بريدك الالكتروني


English

 

السبت 27 شوال 1427هـ - 18/11/2006م

مصر » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

طلبة مصر.. هل بدأ العصيان المدني؟

محمد جمال عرفة**

طلاب بجامعة القاهرة يحتجون على شطب مرشحين ينتمون للإخوان من الانتخابات الطلابية

في أواخر عام 2004، حينما تصاعدت حالة الاحتقان السياسي والفكري في أوساط الأحزاب السياسية والطلاب والمجتمع المدني عموما، مع اقتراب انتهاء فترة حكم الرئيس مبارك الرابعة (نهاية 2005) ، واقتراب انتخابات البرلمان، ورفض الحزب الوطني الحاكم لأي إصلاحات ديمقراطية جوهرية أو تغيير الدستور، ظهرت لأول مرة دعوات وتهديدات جدية من جانب عدد من المفكرين والحزبيين للعصيان المدني بهدف الضغط على الحكومة لتنفيذ إصلاحات.

وكان أبرز ما ظهر في ذلك الحين هو دعوة المستشار طارق البشري، نائب رئيس مجلس الدولة المصري، المصريين للعصيان المدني، حيث كتب مقالا في صحيفة "العربي" الناصرية بتاريخ 10 أكتوبر 2004 تحت عنوان "أدعوكم إلى العصيان" يؤصل فيه فكريا ونظريا لفكرة العصيان المدني السلمي، ويشير إلى أن مصر قد وصلت إلى حالة لم يعد يجدي لإصلاحها سوى العصيان المدني السلمي بحيث يتخلى المصريون عن دور "المحكوم"، وأن يفرضوا إرادتهم على السلطة!.

كما كتب مجدي أحمد حسين أمين عام حزب العمل المصري (المجمد) مقالا نشر في موقع الحزب على الإنترنت في 23 أكتوبر 2004 يدعو لنفس الفكرة قائلا: "لا بد أن نتخلى عن دور المحكوم، وأن نفرض إرادتنا، وإلا فسنبقى نرسف في الأغلال مدى الدهر".

واللافت أن هذه الدعوات للعصيان المدني أثمرت حراكا سياسيا تمثل في إعلان أحزاب المعارضة المصرية أو "تجمع الإصلاح" قيامها بمظاهرة وتجمع سياسي كبير أمام القصر الرئاسي في منطقة عابدين وسط القاهرة في نهاية نوفمبر 2004 (لم تصرح لها الحكومة)، وأعقبها سلسلة مظاهرات لحركة "كفاية" ولجماعة "الإخوان" وقوى أخرى، لتبدأ بعدها بوادر استجابة حكومية انتهت بتعديل البرلمان للمادة 76 من الدستور في 10 مايو 2005 وإجراء انتخابات رئاسية تعددية لأول مرة.

واللافت أيضا أن هذه الاستجابة الحكومية لبعض مطالب القوى المعارضة التي استهدفت توفير قدر أكبر من المنافسة الانتخابية ومنع التزوير في انتخابات الرئاسة وانتخابات البرلمان، كان أحد دوافعها هو تصاعد الضغوط الأمريكية على مصر في سياق خطة الرئيس بوش لنشر الديمقراطية في العالم العربي، وهي أجواء لم تعد متوفرة حاليا بعدما تخلى الأمريكيون عن الفكرة وعن ضغوطهم على الحكومات، مع تكشف أن المستفيد منها هو التيار الإسلامي.

وفي أعقاب عمليات الشطب الجماعية الأخيرة لمرشحي المعارضة -خصوصا تيار الإخوان المسلمين واليسار- في الانتخابات الطلابية والعمالية لعام 2006 الحالي، بهدف إفساح الطريق نحو مرشحي الحزب الوطني الحاكم للسيطرة على الاتحادات الطلابية والعمالية، إضافة لعمليات سحب البساط من تحت أقدام نوادي القضاة عبر تدشين خدمات قضائية بديلة في المحاكم، تصاعد الحديث بين الأوساط الطلابية والعمالية عن السعي لتشكيل اتحادات شعبية "بديلة" للاتحادات الرسمية.

وقد وصف مفكرون وخبراء سياسيون ما دعا إليه طلاب عدد من الجامعات المصرية وعمال، من إجراء انتخابات طلابية وعمالية بديلة تستهدف تشكيل اتحادات طلابية وعمالية حرة بعيدا عن اتحادات الجامعات والعمال الرسمية، كنوع من الاحتجاج على تزوير هذه الانتخابات، بأنه عودة لفكرة العصيان المدني في شقها الثاني بهدف الضغط على الحكومة لتحقيق قدر من الإصلاحات.

وساعد على طرح هذه الفكرة (بهدف الضغط) أن أجواء 2004 تتشابه نسبيا مع أجواء 2006 من حيث استعداد مصر في أواخر العام الحالي وعام 2007 المقبل لحزمة إصلاحات دستورية وسياسية -منها تعديل ثان للمادة 76 لانتخاب الرئيس- أقرها الحزب الحاكم والتي تشكك المعارضة في جدواها تماما مثلما حدث أواخر عام 2004.

الحكومة ترد.. والأجواء مختلفة

الطلاب يستخدمون الصناديق الشفافة في انتخابات الاتحاد الطلابي البديل

ولأن الأجواء السياسية الداخلية والخارجية مختلفة، خصوصا في ظل ضعف حالة الأحزاب السياسية وتصاعد المواجهة الحكومية مع الإخوان لتحجيم دورهم، فضلا عن انكماش وتقوقع إدارة بوش على نفسها عقب هزيمة الجمهوريين الساحقة في الانتخابات النصفية الأمريكية، كان من الطبيعي أن يأتي رد الفعل الحكومي على هذه الدعوات أو الممارسات الفعلية لفكرة العصيان المدني -في صورة اتحادات طلابية وعمالية مستقلة- مختلفا، وأن ترد الحكومة هذه المرة بالسعي لإجهاض هذه المخططات للعصيان المدني.

وفي هذا السياق يمكن فهم رد الفعل الحكومي الصادر على النحو التالي:

1- ردت الحكومة على دعوة طلاب جامعات الإسكندرية وعين شمس وحلوان والمنصورة لانتخابات (الاتحاد الطلابي الحر) -وإجرائها بالفعل في الإسكندرية بمشاركة 12 ألف طالب وتشكيل اتحاد بديل تكون من 25 طالبا- باعتقال ما بين 28 إلى 34 طالبا من نشطاء الاتحاد الحر بجامعة حلون من الطلاب المنتمين للإخوان المسلمين من منازلهم لعرقلة إجرائهم انتخابات الاتحاد البديل، كما اعتقلت عددا من العمال الإخوان والمعارضين ردا على إعلان جماعة الإخوان بمشاركة مجموعة من القوى السياسية ومراكز حقوق الإنسان تفعيل فكرة إنشاء اتحاد عمال شعبي مواز لاتحاد العمال الرسمي.

2- أجهضت إدارة جامعة عين شمس بمساعدة الأمن وأعداد كبيرة من الطلاب -وفق ما ذكرت صحيفة "المصري اليوم" 13 نوفمبر 2006- عملية إجراء الانتخابات لـ"الاتحاد الحر" الذي أعلن الطلاب المنتمون للإخوان المسلمين نيتهم تشكيله في جامعة عين شمس وحولت الجامعة إلى ثكنة عسكرية، حيث تم منع عدد كبير من طلاب التيار الإسلامي من دخول الحرم الجامعي، وساعد الأمن وإدارات الكليات مجموعات ضخمة من الطلاب في احتلال المناطق التي كان مقررا إجراء الانتخابات "الإخوانية" فيها، وبدءوا في الهتاف والغناء على أنغام الدفوف: "أهلي.. أهلي" كنوع من الاحتفال بفوز فريق النادي الأهلي المصري ببطولة دوري أبطال إفريقيا.

3- صرح الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن "الدولة ستعمل على تشجيع الطلاب الآخرين لإحداث توازن داخل الحرم الجامعي"، وأوضح أن هناك برنامجا للأنشطة الطلابية أعدته الوزارة وتعمل على تفعيله بهدف الوصول بالمشاركة الطلابية إلى ٢٠% على الأقل. وقال في أثناء زيارته لجامعة جنوب الوادي بقنا (جنوب مصر) لافتتاح البطولة العربية الثانية لكرة القدم الخماسية إن الجامعات "ستتيح حرية النشاط الطلابي لجميع الطلاب" داخل الحرم الجامعي، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية (لهذا الغرض) حتى لا ينحصر النشاط في تيار بعينه، وإن بروز طلاب الإخوان بالجامعات جاء نتيجة للصوت العالي".

4- استشكلت الحكومة ممثلة في وزيرة القوى العاملة في قرار أصدرته محكمة القضاء الإداري عبارة عن 200 حكم بأحقية العاملين المستبعدين من الانتخابات العمالية في إدراج أسمائهم ضمن قوائم المرشحين، وإلزام وزارة القوى العاملة واتحاد العمال بمنح العاملين شهادات العضوية لتقديمها ضمن أوراق الترشيح؛ وهو ما أدى لاستمرار الانتخابات بدون مشاركة الطاعنين وتجاهل أحكام المحكمة.

وكانت نوادي القضاة التي عارضت تزوير انتخابات برلمانية سابقة، قد اشتكت بدورها من قيام الحكومة ممثلة في وزارة العدل بالسعي لسحب البساط من تحت أقدامها بطريقة مشابهة عن طريق إنشاء إدارات خدمات لتسهيل مهام القضاة داخل مبنى الوزارة؛ وهو ما يفتح الباب أمام حالة من الصراع بين قوى المعارضة والحكومة حول إدارة النوادي والاتحادات وغيرها.

خلاصة الأمر أن تغير الأجواء السياسية في عام 2006 عن عام 2004 وضعف الأحزاب السياسية وتحول المواجهة إلى ثنائية بين الحزب الحاكم، وجماعة الإخوان (كجماعة غير معترف رسميا بشرعيتها) وتوقف الضغوط الخارجية، ربما يقلب المعادلة التي نجحت نسبيا عام 2004 -في صورة الضغط على الحكومة بفكرة العصيان المدني- ويجعل ميزان المواجهة أكثر ميلا لصالح الحكومة.

ورغم تقديم الطرف الحكومي بعض التنازلات البسيطة في صورة فوز بعض مرشحي الإخوان في "عمالية" الإسكندرية رغم التجاوزات الأمنية، وصدور تصريحات تلطيفية من قبل وزير العدل بشأن استجابته لمطالب القضاة بشكل عام (بعد تصريحاته المهينة لقضاة بني سويف)، دون التطرق لنوادي القضاة أو إنهاء المقاطعة لها، يظل التعامل الحكومي مع فكرة أو ممارسات العصيان أكثر عنفا وصرامة عن التعامل مع نفس الممارسات عام 2004؛ ربما لأن الحكومة أعلنت أنها بصدد القيام بثورة إصلاحات عام 2007 وبالتالي لا داعي لهذا العصيان، وربما خشية أن يمتد عصيان الطلاب إلى العمال ومنه للقضاة وباقي قطاعات المجتمع المدني.

ويبدو أن الفيصل في هذه المواجهة بين المعارضة والحكومة سيكون شكل ونوايا حزمة التعديلات الدستورية الحكومية التي تشكك المعارضة فيها وتعتبرها مقدمات لتسهيل عملية التوريث، وما ستسفر عنه من نتائج.


** المحلل السياسي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع