالية والطلابية، إضافة
إلى التعدي بالضرب على مجموعة من طلاب
جامعة عين شمس حينما تم الإعلان عن تشكيل
اتحاد طلاب مواز للاتحاد الشرعي.
حول هذه الظاهرة عقد مركز
القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لقاءً
فكريا يوم 26 نوفمبر 2006 تحت عنوان "الكيانات
الموازية: خطوة نحو الفوضى أم
الديمقراطية؟ لبحث: ما هي الكيانات
الموازية؟ وما هي الظروف التي أدت إلى
نشأة هذه الفكرة؟ وما هي الحاجة إلى تلك
الكيانات؟ وهل ستكون البديل عن الكيانات
القائمة الآن بالفعل؟ وأخيرا هل ستؤدي إلى
الاستقرار أم إلى الفوضى؟.
الإخوان المسلمون والكيانات "البديلة"
من الأهمية القول إن حصول
الإخوان المسلمين على 88 مقعدا برلمانيا هو
سبب رئيسي في أن تقود الجماعة المبادرة
نحو إنشاء الكتل الموازية خاصة العمالية
والطلابية بمساندة أعضائها في مجلس الشعب
والأساتذة في الجامعات. كما أن المخالفات
التي شهدتها الانتخابات العمالية
والطلابية شجعت الجماعة أيضا على اتخاذ
مثل هذه الإجراءات، حيث شهدت هذه
الانتخابات تجاوزات وتدخلات أمنية
واعتقالات للمرشحين ومنع آخرين من الترشح
أصلا وتهديدًا للناخبين وتقييد حرية
الحركة بالنسبة لكثيرين، بالإضافة إلى
تحجيم الإشراف القضائي على الانتخابات
العمالية. ومن ثم أعلنت جماعة الإخوان عن
تفكيرها في إنشاء اتحاد بديل للعمال
بمشاركة أحزاب وقوى سياسية أخرى، وبدأت
بإنشاء ما يسمى بـ"لجنة العمال" التي
أعلنوا أنها ستضم كل من يرغب من العمال،
وعددهم أكثر من 20 مليون عامل، بحسب
تقديرات الإخوان المسلمين.
وبعد أن ظهرت فكرة الكيانات
البديلة بين العمال قام الطلاب بإجراء
مماثل حيث أعلن طلاب ينتمون أيضا لجماعة
الإخوان ومن بعض القوى المعارضة الأخرى
بتشكيل ما سمي بـ"اتحاد الطلبة الحر"
في الجامعات المصرية؛ ردا على ما اعتبروه
تضييقا على حريتهم في الترشح لاتحادات
الطلبة الرسمية، وأعلنوا عن إجرائهم
لانتخابات بديلة لاختيار أعضاء لاتحادات
موازية، وشجعهم في ذلك بعض أساتذتهم بهدف
الحصول على المزيد من المكاسب من
الاتحادات الرسمية بالضغط عليها عن طريق
الاتحادات الحرة.
من جانبه أكد النائب محمد
البلتاجي عن كتلة الإخوان في مجلس الشعب
أن "السيطرة الحكومية على النقابات
والجامعات تستدعي بالضرورة تأسيس وتشكيل
نقابات واتحادات طلابية موازية لنظيراتها
التي يسيطر عليها ممثلو النظام".
أما كمال عباس، المنسق العام
لدار الخدمات النقابية والعمالية، فقد
أكد على أن الانتخابات العمالية الأخيرة
أبرزت أهمية تأسيس كيانات موازية تضم
عمالا من تجمعات المعارضة حتى لا تتم
السيطرة على زمام الأمور داخل المصانع
والشركات من قبل الحزب الوطني الحاكم.
ورأى عباس أن الانتخابات
العمالية الأخيرة هي الأسوأ طوال المراحل
الانتخابية الماضية على الإطلاق، وقام
اتحاد العمال بالعمل ضد مصالح العمال
ورغباتهم والعمل على انتزاع حقوقهم، وفي
مقدمتها حق الإضراب والاعتصام. وأشار عباس
إلى الأسباب التي أدت بالعمال إلى فكرة
إنشاء تنظيم نقابي بديل، ومنها: أولا وجود
عدد من العمال اليساريين الذين يؤمنون بأن
يتمتع العمال بحق الانتخاب والإضراب وكان
الاتحاد الرسمي الحكومي ضد هذه التحركات
العمالية، والدليل على ذلك هو إضراب عام
1986 (إضراب سائقي القطارات)، حيث كان موقف
النقابة العامة للعاملين بالسكة الحديد
ضد موقف العمال، وقال الأمين العام
للنقابة لأجهزة الأمن: "اضرب عليهم بيد
من حديد؛ فهم فئة ضالة"، وأيضا إضراب
كفر الدوار عام 1994، وثانيا، عمال القطاع
الخاص، حيث لا يوجد لديهم نقابات بسبب
التحالف مع رجال الأعمال من أعضاء الحزب
الوطني.
دولة داخل الدولة (فوضى محققة)
على أن فكرة الكيانات الموازية
لم تلق ترحيبا لدى العديد من المثقفين
والسياسيين، وبشكل خاص بين الاتحادات
النقابات الرسمية، واعتبروا هذا التحرك
من جانب جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها
محاولة لتحدي السلطات الرسمية وإنشاء ما
أسماه البعض "بالدولة داخل الدولة"
مثلما يحدث في العراق ولبنان؛ فعندما قامت
القوى السياسية المختلفة بإنشاء الكيانات
الموازية لمؤسسات الدولة نشأت الخلافات
والصراعات؛ فمن ناحية هددت هذه الكيانات
سيادة الدولة واستقرارها بالرغم من أنها
تقليد ديمقراطي وحق لكافة الأحزاب ومفيدة
في إثراء الحياة السياسية طالما أن الأمر
يبقى في إطار القانون والدستور. ومن ناحية
أخرى، فإن البعض الآخر يؤكد على أنها خطوة
جديدة غير قانونية على الإطلاق تعكس رؤية
جماعة الإخوان في إثارة قلاقل أمنية
وسياسية داخل الدولة، حيث يريدون أن
يفرضوا أجندتهم الدينية على كافة فصائل
وتيارات المجتمع من خلال مؤسسات نقابية
وطلابية موازية.
وبوجه عام فقد اتسم تعامل الدولة
مع هذه الكيانات بالتضييق الأمني -الظاهر
والباطن- فقبل وفي أثناء الانتخابات
العمالية أعلن أنصار جماعة الإخوان
المسلمين ممن لم يتمكنوا من الترشح لعضوية
النقابات العمالية لأسباب مختلفة نيتهم
لإنشاء ما سمي باتحاد حر للعمال ليكون
موازيا للاتحاد العام لعمال مصر المدعوم
من الدولة.
لكن البلتاجي يؤكد أن الجماعة
لديها تحركها وتعلم أن خط الفوضى هو خطر
أحمر بالنسبة للإخوان المسلمين. وقد جاء
تشكيل الاتحاد الديمقراطي الحر بالنسبة
للطلاب كخطوة مضادة للتعسف الحكومي والذي
تم عن طريق الشطب والاستبعاد من جانب
الأمن للطلاب. واستطرد البلتاجي بالقول:
"إن حالة الاتحاد الحر الذي أنشأه
الطلاب هي حالة مختلفة عن الكيانات
الموازية الأخرى بسبب ما يلي:
1- لإسقاط مشروعية الاتحاد الذي
فرضته الحكومة.
2- إثبات وتقرير من يتحدث باسم
الطلاب بمصر لحين تعديل اللائحة الطلابية.
ويقول في ذلك بأن الاتحاد هو نشاط
طلابي صرف. أما في حالة الانتخابات
العمالية وغيرها فيعلن الإخوان عن تشكيل
مثل هذه الاتحادات كنوع من الضغط لا أكثر،
وبمجرد انتهاء الانتخابات لا يتم السعي
إلى تشكيل كيانات موازية. فهناك فارق كبير
بين الحالة الطلابية والحالات الأخرى؛
حيث إن الحالة الطلابية في النهاية نشاط
"طلابي" كما يقال. وما فعله الطلاب في
هذه العام سوف يكون جرس إنذار للحكومة في
العام القادم بحيث لا تتدخل ولا تقوم
بالتزوير المعتاد.
وينفي البلتاجي أن تكون فكرة
الاتحادات الموازية تهدف إلى حدوث شرخ
بالمجتمع أو إنشاء اتحادات بديلة، بقدر ما
تهدف إلى حث المؤسسات القائمة على تلبية
طموحات أعضائها دون وصاية من السلطات أو
الجهات السيادية في الدولة، أي أنها ليست
بديلا عن الدولة التي هي أكبر من ذلك،
واعتبر البلتاجي أن حق الإخوان في خلق
كيانات موازية هو حق قانوني في ظل عدم وجود
الحرية الكاملة لإجراء أي انتخابات داخل
مصر بنزاهة وديمقراطية تامة، كما أن جميع
القوى المعارضة ستشارك الجماعة في إقامة
هذه الكيانات؛ فهي ستكون خير رد على ما
تقوم به الحكومة من تزوير -على حد وصفه- في
كافة الانتخابات سواء الانتخابات
العمالية أو انتخابات الطلبة.
الأصل إعادة المجتمع لحالته
الطبيعية
من ناحيته يؤكد د. محمد السيد
سعيد نائب مدير مركز الدراسات السياسية
والإستراتيجية بالأهرام أنه ليس من
الصحيح أن نجمع بين عدة شعارات تحت شيء
واحد (العمال والطلاب والأحزاب)؛ حيث إن كل
ذلك يؤدي إلى خلط بين الشعارات المرفوعة.
ولا بد من التمييز بين الكيانات الموازية
والتعددية السياسية. فالشعار المطروح هو
شكل من أشكال الاحتجاج والتعددية
النقابية تفترض أن هناك تعددية في
الأيديولوجية والأفكار... إلخ. والحاصل أنه
ليس لدينا تعددية نقابية لأن النقابات تم
السيطرة عليها من قبل الدولة. وأصبح
التزوير يخص كل حالة على حدة (اتحاد الطلاب-
مجالس أحياء- العمال). فهنا نوع من الهندسة
لعملية التزوير، وفي سياق التزوير يتم
فكرة إنشاء الكيانات الموازية.
ويدعو سعيد إلى تشكيل منظمات
جماهيرية من الأصل؛ لأن الكيانات تنشأ
عندما يكون هناك تعددية حقيقية؛ حيث إنه
في الواقع تعاني مصر من إشكالية فريدة وهي
تصدع في معظم هياكل المجتمع (الأسرة،
القرية... إلخ) والمؤسسات المجتمعية تتحلل
هي الأخرى بصورة مذهلة. فالأصل هو إعادة
المجتمع إلى حالته المجتمعية حيث فقد
المجتمع صفته الأهلية. والشعار الذي يجب
طرحه هو دعوة الشعب إلى الحضور؛ فالشعب
صرف وانصرف، ولا بد من عودة الشعب إلى
المشاركة.
والصعوبة في فكرة الكيانات
البديلة، كما يرى سعيد، هو أن المجتمع
الأصلي غير حاضر في الساحة. فليس هناك
اتحادات أو نقابات أو تنظيم مستقل من
الأصل والبديل هو جهاز الإدارة والأمن.
وبالتالي لا بد أولا من الدعوة إلى
تنظيمات جماهيرية وليس كيانات موازية،
وتنشيط الذاكرة والوعي والتثقف؛ لأن صاحب
السلطة الحقيقية في التفويض هو الشعب، نحن
نريد التحدث عن حق إنشاء منظمات جماهيرية
مستقلة وتنشيط المنظمات الموجودة بالفعل
أيضا وتقريب الهياكل النيابية للشعب.
أما بهي الدين حسن مدير مركز
القاهرة لحقوق الإنسان عضو المجلس القومي
لحقوق الإنسان، يرى أن تشكيل اتحادات
موازية أو كيانات موازية ليس اختراعا
مصريا؛ فهي فكرة موجودة في الدول
الديمقراطية، كما أنها موجودة في بعض
البلدان العربية؛ فهناك دولة مثل المغرب
تعترف وتسمح بالتعددية النقابية
والعمالية. ولا يعد تشكيل الكيانات
الموازية بجديد في العالم، ولكن الجديد هو
أن يتم تشكيل مثل هذه الكيانات في مصر.
وعلى الرغم من ذلك فقد بدأ بشكل خجول في
العام الماضي ولم تحظ الظاهرة بالتغطية
الإعلامية المناسبة، ولكن انضمام الإخوان
المسلمين لمثل هذا الاتجاه، والسعي إلى
تجسيده بقوة شكل رد الفعل المزعج بقوة
أيضا من الحكومة.
ومجمل القول، تلعب الكيانات
الموازية في شكل اتحادات أو نقابات أو
حكومات ظل دورًا مهمًّا في دفع نظيراتها
الرسمية نحو تأدية وظيفتها بتحديد
الواجبات والحقوق على كل طرف. وفي مصر تبقى
تجربة الكيانات الموازية مبهمة، إلى أن
تترسخ قاعدتها، وهذا يتطلب جهدا مضنيا،
وبشرط أن يكون لها أساس قانوني؛ لأن هذه
الكيانات الموازية قد تؤدي أيضا إلى إنشاء
فرق البلطجة والمليشيات الأمنية التي قد
تتبع قوى سياسية معينة.
لكن يظل هدف بحث إيجابيات
وسلبيات هذه الكيانات -كسلوك ديمقراطي
معترف به عالميا- محل دراسة وبحث، وربما
تكون سببا في التفات الحكومة إلى مطالب
فئة ما، أو وسيلة لإرسال توصيات وتوجيهات
بأن تتعامل السلطات معها دون أن يكون هناك
شكل من أشكال الضغط أو الإكراه السياسي
إذا كانت بحق تقوم على أساس قانوني
وديمقراطي.
|