 |
|
جانب من فاعليات ندوة
التعايش في مصر |
رغم توافر عناصر بوسعها أن تحافظ
على التعايش في مصر بين المسلمين
والمسيحيين وتعززه، فإن الحوادث التي
وقعت مؤخرا، والتي سببت احتقانات بين
عنصري الأمة، تشير إلى أن هناك أشياء تلوح
في الأفق، ربما تجرح هذا التعايش، الذي
مثل سمة أساسية لشخصية مصر على مدار
القرون الفائتة.
لكن ما يجب أن نؤكد عليه بداية أن
حال مصر، في اللحظة الراهنة، يبدو أفضل
كثيرا من دول عربية أخرى، باتت في حاجة
ماسة إلى ثقافة رفيعة من التعايش، تضمن
لها الاستمرار على قيد الحياة، وتحصنها ضد
التفكك إلى دويلات صغيرة، مثل ما هو مطروح
بالعراق والصومال، أو الدخول في حرب أهلية
طاحنة، كما حدث سابقا في لبنان، أو التعرض
لاحتقانات مستمرة، تتفاوت من حيث الحجم
والتأثير، مثل ما يجري في سوريا بين العرب
والأكراد، وفي المغرب العربي بين العرب
والأمازيغ، وفي السودان بين شماله
وجنوبه، وشرقه وغربه.
وهذه الحالات جميعا تستغلها قوى
خارجية في تحقيق إستراتيجياتها بمنطقتنا
على حساب المصالح العربية المشتركة، ولا
يمكننا أن نلوم الخارج في بحثه عما يعزز
العناصر التي تحقق مصالحه، بل نلوم أنفسنا
على أننا نحرث الأرض أمامه بما نزرعه من
أحقاد وضغائن في نفوس أبناء الدولة
الواحدة.
الملامح الرئيسة للوضع
الحالي
ما عليه الحال بين المسلمين
والمسيحيين في مصر لا يحتاج إلى شرح طويل،
فالوضع لا يزال ماثلا أمامنا، ملء الأسماع
والأبصار، وهو وصل إلى الدرجة التي يخشى
فيها على نطاق واسع من أن تنزلق مصر إلى
حالة من "الاضطراب" المزمن بسبب
الفتنة الطائفية، لكن هناك من يرى أن ما
بين عنصري الأمة من روابط وتفاهم ما يزال ـ
حتى الآن ـ أقوى من العوامل السلبية، التي
تنخر في المجتمع المصري، وترمي إلى تقويض
العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.
فحتى هذه اللحظة ما يزال
المصريون قادرين على وأد أي فتنة في
مهدها، وحصرها في مكانها. فأحداث الكشح
مثلا لم تؤد إلى مواجهات في القاهرة أو
الإسكندرية، ولا حتى في مدينة أسيوط
نفسها، بل إن أحداث الإسكندرية الأخيرة لم
تمتد إلى أي من الأحياء القريبة من الحي
الذي وقعت فيه.
لكن ترك الأمور على حالها، من دون
علاج شافٍ، والاكتفاء بـ "المسكنات"
أو اللجوء إلى أي "مخزون تاريخي" محمل
بالتسامح والتفاهم، أو معالجة المسألة
على مستوى النخب، لم يعد كافيا، خاصة مع
وصول المشكلة إلى الجماهير العريضة، التي
كانت في السابق تضرب مثلا ناصعا في احترام
العيش المشترك. فمن قبل كانت مشكلة
المسيحيين تنحصر في اتجاهين، الأول هو
شكواهم من عدم المساواة في بعض المواقع
العامة، وحرمانهم من تقلد وظائف قيادية
بعينها، أو الحصول على ما يناسب قوتهم
الديمجرافية، التي تتراوح الإحصائيات
حولها بين 5 و7 ملايين نسمة، من هذه
الوظائف، وممارسة تمييز ضدهم من قبل
الأجهزة البيروقراطية الرسمية. والثاني
هو تخوفهم من الجماعات والتنظيمات
السياسية المتطرفة ذات الإسناد الإسلامي،
والتي قام بعضها بمهاجمة مصالح للمسيحيين
إبان فترة المواجهة العصيبة بين النظام
الحاكم و"الجماعات الإسلامية
الراديكالية"، والتي امتدت منذ عام 1988
إلى عام 1997.
