بريدك الالكتروني


English

 

21:00 مكة - الأحد غرة جمادى الأولى 1427هـ - 2006/05/28م

مصر » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

في بعض تفسير ما يجري من سياسة بمصر

د. جهاد عودة**

نشر قوات الأمن المصري في الشوارع بات مشهدا متكررا

تجري في مصر الآن حرب سياسية ثقافية وسباق وتنافس حاد بين ثلاثة نماذج للعلاقة بين الدولة والمجتمع: أولها مشروع الفوضى البناءة، وثانيها مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الليبرالية، وثالثها الفوضى المدنية.

وهذه الحروب تمس وتشمل كافة مظاهر المجتمع والدولة، وتدور من أجل استنبات ديمقراطية جديدة في مصر تخرج من رحم التكلس والفوضى؛ فالمجتمع والدولة في مصر أصبحا قديمين فعلا. وفُتح الباب على مصراعيه للقوى الوطنية والدولية للتسابق للإمساك بناصية صياغة التغيير في مصر.

وذلك مع العلم بأن الحرب الثقافية علم وليست مسألة يسيرة أو عفوية، لكنها عمل مخطط وإستراتيجي، وهي ليست مسرحية تتبادل فيها الأصوات بين غاضب ومتحمس ولكنها صناعة تاريخ، وليست مسألة تعبر عن تراجيديا القهر والخسارة والتضحية فقط، ولكن أيضا هندسة للذكاء التنظيمي، كما أنها ليست مسألة تساير الرغبات الجماهيرية، هذا لأن الجماهير منقسمة، وإنما هي تعبر عن انعكاس لجدل مؤسسي بين القوى المؤسسية والاجتماعية، وليست هي مسألة منصرفة كلية إلى طبيعة التفاعل الداخلي، ولكن أيضا وربما الأهم في بعض الأحيان إلى طبيعة الوضع الدولي وقيوده وفرصه.

إن استنبات الديمقراطية في مصر في الواقع مرتبط تاريخيا بالصراع الثقافي أكثر منه بالصراع الاجتماعي. وبعبارة أكثر تحديدا إن المدخل لنشر الديمقراطية في مصر مرتبط بشكل حاسم بطبيعة ثقافة الدولة وتطورها، وهذا بدون بخس أهم العوامل الاجتماعية الاقتصادية. فالقضية المهمة هي كيف يمكن تحويل الدولة السلطوية إلى دولة ديمقراطية. هذا هو جوهر التغير من الداخل؛ فالمسألة مرتبطة بالتغير في طبيعة الدولة ووظائفها وليس بهيمنة الدولة في حد ذاتها، ويجب ألا يعبر عنها باعتبار أن المسار الديمقراطي في الأساس يأتي خصما من مفهوم الدولة بشكل مطلق كما يبشر البعض.

صراع ثقافي ومشروعات ثلاثة

على أية حال، الصراع السياسي في مصر في جوهره صراع ثقافي، وبين ثلاثة مشاريع كبرى. ولكل مشروع معالمه الثقافية كما يلي:

أولا: مشروع الفوضى البناءة، يتحرك التخطيط الإستراتيجي في هذا المجال على هزل قيمة شرعية مؤسسات الدولة، هذا في الوقت الذي يتم فيه إثارة قوى المجتمع المدني المهنية الحديثة لأسباب مرتبطة بالفساد وعدم عدالة الإجراءات في المجتمع والدولة والتقيد السياسي. ويتم هذا في إطار موجة هائلة من تركيز الإعلام الدولي وما يتضمنه من مسخ لتعقيد الواقع وليستبدل به صورة بسيطة دينية من الصراع بين الحق والباطل.

إستراتجية الفوضى البناءة ليست إستراتجية للإصلاح أو الثورة الاجتماعية، ولكنها مشروع للثورة المدنية، ثورة للحقوق والوجبات البرجوازية؛ فالتصور يقوم على أن هناك فئتين برجوازيتين تتصارعان، إحداهما مهنية حديثة تسعى للاندماج في العالم، وأخرى كانت حديثة ولكن استكانت للتقاليد السلطوية وأصبحت لا ترى داعيا لإعادة توزيع الثروة والنفوذ في المجتمع بل وأغلقت الدولة على نفسها. فإستراتجية الفوضى البناءة في الحقيقة هي مشروع استبدال للنخب "من نخب حديثة تاريخيا بنخب أكثر حداثة".

