 |
|
البابا شنودة |
بات واضحا أن الكنيسة القبطية
الأرثوذكسية مقدمة على تغيير في قيادتها،
إن آجلا أو عاجلا، إذ تحتل الحالة الصحية
الآخذة في التدهور للبابا شنودة اهتمام
الرأي العام في مصر.
والبابا شنودة ليس رجل دين
بالمعنى المتعارف عليه في المحيط العربي،
لكن دوره امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بعد أن
تحول إلى ممثل حقيقي للأقباط، يمثلهم
ويتفاوض مع الدولة نيابة عنهم، ويحدد
خياراتهم السياسية والمجتمعية.
هناك توقعات بأن تجري عملية
التغيير في أجواء من السخونة غير المعتادة
نتيجة تداخل العديد من العوامل والمحددات،
بعضها يتصل بالدولة والقوى السياسية،
وبعضها يتعلق بوضع الأقباط وكنيستهم،
وجانب منه يرتبط بصعود نفوذ أقباط المهجر
في العقود الأخيرة.
عملية تغيير مختلفة
هذه العوامل جميعا لم تكن قائمة
إبان اختيار البابا شنودة خلفا للبابا
كيرلس في نوفمبر 1971، أو على أحسن تقدير لم
تكن لها السطوة مثلما هو حادث الآن.
فمن ناحية أولى، فإن الدولة
بأجهزتها ومؤسساتها أصبحت أكثر قربا من
الملف القبطي عما كان سائدا في الخمسينيات
والستينيات من القرن المنصرم. فصدام
الرئيس السادات مع البابا شنودة في
السبعينيات، وفتور العلاقة بين الأخير
والرئيس مبارك لسنوات عديدة قبل تحسنها
النسبي مؤخرا يكشف أن الحكم لن يفرط في أن
يكون طرفا أساسيا في اختيار بطريرك
الأقباط القادم، الذي سوف يرث -دون شك-
الوضع السياسي المؤثر لخلفه الذي ظهر
بوضوح في دعم انتخاب مبارك في الانتخابات
الرئاسية الأخيرة رغم أنها جاءت تعددية
وإن خلت من التنافس.
والأمر الآخر هو أن الملف القبطي
لم يعد في السنوات الأخيرة شأنا داخليا،
بل امتد ليشمل أبعادا دولية، ويثير
تساؤلات في أحيان كثيرة حول العلاقات
المصرية الأمريكية. من هنا لم تعد الدولة
تراهن على بابا الأقباط في تعزيز الدور
المصري في العمق الإفريقي مثلما كان الحال
في الستينيات، ولكن صار الأمر يتعلق في
جانب منه بوضعية الحكم ذاته، وحدود حركته
في التعامل مع القوة الكونية التي تنفرد
بالشرق الأوسط.
وإذا كان التغيير السياسي ملفا
مطروحا على الساحة المصرية، فإنه يواكب
تغييرا في القيادة الدينية للأقباط. في
أعقاب ثورة يوليو 1952 تصادف أن التغيير في
القيادة السياسية سبق التغيير في القيادة
الدينية للأقباط، فقد تولى البابا كيرلس
السادس مهام البطريركية في أوج قوة الرئيس
جمال عبد الناصر عام 1959، في حين اعتلى
البابا شنودة الثالث الكرسي البابوي في
نوفمبر 1971 بعد أن انفرد الرئيس أنور
السادات بالحكم في مايو من نفس العام، وفي
الحالتين كان على البابا الجديد للأقباط
أن يتعامل مع واقع سياسي قائم.
أما في هذه المرة فإن هناك
احتمالا بأن يحدث التغيير في القيادة
الدينية أولا قبل التغيير السياسي، ويصبح
على القيادة السياسية "المحتملة" أن
تسرع الخطى بترتيب الشأن القبطي مبكرا،
وهو الأمر الذي قد يكون مرآة كاشفة لطبيعة
مسارات التغيير السياسي المقبل على
الساحة المصرية. والعكس صحيح، فإن اختيار
البطريرك القادم يحدد إلى حد بعيد طبيعة
الدور الذي قد يلعبه في التغيير السياسي
ذاته، وتفضيلاته السياسية، ومدى تأثره
بتركة سلفه، أو اختياره نهجا جديدا.
من ناحية أخرى فإن الحالة
القبطية تبدو متشابكة.. المجمع المقدس
للكنيسة القبطية الذي سيقوم بتسمية
المرشحين قبل انتخابهم يزيد عدد أعضائه عن
المائة، الجيل الأصغر سنا هو الغالب، ولكن
تباين المصالح والخيارات سوف يظهر بوضوح..
البابا شنودة يقدم مثالا لشخصية كاريزمية،
يقول الكثيرون بأنه يصعب أن يحل أحد محله،
أو يملأ الفراغ الذي سوف يتركه.. تشعبت
المؤسسة الكنسية لتمتد إلى أمريكا
الجنوبية، مرورا بأمريكا الشمالية وأوربا،
وانتهاء بأفريقيا.