أما اليوم فإن "العوام" من
الجانبين، يقدمون على أفعال مستفزة،
ويعتدي بعضهم على بعض، فالاحتجاجات التي
أعقبت قضية إسلام زوجة الكاهن السيدة وفاء
قسطنطين قامت بها جماهير مسيحية غاضبة،
فأثارت غيظ قطاعات عريضة من المسلمين،
حبست أنفاسها المبهورة بفعل إقدام الدولة
على تسليم وفاء إلى الكنيسة. وعملية توزيع
"القرص الإلكتروني الممغنط" الذي
يحوي مسرحية مسيئة للمسلمين تفاعلت معها
جماهير من الجانبين، بدءا بالتوزيع،
وانتهاء باحتجاج المسلمين وحصارهم
للكنيسة التي أنتجت المسرحية، ووصل الأمر
إلى مواجهة بين "العوام" من
الجانبين، عقب اعتداء شخص، قالت الحكومة
إنه مجنون، على ثلاث كنائس بالإسكندرية.
مبادئ أساسية لبناء
التعايش
هناك أمور رئيسة لا بد من توافرها
قبل أن نسعى في بناء شروط للتعايش، أو نطبق
ما تعارف عليه الناس من شروط، إما بحكم
التجربة، أو بفعل إعمال العقل. ومن هذه
الأمور:
1 ـ الفصل بين "الجماعة
السياسية" و"الجماعة الدينية":
وهذا شرط أساسي لتحقق "المواطنة" في
مجتمع ما، ومن ثم ترسيخ جذر أساسي للتعايش.
فالمصريون يجب أن يكونوا "جماعة سياسية"
واحدة و"جماعتين دينيتين"، مسلمة
ومسيحية. وهذا معناه أن تكون الحقوق
والواجبات متساوية في كل ما ترتبه
السياسة، بمختلف درجاتها، والشراكة
متساوية في "الغنم" و"الغرم".
أما بالنسبة للدين، فيتم التعامل معه على
أساس القاعدة الذهبية التي تقول "الدين
للديان". وتنشأ العلاقة بين طرفي هذا
المعادل على أساس المبدأ الذي استلهمته
ثورة 1919 حين رفعت شعار "الدين لله
والوطن للجميع".
2 ـ الخروج من سجن التاريخ:
فالسجال الدائر بين المسلمين والمسيحيين
في مصر يجب ألا يحيل كثيرا إلى التاريخ،
ويركز، بدلا من ذلك، على الحاضر المعيش.
وهذا المنحى يرفع المسئولية عمن يعيشون
الآن وهنا، عما جرى في القرون الغابرة،
فلا يطيل المسيحيون في الحديث عن اضطهاد
لحق بهم بعد دخول الإسلام مصر، ولا يفتش
المسلمون عما ارتكبته الكنيسة في حق "الوثنية"
المصرية بعد دخول المسيحية مصر، ويتيهون
على المسيحيين بإنقاذهم من ظلم الرومان
واضطهادهم الشديد. ورغم أن التاريخ مليء
بالمواقف المشرقة والمشرفة للطرفين، فإن
الاكتفاء بها لا يفيد في الوقت الحاضر،
وعلى النقيض يؤدي استدعاء المواقف
المشينة من ذمة التاريخ إلى تأجيج الوضع
الراهن.
3 ـ الاعتراف المتبادل بالمتجاوز:
أي أن يقوم المسلمون بالاعتراف أن بينهم
متطرفين في تصوراتهم واعتقاداتهم، ينظرون
إلى المسيحيين على أنهم "كفار"
ويسعون إلى معالجة هذه المغالاة، وهذا
القصور في الفهم. وعلى الجانب الآخر،
يعترف المسيحيون أن بينهم متطرفين ينظرون
إلى المسلمين على أنهم "هراطقة".
وهذا الاعتراف لا ينتظم أبدا في
محاولة من كل طرف لإثناء الآخر عن معتقده،
بل يجب أن يكون بداية للبحث عن "التعايش
الإيماني"، وتعزيز المشترك الأخلاقي
الذي يزخر به الإسلام والمسيحية، وتصحيح
التصورات الخاطئة والمغلوطة عند فصيل من
الحركة الإسلامية المسيسة التي لا تزال
تتعامل مع المسيحيين على أنهم "ذميون"،
وعند قطاع من المسيحيين ينظر إلى المسلمين
على أنهم "غزاة". فلا معاملة أهل
الذمة تصلح لنظام اليوم ولا المسلمون
المتواجدون في مصر حاليا قدموا جميعا من
جزيرة العرب، بل أغلبهم مصريون تحولوا من
المسيحية إلى الإسلام، وبالتالي ففيهم من
"القبطية" ما في إخوانهم من
المسيحيين.
4 ـ الفصل بين النص والممارسة:
فالنصان القرآني والإنجيلي يحملان من
القيم ما يكفي حال التمسك بها لبناء تعايش
مشترك واحترام متبادل بين المسلمين
والمسيحيين، ولا يجب أن يتحملا ما يفعله
الطرفان ببعضهما، فهذا من قبيل السلوك
البشري الذي يعد انحرافا عن مقاصد الأديان
وغاياتها. وبالتالي فإن الحاجة تصبح ماسة
وملحة للرد على التأويلات الخاطئة للنصوص.
5 ـ العلمانية الجزئية: وهو
التصور الذي يقوم على أساس قاعدة أن "فصل
الدين عن السلطة ضرورة، وفصله عن الحياة
جريمة". وهذا معناه ألا تحاول الكنيسة
لعب دور سياسي، فهذا خارج اختصاصها وفوق
طاقتها، ولا تستمر "الجماعات
والتنظيمات الإسلامية" في "تسييس
الدين". والبديل لهذا هو "تديين
السياسة" أي منحها إطارا أخلاقيا، نحن
بأشد الحاجة إليه لمواجهة الفساد
والاستبداد. وهذه مسألة يجب أن تسن لها
قوانين وتشرع لها شرائع وضعية.
6 ـ تغيير السياق العام: فكثير من
المثقفين وأعضاء النخبة السياسية
والاجتماعية من المسلمين والمسيحيين، على
حد سواء، يرون أن حل مشاكل مسيحيي مصر، لن
يتم، على الوجه الأكمل، إلا في إطار إصلاح
سياسي شامل، تستقر فيه قواعد دولة مدنية
ديمقراطية، تقوم على مبدأ "المواطنة"
وتداول السلطة، وتفتح الباب أمام حرية
التعبير، وحرية تشكيل الأحزاب السياسية،
وحقها في العمل بين الجماهير، وتعبئتهم
خلف برامجها "السياسية"، بدلا من
تركهم يعودون إلى انتماءاتهم الأولية،
ومنها الدين والعشائرية والوضع الجغرافي،
لاستخدامها في المجال السياسي.
7 ـ الأرضية الوطنية: فأي مشكلة
للتعايش بين المسلمين والمسيحيين في مصر
يجب أن تحل على أرضية وطنية، وبأجندة
مصرية، ويشارك فيها مصريون. فالاستقواء
بالخارج، أو حرث الأرض أمام تدخل أجنبي،
سيقود إلى نتائج غاية في الخطورة، سيتأثر
بها المسيحيون المصريون قبل المسلمين. فلا
الأجنبي بوسعه أن يحمي أحدا، ولنا في
تجربة مسيحيي العراق بعد احتلاله عبرة
وعظة، ولا الخارج من الممكن أن يضحي
بمصالحه من أجل أحد، ومن يعتقد في غير ذلك
واهم.
شروط التعايش
يستند التعايش، في أي مكان
وزمان، على عدد من الشروط، التي يجب
توافرها من أجل تمتين الروابط بين الفئات
الاجتماعية لأي دولة تموج بحال من
التعددية ثقافية كانت أم لغوية أو دينية
أو عرقية.
ومن بين هذه الشروط أن يكون
الحوار متكافئا بين الأطراف المتشاركة في
حياة واحدة، سواء كانوا أفرادا أو جماعات،
وأن يعلو التحاور والتفاهم فوق أي عصبيات
أو أفكار مسبقة عن الباقين، كما يجب
الاستعداد للتعامل بتسامح مع الآخر وقبول
الآراء المضادة، وعدم النظر إلى هذا
التسامح على أنه علاقة بين طرفين أحدهما
أقوى من الثاني، بل باعتباره ضرورة حياتية.
ومن المهم كذلك أن تكون هناك
منظومة من القيم العادلة يتم الاحتكام لها
في توزيع الثروة، وتحصيل المكانة
الاجتماعية، والتساوي في الفرص السياسية
المتاحة، أو المتوافرة، مهما كانت حدودها
وحيويتها.
ومن شروط التعايش أيضا توافر
شعور لدى الشعب المصري بمختلف شرائحه
وطبقاته بأهمية فكرة التعايش الاجتماعي،
وإدراك أنها باتت ضرورة للدولة المعاصرة،
وتفهم فكرة الاختلافات الطبيعية بين
البشر، من حيث اللغة والدين والعرق واللون
والثقافة، وكيفية تطويعها بحيث لا تشكل
عائقا أمام التعايش بين جماعات شتى، بل
تحقق الحكمة الإلهية العظيمة في اختلاف
الناس، من حيث الألوان والأجناس والأحجام
واللغات واللهجات والمعتقدات... إلخ.
ولذا يناط بالنخبة المصرية،
بمختلف ألوانها، أن تبحث، من دون كلل ولا
ملل، عن سبل تأصيل ثقافة التعايش، من
زاوية مدى الارتباط بين الدولة المدنية
التي تقوم على عدم تسييس الدين وبين قيام
تعايش سليم معافى، وإمكانية تأسيس مشروع
وطني يمهد لإعادة بناء دولة القانون
المرتكزة على التعددية السياسية
والثقافية واحترام حقوق الإنسان، وبذل
جهد فائق في البحث عن سبل الاستفادة من
إعادة قراءة تاريخ العلاقة بين الفئات
والشرائح الاجتماعية العربية، عبر فترات
تاريخية، في فهم الواقع المركب والمعقد
للعلاقة بينها في الوقت الراهن، وإبراز
القيم المشتركة والموحدة من خلال التنقيب
في التراث الحضاري الشرقي، المفعم بعبر لا
يمحوها الزمن عن آفات الشقاق، ومآثر
التوحد القومي بين سكان الدولة الواحدة.
ولا يجب أن يقف جهد هذه النخبة
عند حد الإسهاب في وضع نظريات مجردة حول
مفهوم التعايش ومظاهره وأساليبه ومخاطر
غيابه أو حتى ضعفه، بل من الضروري أن تعكف
على تحديد آليات التوفيق بين المطالب
المتبادلة لعنصري الأمة المصرية، عبر
تفعيل الحوار، وإعلاء قيم التسامح ليس
باعتبارها شعاراً تلوكه الألسنة، لكن
بتحويلها إلى واقع معاش يحيا بين
ظهرانينا، وإيجاد آلية لإزالة المخاوف
والهواجس المتعلقة بما حدث من تجاوزات أو
ظلم في السابق لأي فئة اجتماعية، وذلك من
خلال تعميق فكرة المواطنة، وإعلاء قيمة
الانتماء إلى الوطن الأم، والاعتراف
بالخصوصية الثقافية للآخر، واعتبارها
جزءا لا يتجزأ من ثقافة المجتمع العامة.
ومن جانبها فإن الحكومة المصرية
مطالبة بتلافي كل العناصر التي تهدد فكرة
التعايش، ومنها إنهاء التمييز على أساس
الدين أو اللغة أو العرق أو اللون، أو أي
شيء آخر، في الوظائف العامة، وفي تحصيل
الفرص السياسية والاقتصادية، والوقوف
بشجاعة وصبر لا يلين في وجه أي ثقافات
وتأويلات دينية مغلوطة تؤدي إلى ظهور تطرف
ديني متبادل يعمق الخلافات ويقوض
الروابط، ويفتح الباب أمام التأثيرات
السلبية والممقوتة التي تتركها مسألة
الاستقواء بالخارج للحصول على مكاسب
داخلية معينة، تقود في خاتمة المطاف إلى
شق صف "الجماعة الوطنية" وتآكل قدرة
الدولة المصرية على التكامل والتماسك.
فرص التعايش
بداية لا بد لنا جميعا أن نعترف
أن هناك مشكلات قد يؤدي تفاقمها وتراكمها
إلى تقويض التعايش في مصر، أو النيل منه،
ابتداء من سلوكيات بعض المسئولين
الأمنيين وموظفي الجهاز البيروقراطي،
وانتهاء بمن لا يفهمون غايات الدين
ومقاصده، أو يسحبونه إلى المجال السياسي،
من بين الجماعات والتنظيمات الإسلامية
المتطرفة، التي تنتج خطابا، يحض بعضه على
كراهية المسيحيين، ويقلل بعضه من حقوقهم
الوطنية، أو من قبل مسيحيون متطرفون،
ينادون بخروج المسلمين جميعا من مصر.
وزاد من وطأة المشكلة في السنوات
الأخيرة تزايد الوزن النسبي للعامل
الخارجي في الضغط على "الوحدة الوطنية"
المصرية. فموقع الدين في الصراعات الدولية
تقدم بشكل مذهل ومؤسف، بعد أحداث الحادي
عشر من سبتمبر 2001، التي أدارها اليمين
المسيحي في الولايات المتحدة على أساس
تصور "صراع الحضارات" أكثر من الدفاع
عن المصلحة القومية للولايات المتحدة.
وانعكس هذا، بشكل غير مباشر، على العلاقة
بين المسلمين والمسيحيين في مصر. فبعض
المسلمين لم يفرق بين ساسة الغرب الذين
يدينون بالمسيحية وبين مسيحيي الشرق
عامة، الذين يرى كثير من قادتهم أن ما
تفعله الدول الغربية حيال العالم
الإسلامي وغيره لا يمت بأي صلة إلى
المسيحية نفسها. وعلى الجانب الآخر أبدى
مسيحيون مصريون غبطة لضرب أفغانستان وغزو
العراق، واعتبروا أن هذا بداية لقيام
الولايات المتحدة بمناصرة الأقليات
المسيحية في العالم الإسلامي، ورغم قلة
هؤلاء في الجانبين، فإن استمرار وطأة
الدين على إدارة الصراعات الدولية
وازديادها يوما تلو الآخر، يزيد من هؤلاء
عددا، ويعمق رؤيتهم الخاطئة المتبادلة.
والعامل الثاني هو ظهور جماعة
"أقباط المهجر"، بأجندة تحمل مطالب
مسيحيي مصر، وتسعى إلى طرحها في المحافل
الدولية، وتبالغ في الوقت نفسه في تصوير
ما يجري في وسائل الإعلام المتاحة، مستغلة
ثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية
صغيرة، فربطت بينهم وبين مسيحيي الداخل،
خاصة الشباب. ورغم أن كثيرين من المسيحيين
المصريين لديهم تحفظات عديدة على أفكار
ومسلك "أقباط المهجر" فإن العوام من
المسلمين لا يعرفون هذا الأمر بشكل كافٍ،
بل يعتقدون أن "أقباط المهجر" تنظيم
قوي وكبير وفعال، ويسعى إلى استعداء الغرب
على مصر. ولم تبذل النخبة المثقفة من
المسيحيين المصريين، ممن يوجهون انتقادات
إلى أقباط المهجر، جهدا إعلاميا وفكريا
كافيا، يقنع عوام المسلمين وقطاعات من
نخبتهم أن المسيحيين المصريين ليسوا كتلة
واحدة، ولن يكونوا بفعل عوامل عديدة، لا
حصر لها.
لكن هذين العاملين اللذين يؤثران
سلبا على التعايش في مصر، ليس بوسعهما،
حتى الآن، أن يشكلا تحديا كبيرا؛ لأن
العوامل التي تعزز التعايش، أو تحافظ على
استمراره لا تزال قوية. ويمكن ذكر هذه
العوامل على النحو التالي:
1 ـ التجانس العرقي: فالمصريون من
أشد شعوب العالم تجانسا في الصفات العرقية
والمقاسات الجسمية، ومن أكثرهم تشابها في
السحنة والملامح. ويمتد هذا التجانس من
"البيولوجيا" إلى "السيكولوجيا"
ليعزز التقارب النفسي بينهم. ويعبر الأنبا
شنودة نفسه عن هذا الوضع بجلاء حين يقول:
"وحدة مصر والمصريين من أسرار هذا البلد
الخالد... هل هي الجغرافيا؟ هل هو الإنسان؟!...
كم أصابنا من البلايا على مدى التاريخ،
ولكن وحدتنا بقيت تقاوم الزمن. فلا خوف على
مصر، ولا تشابه بينها وبين غيرها. ولم تنجح
القوى الأجنبية قط في التفرقة بين
المصريين، فمصر تحمي وحدتها؛ لأنها وحدة
محصنة ضد مصائب الجهل والفقر والتخلف
والمخططات الأجنبية".
2 ـ هبة الجغرافيا: فالمسيحيون
ينتشرون في غالبية قرى ومدن مصر تقريبا،
ولا يقطنون منطقة جغرافية محددة، كما هي
الحال بالنسبة للأكراد في كل من العراق
وسوريا وتركيا وإيران. وهذا الأمر يجعل
علاقات الوجه للوجه قائمة يوميا بين مسلمي
مصر ومسيحييها، ويزيد من تشابك المصالح
المتبادلة، ولا يجعل فكرة الانفصال قائمة
أبدا، أو لها أي معنى، ومن ثم استقر في وعي
الجماعة الوطنية برمتها أنه لا مناص من
العيش المشترك، ونشأت حاجة ماسة إلى تحسين
مستوى هذا العيش.
كما أن الجغرافيا أتاحت فرصة
كبيرة للدولة المركزية في السيطرة على
الشعب، منذ فجر التاريخ. فالمصريون يعيشون
في وادٍ ضيق منبسط، يسهل ضبطه من الناحية
الأمنية، ومن يتمرد على الوادي ويخرج إلى
الصحراء يعرض نفسه لهلاك محقق. وهذا الأمر
جعل بوسع النظم المتعاقبة على حكم مصر أن
تخمد أي محاولة للفتنة في مهدها، وبات
مستقرًا في وعي الناس أن السلطة متواجدة
دوما، ويتصرفون في علاقاتهم اليومية على
هذا الأساس.
3 ـ التشرب الحضاري: فمصر الحاضر
تتشرب كل طبقات الثقافات التي تراكمت
عليها، هاضمة ما أتاها من الخارج، محتفظة
في الوقت نفسه بكثير من أصالتها الأولى،
لتبدو ـ كما يقول الفرنسي إدوارد لين ـ
وثيقة من جلد رقيق، الإنجيل فيها مكتوب
فوق هيرودت، وفوقهما القرآن، وتحت الجميع
لا تزال الكتابة القديمة تقرأ بوضوح وجلاء.
وإذا كانت مصر الراهنة عربية
الهوية والحضارة، فإن كثيرا من المثقفين
المسيحيين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم "مسيحيون
دينيا، لكنهم مسلمون ثقافة وحضارة"،
وزاد من هذا التصور أن كثيرا من منظري "القومية
العربية" الأوائل كانوا من المسيحيين،
وهم إن انتقدوا "الخلافة الإسلامية"
كنظام سياسي، فإنهم لم يستطيعوا أن
يتجاوزا الإسلام كدين وحضارة لتلك البقعة
الجغرافية من العالم.
4 ـ وحدة الموروث الشعبي:
فالفلكلور المصري واحد، لا يفرق بين مسلم
ومسيحي. فعادات الأفراح والأحزان
متشابهة، وطقوس الموالد واحدة، والجميع
يتفاعلون مع الأساطير الشعبية بالدرجة
نفسها.
5 ـ علاقات السوق: فالمصالح
التجارية الحياتية بين المسلمين
والمسيحيين في مصر تفرض على الجانبين
تعايشا مستمرا. فالأفراد في خاتمة المطاف
ينحازون إلى مصالحهم الشخصية، وقد
يبتعدون عن الهموم العامة إن وجدوها تؤثر
سلبا على أرزاقهم، أو على الأقل يفصلون
بين واجباتهم حيال المشكلة الكبرى
ومقتضيات مصالحهم الفردية. وفي القرون
الفائتة استعان حكام مصر بمسيحيين في
الإدارة والتجارة والري، نظرا لخبرتهم في
هذه النواحي، وتماهي هؤلاء في نظام الدولة
ودافعوا عنه. وفي الوقت الحالي يستعين
المسلمون بأهل الحرفة من المسيحيين،
ويسعى المسيحيون من أصحاب التجارة إلى كسب
ود المسلمين لأغلبيتهم العددية، التي
تجعلهم القوة الشرائية الأساسية في
البلاد.
6 ـ الخوف من عواقب الفتنة: فهذا
الخوف يشكل كابحًا للطرفين من أن يتماديا
في تصعيد أي خلاف طارئ ينشب بينهما؛ لأن
استشراء الفتنة، يعني إزهاق أرواح وتدمير
ممتلكات، لا أحد بوسعه أن يعرف حجمها.
وسائل تعزيز التعايش
هناك أكثر من وسيلة يمكن
استخدامها في تعزيز التعايش بين المصريين
جميعا، يمكن ذكرها على النحو التالي:
1 ـ التعليم: وذلك بتضمين المناهج
التعليمية ما يحض على التعايش، ويحرص
عليه، وتنقيتها مما قد يقود إلى كراهية
طرف لآخر. فإذا كانت التعليم في مصر يتم
على ركائز ثلاث هي "تعلم لتعرف"، و"تعلم
لتعمل"، و"تعلم لتكون" فيجب أن
نعزز من تواجد الركيزة الرابعة وهي "تعلم
لتتعايش".
2 ـ الإعلام: وهو وسيلة مهمة، لو
استخدمت على الوجه الأكمل، ومن دون انفعال
ولا افتعال، فإن بوسعها أن تقلل من أي
احتقانات، وترسخ في عقول الناس ونفوسهم
قيم التسامح والاعتراف بالآخر واحترامه.
3 ـ المنتج الثقافي، الذي يجب أن
يحوي كل ثقافة الأمة المصرية، عبر
التاريخ، في جميع الأنواع الأدبية
والفنون بمختلف ألوانها.
4 ـ منظومة القوانين: أي وجود حزمة
من التشريعات التي تقنن التعايش، وتحدد
مرجعية عامة له، يلتزم بها الجميع.
5 ـ المشروعات القومية، التي يجب
أن تستوعب جميع المصريين، من دون تفرقة،
وتوجه طاقاتهم إلى عمل وطني مفيد، بدلا من
الفراغ الذي يزيد الشقة بين الناس، ويرفع
درجة الطاقة الغضبية لديهم.
6 ـ الجهاز البيروقراطي، الذي إن
وجدت معايير سليمة للتعيين والترقي فيه،
رفع الظلم عن كثيرين سواء من المسيحيين أو
حتى من فقراء المسلمين ومهمشيهم، وزال سبب
مهم لاحتقان مسيحيي مصر.
7 ـ المجتمع الأهلي، والذي يمكنه
حال وجود جمعيات خيرية دينية مشتركة بين
المسلمين والمسيحيين أن يزيد من أواصر
التعايش بين الجانبين.
8 ـ علماء الدين من الجانبين،
والذين بوسعهم، إن خلصت النوايا وصح
الفهم، أن يحضوا المصريين على التعايش،
ويبينوا لهم ضروراته، وأصوله في الشرائع
السماوية ذاتها.
اقرأ في هذا الموضوع:
|