وفي هذا السياق تتدخل القوى الأجنبية من أجل الترشيد والنصح وإعادة التوجيه وتنساق قوى المجتمع السياسي بمختلف طوائفها في محاولة كبرى للتكيف مع الإرشادات والتعليمات الدولية، وتنسحق القوى السلطوية الداخلية أمام القوى السلطوية الأجنبية، ولا يصلح لهذه القوى الداخلية في السلطة محاولة التهدئة أو الالتفاف حول الإصلاح المدني أو إثارة الشعور القومي أو الديني ضد العدو الأجنبي، ولا يصبح أمامها إلا التسليم للقوى الأجنبية وعملائهم من القوى المدنية والدينية في الدولة والمجتمع.

ثانيا: مشروع الدولة الوطنية الليبرالية، يقوم المشروع على الاعتراف بأن البلاد ثائرة وغاضبة وتعرف ما لا تريد، ولكن ليس لديها يقين اجتماعي حول "ماذا تريد". والخروج من المأزق يأتي من خلال طرح الليبرالية الوطنية كحل إستراتيجي. ولكي لا تتكرر مأساة 1952 حيث كان المصريون يعرفون ما لا يكون ولكنهم مختلفون فيما يريدون، فانتهت مصر بحلقات متتالية من التجريب الاجتماعي والاقتصادي للسياسات العامة المتناقضة؛ الأمر الذي خلق وعمق الأزمة البنائية للحالة المصرية.

دعنا نفكر حول ماذا نريد لمصر؟. هذه مبادئ أربعة تقود الليبرالية الوطنية، الحل الشامل لأزمات الدولة والمجتمع:

1- بناء دولة كل المواطنين، حيث لا يوجد أحد يتم التمييز ضده بسبب عقيدة سياسية أو دينية ونوع جنس أو مذهب أو أصل عرقي. فمصر قد عانت من ضروب التمييز الاجتماعي - الاقتصادي، بل أصبحت تعاني من التمييز المدني بين المواطنين على أساس الدين والمذهب. وفي غياب هذا التمييز ستنطلق الكفاءات المصرية؛ لأن المعيار الوحيد سيكون معيار الكفاءة في العمل والخدمة والأداء، وينتهي التمييز الاجتماعي الضمني القائم على الملكية، وينفتح الباب أمام التمايز الاجتماعي الاقتصادي الصحيح، ويكون هذا مدخلا إلى رأسمالية حقيقية قادرة على التنافس الدولي من أجل تراكم رأسمالي وطني.

2- بناء دولة المحاسبة الاجتماعية والسياسية، وهي الدولة القائمة على المساواة في المسئولية المدنية والاجتماعية والقانونية. في هذه الدولة يخضع الجميع للمحاسبة السياسية من خلال العملية الانتخابية ومن خلال السماح بحرية الارتباط الفردي، فالمحاسبة الاجتماعية والسياسية هي جوهر الليبرالية، حيث إن كل فرد قادر في ظروفه العادية على تولي مسئولية وخاضع للمساءلة عنها.

3- بناء دولة التسامح الثقافي والديني، هي الدولة التي تردع التعصب الثقافي والديني سواء من خلال بناء وعي عام مدني فردي حديث أو استخدام سلطة القانون. والقانون يجب أن يمارس في إطار دمج القيم الدولية والإنسانية بالرؤية الوطنية. في هذا السياق يجب العمل على تطوير نظام عام قادر على تقبل قيم الحرية والصراحة؛ لأنه من غير ذلك سيفسد الوعي الاجتماعي ويتحول إلى الغش والخداع كوسيلة للتنافس الاجتماعي.

4- بناء الدولة الرئاسية الديمقراطية، وهي الدولة التي بها رئيس دولة قوي ولكنْ بها أيضا قضاء قوي ومستقل وسلطة تشريعية غير خاضعة من ناحية الهيكلية إلى السلطة التنفيذية. نريد نظاما محليا قادرا على التفاعل مع المطالب المحلية. في هذا النوع من النظم ستنهض مصر قادرة على محيطها ومتعاونة معه بشكل يحقق تبادلا صحيحا للاحتياجات الدولية والأمنية المتبادلة.