أي أن الكنيسة القبطية تحولت من
المحلية إلى الكونية، لكن هذا التحول لم
يرافقه تطوير حقيقي في البنية المؤسسية،
أو في أسلوب التعاطي مع تداعيات العولمة،
أو حتى التصدي لقضاياها الكبرى إلا من
منظور رهباني أرثوذكسي تقليدي، لم يخرج عن
نمط إدارة الدير الأرثوذكسي.
مرحلة بناء كنيسة عصرية
من هنا فإن المرحلة القادمة
للكنيسة القبطية هي "بناء مؤسسة كنسية
عصرية"، تستوعب الأنساق الثقافية التي
امتدت كيانيا إليها، وتتفاعل مع واقع
متغير يحيط بها في المجتمع المصري. عملية
بناء المؤسسة، وترتيبها من الداخل،
وإعادة النظر في تكوينها، هي مرحلة ضرورية
تأتي لاحقة عادة لاختفاء القيادة
الكاريزمية، في حالة شبيهة لما يشهده
الفاتيكان في الوقت الراهن في أعقاب رحيل
البابا يوحنا بولس الثاني.
ومن غير المتصور أن يكون المجمع
المقدس للكنيسة معزولا عن الأصوات خارجه،
وهي في الأساس صادرة عن مجموعتين أساسيتين
هما: رجال الأعمال وشباب الطبقة الوسطى من
المهنيين الأقباط. الغالبية العظمى من
الفريقين تريد التغيير على خلفية دعم
المشروع الإصلاحي لتيار لجنة السياسات في
الحزب الوطني، الفئة الأولى بسبب مصالحها
الاقتصادية، والفئة الثانية لخوفها من
المشروع الإٍسلامي. هنا يتداخل السياسي
والطائفي في مشهد متماسك مترابط أكثر من
أي وقت مضى.
أما فيما يتعلق بأقباط المهجر،
فهم سوف يشاركون في اختيار البطريرك
القادم من خلال كنائسهم وإيبارشياتهم
المنتشرة حسب اللائحة الحالية، ولكن
النشطاء والحركيين منهم قد يتجهون إلى
ممارسة تأثير يخدم مواقفهم تجاه إدارة
الشأن القبطي. ونظرا لأنهم منقسمون، وفي
حالة من التشرذم غير المسبوقة، فإن
تبعثرهم قد يؤدي إلى تباين مواقفهم،
تباينا يزيد الموقف سخونة، ولا يؤدي إلى
بلورة خيارات واضحة.
المعروف أن الحضور الكثيف
والمؤثر لأقباط المهجر لم يظهر سوى في
السنوات الأخيرة، أي في عهد البابا شنودة
الثالث. وبالتالي لم يكن ممكنا أن يتخطى
النشطاء المهجريون المؤسسة الكنسية، وإن
حاول بعض منهم توجيه النقد اللاذع لها.
البابا شنودة -كان وما يزال بالنسبة لهم-
الراعي الحقيقي الذي وقف في وجه السلطة
السياسية، لم يهادن أو ينحني للعواصف.
واستطاع البابا شنودة -ببراعة- الإفادة من
النشاط المهجري، وتوظيفه في خدمة الشأن
القبطي في الداخل، بالقدر الذي يأتي
بالتأثير المطلوب، بحيث يكون حينا في وجه
الدولة إذا تطلب الأمر ذلك، وفي أحيان
أخرى يضبط إيقاع المهجر لمساندة الحكم في
علاقته الشائكة مع الولايات المتحدة إذا
تطلب الأمر ذلك.
والسؤال هو هل يستطيع البطريرك
القادم أن يحافظ على توازن دقيق بين قوى
ذات أحجام مختلفة، سواء في علاقاته بأقباط
الداخل أو المهجر؟.
التيار الإٍسلامي -بمختلف فصائله-
هو الحاضر الغائب في هذه القضية. هو يريد
دون شك قيادة كنسية، تحافظ على نهج البابا
شنودة في القضايا القومية والعروبية، وفي
مقدمتها القضية الفلسطينية، لكنه في نفس
الوقت لا يريدها قيادة متصادمة أو رافضة
للمشروع الإسلامي.
باختصار هو يريد قيادة لا تقف حجر
عثرة في وجه المشروع الإسلامي. بالطبع لا
يمتلك هذا التيار أدوات تأثير حقيقية في
هذه المسألة التي يبدو أن طرفيها
الأساسيين هما الكنيسة والدولة، لكنه دون
شك يملك أدوات التصعيد والتهدئة في مرحلة
التغيير الكنسي. هنا يبدو أن تغيير
القيادة الكنسية قد يكون مجرد "بروفة"
لنمط التغيير المقبل في مصر.
طالع:
|