 |
|
جانب من إحدى المظاهرات المؤيدة للقضاة (صورة أرشيفية) |
بتمسك الحكومة المصرية بالنص
الأصلي لمشروع قانون السلطة القضائية
لعام 2006، ورفض حتى التعديلات الشكلية التي
أقرها مجلس الشعب (البرلمان) على عدد من
المواد نتيجة ضغط القضاة ونواب البرلمان
من المعارضة والتراجع عنها، يمكن القول إن
ثمة خسائر ومكاسب حققها القضاة والسلطة
التنفيذية معا من وراء القانون، وإن حصيلة
المعركة بين السلطة القضائية والسلطة
التنفيذية سيكون لها تأثيرات أخرى على
مجمل حالة الحراك السياسي في مصر.
فالقضاة حققوا مكاسب تتمثل في
إبراز قضيتهم محليا وعالميا وتحقيق قدر من
التضامن الشعبي معهم وإحراج هيمنة السلطة
التنفيذية، وحققوا عمليا نقاطا إيجابية
في القانون مثل: تقرير مبدأ الموازنة
المستقلة، وتبعية النائب العام لمجلس
القضاء، والتوسيع النسبي لمجلس القضاء (من
7 إلى 9 أعضاء)، واشتراط موافقة مجلس القضاء
الأعلى على ندب مساعد الوزير لشئون
التفتيش القضائي ووكلائه وأعضائه ورؤساء
المحاكم الابتدائية، ووضع قواعد تنظيم
إعداد مشروع الحركة القضائية، وإعلان
الحركة قبل اتخاذ إجراءات استصدارها،
والاقتراب من إباحة حق الطعن على الأحكام
في طلبات رجال القضاء وأحكام التأديب.
أما الأهم من كل ذلك -كما يقول
الكاتب فهمي هويدي- فهو أنهم "نجحوا في
وضع قضية استقلال القضاة على أجندة العمل
العام، وبرغم أنهم لم يحققوا مرادهم
كاملا، فإن مشروع الحد الأدنى حقق لهم بعض
المكاسب، التي يمكن اعتبارها خطوة على
طريق نضالهم من أجل تحقيق الهدف الذي
يتطلعون إليه".
ولكن القضاة في المقابل خسروا،
ولم يحققوا (9) مطالب هامة لهم في القانون،
لم تستجب لها السلطة التنفيذية التي حشدت
وراءها أغلبيتها البرلمانية لمنع تحققها،
وهي خسائر تضاف إلى المس بهيبة القضاء
عندما تم الاعتداء على بعض القضاة بالضرب،
ولم يتم التحقيق فيها، وجرى تحويل آخرين
لمحاكم تأديب، وكذلك عندما برز للسطح بقوة
الخلاف بين نادي القضاة المنتخب (الذي لا
يملك اختصاصات) ومجلس القضاء المعين (صاحب
الاختصاصات)، حيث قبل الأخير اقتراحات
السلطة التنفيذية فيما يخص القانون، وهو
ما نجحت السلطة التنفيذية في تصويره على
أنه خلاف داخلي لا علاقة لها به!.
ولعل أهم الخسائر أو المطالب
التي فشل القضاة في تحقيقها هي حسم مسألة
الشكل القانوني لنادي القضاة والنص على
أحقيته في تمثيل القضاة، ما يهدد بفرض
شروط قانونية عليه مستقبلا وتحويله لمجرد
تابع للسلطة التنفيذية (وزارة الشئون
الاجتماعية) وخاضع لقراراتها، فضلا عما
أسماه القضاة "إرهابا لهم" من خلال
عصا المحاكم التأديبية وقطع رزق القاضي،
وبالمقابل استخدام "جزرة" ندب وإعارة
القضاة التي رفضها نادي القضاء باعتبارها
معول هدم في استقلال القضاء.
حصيلة المكاسب والخسائر..
إيجابية
والحقيقة أنه يمكن عند مزج
النتائج السلبية والايجابية القول بأن:
الحصيلة الإجمالية التي حققها القضاة
تبدو إيجابية لعدة أسباب منها:
1- لو وضعنا الظروف المحيطة بأزمة
القضاة كلها في كفة واحدة، وتحديدا هيمنة
السلطة التنفيذية على الحياة السياسية
منذ عقود طويلة، إضافة إلى حالة الضعف
التي تعتري كافة الأحزاب والقوى السياسية
والعنف الأمني في مواجهة المتعاطفين مع
القضاة، فإنه يمكن القول إن كفة القضاة قد
ربحت وإنهم لم يخسرون فعليا في المحصلة
النهائية حيث انتزعوا بعض المكاسب وسط هذه
الأجواء غير المواتية.
2- رموز القضاة الشهيرة من قادة
نادي القضاء، والتي برزت خلال الأزمة،
أظهرت للرأي العام المصري وجود بديل سياسي
قوي ومحايد يقود عملية التغيير والإصلاح
السياسي في مواجهة جمود السلطة
التنفيذية، بل ووصل الحال ببعض القوى
السياسية لاقتراح ترشيح أحد هذه الرموز في
انتخابات الرئاسة المقبلة عام 2011، ما يعني
الخروج بمفهوم قيادة الإصلاح والتغيير عن
الرموز السياسية المعروفة والمتداولة إلى
رموز قضائية أو مهنية (تكنوقراطية) أخرى.
3- بشكل عام يصعب تصور أن الحجر
الذي ألقاه تحرك القضاة في بحيرة (الحراك
السياسي) الراكدة في مصر، لن يكون له تأثير
مستقبلي.. صحيح أن السلطة التنفيذية تلجأ
إلى تكتيك التعديل (الشكلي) للقوانين بحيث
تظهر بمظهر المستجيب وتمتص حالة الفوران
السياسي، ولكن سوابق هذا التعديل الشكلي -كما
أظهرتها تجربة تعديل المادة 76 بشأن انتخاب
رئيس الجمهورية- تشير إلى العكس، وهو أن
مطالب الإصلاح تتزايد وتتسع بسبب حالة
الإحباط التي تنتج عن هذه التعديلات
الشكلية، ولهذا من المتصور أن يفيد تحرك
القضاء الحراك السياسي في نهاية المطاف.
4- لو فرضنا أن القضاة استمروا في
التصلب ضد القانون وصعدوا المواجهة
بالاستمرار في الاعتصام والإضراب فسوف
يخسرون أيضا؛ لأن السلطة التنفيذية حسمت
أمرها ولن تستجيب لهم، ولو تحجج نادي
القضاة بأنه المعبر عن أغلبية القضاة،
فسوف تتحجج الحكومة بموافقة "ممثلي
الشعب" في البرلمان على القانون، بحيث
يخسر القضاة مزيدًا من هيبتهم خصوصا في ظل
انقسامهم. ولهذا يعتبر كثيرون أن توقف
نادي القضاة عن التصعيد وقبول الأمر
الواقع والرضا بقليل التغيير أملا في
تعديلات مستقبلية، مكسب في حد ذاته يحفظ
للنادي قدرا من هيبته، ويجعله مستمرا في
ساحة الملعب للمطالبة بمطالب أخرى ربما
تكون في ظروف سياسية أفضل.
آثار سلبية أخرى
لا يعني ما سبق أن القضاة خرجوا
منتصرين بشكل آلي، فالحصيلة الفورية هي
الخسارة، ولكن الحصيلة المستقبلية قد
تأتي ببعض المكاسب. ومن هنا يمكن توقع
خسارة أخرى فورية لحالة الحراك السياسي،
ولكل الفرق والقوى المطالبة بالتغيير
والإصلاح، وأن يطالها نفس ما طال القضاة
من تغيير شكلي للقوانين لإرضاء هذه القوى
وامتصاص غضبها، دون أن تحقق مطالبها
بالكامل، وبشكل يبقى للسلطة التنفيذية
هيمنتها على الحياة السياسية.
وبهذا المنطق ربما تنعكس خسارة
القضاة الحالية وعدم الاستجابة لكثير من
مطالبهم (20% فقط وفق المستشار الخضيري)،
على خسارة موازية للإصلاح وحرية الصحافة،
وأن ينعكس الأمر بالتضييق على قوى سياسية،
خصوصا جماعة "الإخوان المسلمين"
الذين بدءوا يعانون من سلسلة اعتقالات
يتوقع أن تزيد لأعضائها وقادتها (اعتقال 4
من أعضاء مكتب الإرشاد لأول مرة منذ سنوات)،
وألا تحظى القوى المهنية (الصحفيون) التي
تطالب بتعديلات خاصة في قوانين الحريات
بما ترنو إليه من تغيير في قوانين حبس
الصحفيين.
فحالة الصحفيين لا تختلف كثيرًا
عن حالة القضاة، حيث هناك قطاع -خصوصا
الصحف الرسمية- يؤيد التغييرات الشكلية
الحكومية المقدمة في مشروعات القوانين
الخاصة بالمهنيين ويكتفى بها، وذلك مقابل
القطاع الآخر الذي يطالب بالإصلاح
والتغيير الشامل.
وإذا كان القضاة قد نجحوا في نقل
مشكلتهم لرجل الشارع العادي على عكس مشكلة
الصحفيين الأكثر مهنية، فمن الطبيعي ألا
يحظى الصحفيون بمكاسب كبيرة، وقد ظهرت
بوادر هذه الخسائر في هذا الصدد ضمن قضايا
حبس جديدة للصحفيين ترتكز على تهم جديدة
تستخدم مواد لم تستخدم سابقا في القوانين،
مثل تهمة إهانة رئيس الجمهورية التي وجهت
لرئيس تحرير جريدة الدستور.
أما القوى المعارضة وخصوصا جماعة
الإخوان وحركة "كفاية"، فمن الطبيعي
أن تكونا أبرز المتأثرين والمتضررين في
عملية تصفية الحسابات بعدما خرجت السلطة
التنفيذية من المباراة بنفس قوتها وحافظت
على مساحة تقدمها على حساب سلطتي القضاء
والبرلمان، وهو ما ظهر في الاعتقالات التي
طالت أعضاء في الحركتين، ورفع تهمتي "إهانة
رئيس الدولة" و"الانضمام لتنظيم
محظور" في مواجهتهما.
وتزداد مواقف هذه القوى السياسية
-خصوصا الإخوان- صعوبة في ظل الضوء الأخضر
الذي تعطيه القوى الدولية خاصة الولايات
المتحدة تحديدا لضرب التيارات الإسلامية
بعدما أظهرت تجربة نشر الديمقراطية
الأمريكية أنها الفائز الأكبر فيها، وأن
وصولها للبرلمانات ومراكز السلطة يهدد
مصالح الولايات المتحدة والغرب.
فحملة التضييق السياسي على
التيار الإسلامي أصبحت حالة عامة في
الأسابيع الأخيرة في العالم كله وليس مصر
فحسب، والتضييق والاعتقالات الداخلية
بدأت بمصر والمغرب، وظهرت بأشكال أخرى من
الحصار والتضييق الخارجي في فلسطين
والصومال والسودان.
التوقعات تشير بالتالي إلى خسارة
للقضاة والقوى المطالبة بالتغيير السريع
على المستوى القريب، في ظل هيمنة السلطة
التنفيذية على الحياة السياسية، بيد أن
النتائج على المستوى البعيد أو المستقبل
قد تأتي بنتائج عكسية في ظل حالة الاحتقان
والإحباط.
وبالتالي فإذا كانت محاولات "ترويض"
القضاة أو امتصاص حالة الحراك السياسي
مضرة على المستوي الآني لقضية الإصلاح
والتغيير، وقد تنعكس في تبريد حالة الحراك
السياسي، فهي علي المستوى الآجل
المستقبلي قد تنعكس على تصعيد المطالب
الإصلاحية والانتقال إلى مستويات أعلى من
المطالب السياسية لقوى المعارضة.
|