الليبرالية الوطنية تؤمن التغيير السلمي والاستبدال الديمقراطي والتفاوض الاجتماعي، وهي في سبيل ذلك تسعى للحوار والمواجهة مع قوى اجتماعية باطشة ليس من مصلحتها التغيير. فليكن سبيل التغيير هو الاعتراض الاجتماعي وليس العنف أو الانقلاب. هذه فرصة تاريخية لمصر لأن تسلك طريقا مدنيا في التغيير السياسي والاجتماعي. ويبدو أن مصر تدخل هذا المسار مترددة بعض الشيء يجذبها التخوف من ملامح الفوضى البناءة، ولكن بإرادة سياسية كبيرة من جانب الدولة وقواها الحقيقية نستطيع صنع حكومة سياسية قادرة على إنقاذ البلاد من مسار الفوضى البناءة أو مسار الفوضى المدنية.

ثالثا: مشروع الفوضى المدنية، ففي حال هذين المسارين أو النموذجين، ستسود الفوضى المدنية حيث تصبح الحياة قصيرة وغادرة وباطشة، فينهار النظام العام وينكسر الوطن إلى جماعاته الأولية، ويسيطر التطرف الديني والعصابات، وتصبح كل جماعة خائفة من الأخرى، وتدخل مصر غياهب النسيان الدولي.

واختصارا، المشروع الأول يستدعي الأجانب بسبب عدم رغبة القيادة في انفتاح الدولة والمجتمع، والمشروع الثاني يدعو إلى ثورة ثقافية من أجل وطن واحد، والمشروع الثالث يدخل مصر في ظلام التاريخ لزمن سابق عن ثورة 1919.

توقع المستقبل

تعتبر عملية توقع المستقبل مسألة فنية معقدة رغم أن هناك كثيرين يقومون بها بشكل عفوي أو عشوائي، وأحيانا تكون أقرب إلى الحقيقية. فالحياة في خضم التفاعل السياسي العملي تورث الإنسان الإحساس بقرب الحقيقة، ولكن هذا لا يعني أنه أصبح قادرا على التوقع الفني. فالمسألة تشبه المضارب في بورصة الأوراق المالية الذي قد يكون له إحساس رائع بحركة الأسهم صعودا وانخفاضا، ولكن لا يعني أن هذا الرجل "يستطيع القيام بالعمليات الفنية للتوقع بما فيه من معادلات وقياسات رياضية ورؤية انقسام الزمن عبر مراحل بعيدة أو قريبة".

وهنا يمكن توضيح بعض العمليات الفنية العاكسة لتشكل مستقبل النظام السياسي المصري على المدى القريب على النحو التالي:

أولا، قياس الزمن السياسي، يعتبر الزمن الحقيقي والذي يحسب من وقت فتح البورصة إلى إغلاقها هو معيار سرعة اتخاذ القرار في بورصة الأوراق المالية، أما في سوق التفاعل السياسي، فالقضية ليست في مدى سرعة اتخاذ القرار ولكن عدد متخذي القرار؛ لأن السوق السياسية ليست سوقا فردية يقودها الربح الفردي، لكنها سوق لها أساس جماعي مؤسسي تقوده التكتلات الكبرى في العمل الجمعي كالأحزاب والنقابات والحركات الاجتماعية والطرق الصوفية وغيرها.. فكلما زاد عدد التكتلات الجماعية في السوق السياسية زادت سرعة التفاعل. وبالتالي ليس هناك زمن إغلاق.

ثانيا: قياس الرغبة في التغيير السياسي، وهذه الرغبة ليست هنا مسألة نفسية في المقام الأول ولكن بالأحرى مادية، ويدلل عليها بازدياد توجه قطاعات النخبة إلى التكتل عبر الزمن في أشكال جماهيرية كالمظاهرات والإضرابات وغيرها وخاصة الأجنحة الشبابية منها. فالتاريخ المصري الحديث والمعاصر يدلل على حيوية مؤشر رضا النخبة ككاشف عن عمق الرغبة في التغيير.

وهناك مؤشر ثان، ألا وهو مدى ازدياد السخط على عدم القدرة الحكومية على السيطرة على الأسعار، وهنا لا نقصد ألا يكون هناك ارتفاع في الأسعار، ولكن ارتفاع الأسعار ليس له نمط أو سياق من الأسباب المحددة. ونلاحظ أن التمردات الواسعة في مصر المعاصرة والحديثة كان لها أسباب سياسية واقتصادية مرتبطة بالأسعار والبطالة في ذات الوقت.

والمؤشر الثالث هو السكينة النفسية للأغلبية الصامتة، بمعنى أنه كلما ازداد عدم المبالاة الشعبية لمصير قمة النظام تعمقت الرغبة في التغيير.

ثالثا، مدى مهارة ومرونة نخبة صناعة القرار على قمة النظام، هناك مؤشران للمهارة وآخران للمرونة؛ فالمهارة يدلل عليها بالقدرة على وجود وسطاء لديهم القدرة على النقل الأمين من أعلى إلى أسفل وبالعكس، وبالقدرة على اقتراح حلول لا يكون هدفها تحقيق انفراج الأزمات السياسية أو الاقتصادية وحسب، ولكن وهو الأهم تدعيم المشاركة بين أفراد أو تكتلات النخبة.

أما مؤشرات المرونة فتتمثل في ضبط النفس وقيام الأمن بعدم الكسر الخشن للمعارضة الجماهيرية، من ناحية، والقدرة على جذب قيادات جديدة حيوية من أجل توسيع قمة النظام، من ناحية أخرى. فالمستقبل يتم تشكيله ليس فقط وفق مقتضيات أمنية ولكن أيضا سياسية وأحيانا اقتصادية.

ومن تفاعل هذه المؤشرات مع بعضها البعض تتوالد الصور التالية حول المستقبل القريب، وتتزاحم هذه الصور من أجل المرور للمستقبل، وهذا التزاحم ليس منصبا على المتغيرات الداخلية فقط ولكنه يطول تأثير المتغيرات الخارجية والدولية على الواقع الداخلي.

يمكن في هذا الإطار توقع خمس صور:

الصورة الأولى: الأزمة الدستورية الممتدة، وهذه تأتي نتيجة عدم القدرة على الحسم للقوى السياسية والاجتماعية بما فيها قوى الدولة لما هو مثار بشأن العدالة والكفاءة؛ الأمر الذي يجعل علاقات الدولة والمجتمع كأنها جزر في محيط واحد، حيث تتميز هذه الجزر بالاستقلال الذاتي والتخوف في مواجهة بعضها البعض.

الصورة الثانية: ميلاد النزوع البرلماني من جديد، هنا يظل الرئيس في المسائل الخارجية هو المسيطر ولكن في المسائل الداخلية يقوى منصب رئيس الوزراء لكي يشارك الرئيس في الهيمنة على الوضع الداخلي، وهذا يقرب إلى النظام الفرنسي.

الصورة الثالثة: تصغير حجم الدولة، هنا تكتمل حركة الخصخصة ويتم تصغير الدولة لتصبح الدولة المشرفة على الإدارة وليست الدولة المديرة؛ الأمر الذي يكون له آثار سلبية على الولاء والمواطنة خاصة في ضوء تعاظم البطالة وازدياد هدر الموارد.

الصورة الرابعة: بزوغ دولة الأمن القومي، حيث يتمدد الإحساس بالخطر القومي، وهذا لأن مصر دولة قديمة مبني داخلها هذا الإحساس. ولكن هذا الخطر القومي من المرجح أن يأتي في إطار ثقافة سياسية شعبية، أي أنه خليط بين الناصرية والإسلامية، وليس في إطار ثقافة بناء الدولة الرأسمالية. بعبارة أخرى، سيكون هناك خطر يولد إحساسا بالخطر الإقليمي وليس إحساسا بالاصطفاف من أجل مكافحة الإرهاب الدولي.

الصورة الخامسة: تجذر دولة رجال الأعمال، وتبرز هذه الدولة نتيجة، ليس فقط الصراع مع القطاعات الشعبية، ولكن أيضا نتيجة الصراع الداخلي بين رجال الأعمال. ويهدف الصراع إلى ضبط مصالح رجال الأعمال في منظومة فكرية وسلوكية ودولية متناسقة.

مصر ما زالت في منتصف الطريق لم تحسم توجهها النهائي بين هذه الصور، لكن الأرجح حتى هذه اللحظة هو التفضيل العام للصورة الثانية لما ما يوفره من سكينة عامة. ولكن يجب ألا نغفل التنافس بين الصورتين الرابعة والخامسة، ودور هذا التنافس في التأثير على طريقة أسلوب إخراج الصورة الثانية.

هذه الصور عند اقتراب ساعة الحسم سيزداد تداخلها مع بعضها البعض. وعلى أية حال قد يكون مبكرا القول بالحسم ما لم تكن هناك أخطاء غالبة من جانب النظام السياسي في التعامل مع القضايا الحساسة جماهيريا مثل الأسعار والوحدة الوطنية أو الحريات، أو أحداث قاهرة أو تدخلات واسعة النطاق من دول عظمى.


** رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة حلوان.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع