English

 

17:00 مكة - الخميس 26 جمادى الأولى 1427هـ - 22/6/2006م

مصر » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

تعثر الخطاب الإسلامي وغموض نظيره المسيحي*

إبراهيم غالي**

هل تضطلع النخبة الدينية في مصر بمسئوليتها لحماية الاندماج الوطني؟

ليس خافيا أن أحد عوامل تأجج حالة التوتر الديني في مصر، رغم تعدد أسبابها، إنما ترجع إلى أن الخطاب الإسلامي التجديدي المعاصر، والذي قفز خطوات محمودة على صعيد رؤيته لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي، لم يكمل معالم مشروعه لتحقيق دولة المواطنة. وبالمثل لم تقدم النخب الدينية المسيحية القدر الضروري من الوضوح الفكري حول رؤيتها للدولة المصرية دون التقوقع خلف الرداء الديني فقط، وتفضيل العزلة سياسيا ومجتمعيا في بعض الأحوال.

وما يحتاجه الفريقان خاصة الحركات السياسية ذات الإسناد الديني أن تقدم مشروعا متكاملا لا يغفل المسار التاريخي الديني وأيضا الأطر الاجتماعية والسياسية السائدة، وأن تطرح مقاربة واقعية لتحقيق "المواطنة الكاملة" والمصادقة على مقولة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا).

ولا بد من الإيمان بأن المسيحية العربية وليس في مصر فقط، ليست شأنا عقديا أو طائفيا أو مليا تعني المسيحي دون المسلم، بل هي قدر تاريخي وتراث روحي لفضاء حضاري واحد.

ولا يعني ذلك إغفال دور الدين عند الحديث عن المواطنة الكاملة، لكن لا بد من توضيح للحدود الفاصلة بين الدين والدولة، وبين الديني والمدني.

في هذا السياق يرى سمير مرقس أنه لا مانع من استلهام الدين، ولكن دون أن نستبعد فكرة الإطار الجامع أو العام، فالتحرك في المجال العام على أرضية دينية فقط يعني إلغاء أو إقصاء الآخر المغاير. وليس المقصود بالطبع استبعاد استلهام الدين مثل الحالة الأوروبية.. لقد أصبح لدينا مجموعة من المجالات الخاصة وكل يتحرك في مجاله بحيث بات لدينا تصارع في المجالات الخاصة مع أن المسألة أكبر من هذه المجالات الخاصة.

الخطاب الإسلامي.. تعددية وازدواجية

د. محمد السيد سعيد

وعن أبرز مشكلات الخطاب الإسلامي، يقول هشام جعفر: "في مسألة الخطابات الدينية نلاحظ أن هناك تعددية شديدة قد تصل إلى حالة من حالات التشتت والفوضى، وهنا يجب إعادة التفكير في وجود خطاب مرجعي مركزي لفئة ما أو لمجموعة ما، فنعدد المراجع له شكل إيجابي بالطبع، لكن من سلبياته أنه يثير حالة من الفوضى حتى لدى الشخص الواحد.

وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى وهي أن الشارع قد اختطف المسائل الدينية وبات هو من يقود النخب الدينية في أحيان كثيرة كما حدث بالضبط في أزمة الرسوم الدانماركية، فالذي قاد الجميع كان هو الشارع.

والمشكلة الأخطر في الحالة المصرية هي أن مساحة المحافظة بدأت تزيد داخل الطبقة الوسطى، ولدينا جميعا قلق من تديين السياسة، بل إن هناك اليوم شكل من أشكال التديين لجهاز الدولة ذاته، فلم تعد القواعد المنبثقة عن المساحة البيروقراطية هي الحكم في التعامل اليومي، ولكن دخل الرافد الديني المحافظ.

هذا كله لا ينفي حقيقة أن الخطاب الديني الإسلامي قد حقق فيما يختص بهذه المسألة نجاحات في مساحات متعددة، ولكن هذا النجاح كان محدودا على مستوى الشارع الإسلامي.

ويرى بهي الدين حسن أن ثمة ازدواجية في خطاب بعض الدوائر الإسلامية داخل التيار الإسلامي فهذه الدوائر لديها الاستعداد لأن تستخدم خطاب حقوق الإنسان وحقوق الأقليات المسلمة عندما تتحدث عن المسلمين في البلاد غير الإسلامية، ولكن ليس لديها الحد الأدنى من استخدام نفس المعيار فيما يتعلق بوضع الأقليات غير المسلمة في البلاد الإسلامية بل والمسلمة أيضا كالشيعة.

أما الكاتب الصحفي ممدوح الشيخ، فلا يعفي الحركة الإسلامية من المسئولية الثقافية والسياسية عما يحدث ليس فقط مع الأقباط، ولكن مع الدولة ومع العالم، ويرى أن الإسلاميين قد تأثروا كثيرا بأمراض خطاب القوميين. ويقول الشيخ: "هنا لا بد من إعادة منطق الفصل والوصل، فالبعض أصبح يرى أن كل المسيحيين هم ضد كل المسلمين"، ويتساءل الشيخ: "كيف أنظر إلى الجندي الأمريكي بالعراق ليس باعتباره مسيحيا، وكيف أقيم التدخل الأمريكي والأطلسي لحماية المسلمين في كوسوفا".

أما د. محمد السيد سعيد، فيعتقد أن هناك أمورا تدعو للتفاؤل بشأن العلاقات الإسلامية المسيحية في مصر، منها أن المشروع الإسلامي في تياره المعتدل يقترب بصورة قوية من منطقة الوسط، فحركة الإخوان المسلمين، التيار الإسلامي المركزي في المنطقة، تقدم اجتهادات فكرية متواصلة، وتمد الأيدي للأقباط وتلغي فكرة أهل الذمة، وتقول بأنه ليس هناك عقد لتهميشهم، والحركة تحيي تيار المواطنة بداخلها، وبذلك بدأ نوع من إعادة تقدير لموقع الأقباط في الخريطة الذهنية للدولة والمجتمع والثقافة.

ويرى الكاتب "فؤاد السعيد" أن ما يدخل في قضايا تجديد الخطاب الإسلامي تحديدا هو مسألة صياغة شكل المجتمع سيما ما يتعلق بوعي الأغلبية بالقضية، فهل تتساوى مسئولية الأغلبية مع مسئولية الأقلية.. هنا لا بد من التحذير من مخاطر أن تسلك الأقلية سلوكا يدخلها في جو من التأزم، وأن تسلك الأغلبية سلوكا يضعها في حكم المضطهدة.

إن مشكلة الخطاب الديني التجديدي المستنير أنه حين انطلق في الثمانينيات وظهرت اجتهادات العوا والبشري وغيرهما، وطرحت مبدأ "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، وأنه لا توجد مشكلة في الفكر الإسلامي المعاصر كان ذلك موجها لتيار فكر علماني إلحادي متطرف لم يكن يمثل خطورة على المجتمع، لكنه لم يكن خطابا موجها لتيار فكري سلفي إسلامي متشدد، وقد قام بعض أنصار التيار الإسلامي التجديدي بدور في التغطية على بعض الأزمات الفكرية والسياسية.

ويؤكد السعيد على أن المجتمع بوجه عام شهد في العقد الأخير شيوعا لطبعة إسلامية متشددة منغلقة تفتقد الاستماع للرأي الآخر ولو انطلاقا من الدين نفسه. وفي ذات الوقت نجد انتشار ظاهرة تعدد الفتاوى حول الموضوع الواحد، حتى وإن كان غير مؤثر، وما زلنا نبحث ونريد إجابة واحدة للسؤال الواحد، وهذا مفتقد، الأمر الذي يجعل المسلم ذاته لا يقبل الاختلاف ليس مع المغاير في الدين فقط بل مع المسلم ذاته، وبالتالي فإن من نتيجة ذلك أنه يفقد ذهنية الحوار مع الآخر، وهذا فهم غير صحيح لمضمون الإسلام نفسه، ومن هنا ثمة استخدام سيئ لمنظومة تعددية محمودة أقرها الإسلام وتحولت لمظاهر سلبية أثرت على المسلم.

غموض الخريطة الفكرية لمسيحيي مصر

أما على الجانب المسيحي، يقول فؤاد السعيد: "إن النخبة المسيحية باتت تربط حياة المسيحي كاملة بالكنيسة، ابتداء من في تسيير أموره الاجتماعية، وانتهاء بالدور السياسي للكنيسة كمتحدث سياسي باسم الأقباط، وهذا تيار سائد، أما التيار الآخر في النخبة المسيحية هو تيار علماني سياسي يركز على المدخل الحقوقي (حقوق الأقليات)، وهذا يكرس فكرة أن المسيحيين أقلية وليسوا عنصرا أصيلا في تكوين المجتمع تاريخيا.. وهناك تيار ثالث علماني وطني، لكنه حقيقة ضعيف الصوت، وليس له نفس شعبية التيارات الأخرى داخل المجتمع المسيحي.

وفي هذا السياق، يقول د. محمد السيد سعيد: "نحن لا نعلم الخريطة الفكرية لإخواننا الأقباط في مصر، فالشائع هو أن هناك سلطة كبيرة للكنيسة، ولم تدرس هذه الخريطة الفكرية والأيديولوجية حتى في الأعمال الأكاديمية.. إن هناك شيئا من الوتر الأيديولوجي المشدود في حياة الأقباط المصريين، وثمة قطاع عريض من الشباب القبطي يحيي أسطورة مشابهة للصهيونية واليهودية رغم وجود قطاع موازٍ هو القطاع التقدمي والوطني من ناحية، والقطاع الاستناري من ناحية أخرى لا سيما الفكر اليساري، لكن الخوف هو أن تميل الكفة لأصحاب اليمين المتطرف على التقدميين والتنويريين".

لكن "سعيد" يرى أن منطقة الوسط لم تفقد سيطرتها على وجدان الجماعة القبطية في مصر، ورغم هامشية الحركات التقدمية والتنويرية واليسارية في أوساط الأقباط، فإن هذه الحركات ستأخذ زخما كبيرا مع تدافع مشروع دمقرطة الدولة الذي بدأ مع مطلع عام 2005 ولن يتوقف زخمه.

اقرأ في هذا الموضوع:


*من وقائع أعمال ندوة "التعايش في مصر.. حاله ومآله"، والتي عقدها مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط في الأول من يونيو 2006.

**محرر صفحة آراء وتحليلات بشبكة إسلام أون لاين.نت

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع