بريدك الالكتروني


English

 

12:00 مكة - الأحد 27 ذي الحجة 1427 هـ - 6/2/2005 م

مصر » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
روابط خارجية
ملفات وصفحات
  أهم الأخبار

 

المسألة القضائية.. وتفكك نظام الحكم*

المستشار طارق البشري**

المستشار طارق البشري

عندما يفتقد النظام السياسي الحد الأدنى من اقتناع الناس بجدواه وثقتهم بأنه يكفل لهم حدا معقولا من تنظيم الحياة اليومية العادية برتابتها واطرادها، عندئذ يكون قد آذن بزوال، وهذا الإيذان لا يأتي فقط من نهوض الناس ضده أو احتجاجهم عليه، ولكنه يأتي أيضا من سلوكه المتخبط ومن افتقاده المنطق والمعقولية في تصرفاته وقراراته. ذلك أن رجاله أنفسهم، بخاصة من خارج الحلقة الضيقة العليا الحاكمة، يصيرون مثل حبات العقد المنفرط لا يجمعهم جامع ولا يحدد مسارهم طريق مرسوم، يصيرون مثل عازفين بغير قائد ينظم حركتهم ولا ضابط إيقاع ينسق بين نغماتهم.

وكل يخضع في تصرفه، إما إلى عاداته الفردية في التصرف أو إلى صالحه الشخصي أو إلى ما يتصوره خوفا من رئيسه الأعلى أو طمعا في إرضاء آخر.

ومن الواضح أن عِقدا قد انفرط، وأن جهازا آليا قد تفككت أجزاؤه فلم يعد ماكينة تعمل بانتظام واطراد. ولذلك نجد حركة بغير قرار وبغير سياسة متبعة، صائبة كانت أو خاطئة، عادلة كانت أو ظالمة، هي غير موجودة أصلا. المشكل هنا لا يأتي من اتباع سياسة ضارة فقط، ولكنه يأتي أيضا من اللاسياسة. وإلا فكيف نفهم الأحداث الجارية، من وجهة نظر مصلحة الحاكمين أنفسهم، كيف يتصرفون هكذا. فمن يبيع شركات القطاع العام يبيعها بشروط وأسعار لا تفهم إلا أنها بيوع تجرى تحت عنوان أو إعلان مؤداه البيع لدواعي السفر، والمسألة تفضح في الصحف ولكن البيع مستمر. كيف نفهم أن وزير الخارجية يعتبر تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.5% في إيران خطرا على أمتنا، ولا يعتبر امتلاك الجار المغتصب الإسرائيلي قنابل نووية خطرا علينا وعليه شخصيا، كيف نفهم أن وزير الزراعة يطلق البناء على الأرض الزراعية، مع أننا فقدنا أكثر من مليون فدان من الأرض الزراعية بالوادي عندما كان حظر البناء عليها قائما، فما بالنا عندما تكتب الصحف أنه قد أبيح المحظور، كيف نفهم صحيفة أسبوعية قومية شبه رسمية تبرر ذلك، بأن أرض الدلتا عمرها الافتراضي قد انتهى. كيف نفهم أن وزيرا فكر في ردم جزء من النيل للتسهيل على نزلاء فندق جديد مجرد التفكير وبقي وزيرا ثم أخرج لغير هذا السبب مما لا نعرف. كيف نفهم أن وزارة تريد خصخصة السكة الحديد في مصر. كيف نفهم هذه الاستهانة عند التعامل مع ما يعتبر من البنية التحتية للمجتمع المصري؟.

لماذا ثار القضاة؟

في هذا الجو العام تثور المسألة القضائية ونحن نفهم لماذا تثور، ذلك أن النظام السياسي القائم صار من الضعف والافتقاد للمصداقية بما يجعله يحاول أن يتستر خلف ما لا يزال له القدر الطيب من المصداقية بين الناس. فيتخفى الفعل السياسي غير المقنع خلف القرارات القضائية، أحكاما من المحاكم وقرارات من النيابة العامة ويجرى التلاعب في نتائج الانتخابات النيابية تحت ستار الإشراف القضائي الكامل.

ولكن الغالبية الغالبة من رجال القضاء بمصر شرفاء يحملون رسالتهم بأمانة، فرفضوا القيام بهذا الدور، ولما مورست معهم الضغوط جهروا بالرفض ليصل صوتهم المقاوم إلى كل شباب القضاء وليربوا الناشئة منهم على موقف يمكن أن تتناقله الأجيال من بعد، كما انتقل إلى الموجودين تراث أجيال من قبل، على مدى القرن العشرين.

أريد أن أوضح هنا أن الحالة السياسية التي نحن فيها لا تنحصر في وجود المعارضة السياسية ومدى مقاومتها للاستبداد والفساد وللمخاطر المحدقة بالأمن القومي للبلاد، ولكنها حالة سياسية تؤدي إلى تفكك آلة الدولة وظهور الشروخ في أبنيتها، ومن رأى الشرطة تضرب الناس في الشوارع الآن قد يعجب حين يعرف من كتب التاريخ أن هذه الشرطة عينها أضربت عن العمل في سنة 1947. كما نعلم من كتب التاريخ أيضا أنه بعد حرب فلسطين سنة 1948 وقف رجال الجيش ضد الفساد الذي كان متمثلا في الأسلحة الفاسدة المشتراة للاستعمال في هذه الحرب، وكان ذلك في سنة 1951.

إن النظم السياسية عندما تتفكك تبدأ هذه الظواهر، لا من ناحية المعارضة السياسية التي تقف وتمشي في الشوارع، ولكن من ناحية التكوينات المؤسسية ذاتها. ولذا كانت الهيئات ذات الانضباط التقليدي عرف التاريخ لها انتفاضها، فمن باب أولى يحدث ذلك في المؤسسة القضائية ذات الاستقلال.

ومن ثم فلا يعجب من يرى قضاة مصر الأجلاء يذودون اليوم عن مؤسستهم القضائية ويجهدون لحماية حيدتها، ولو بالأظفار والأسنان، غير راغبين في شيء ذاتي ولا مطالبين بمنفعة خاصة. وهم في جهادهم هذا يسعون وكل سعيهم هو الحفاظ على الأمانة التي في أيديهم، أمانة أن يجيئوا بالحق ويزهقوا الباطل؛ لأن هذه هي المهمة التي نيطت بهم.

النظام والقضاة.. تحلل ذاتي

إن المسألة القضائية الجارية الآن لا تعتبر الأزمة الأولى فيما عرفنا من أزمات، أذكر تاريخيا أن حدث شبيه لها في سنة 1952، وكان النظام الملكي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وشاء أن يقدم خصومه لمحكمة الجنايات طالبا إعدام بعضهم بتهمة حريق القاهرة، وكان أولهم أحمد حسين زعيم الحزب الاشتراكي، وعرضت الدعوى على دائرة يطمئن الملك وحاشيته إلى تفهمها لرغباته، وكان رئيس الدائرة يبلغ سن التقاعد في يونيو 1952، وأكثر المحامون من الدفوع وطلبات الرد ليفوت هذا الموعد قبل أن تتمكن المحكمة من الحكم، فعرضت الحكومة اقتراحا بمد سن الإحالة للتقاعد، والمفروض أنه اقتراح يحقق مصلحة القضاة جميعا، لكن نادي القضاة اجتمع ورفض مد السن، كما يحدث اليوم تماما، وأظهر النادي أنه حارس القضاة ضد محاولات الغواية والاستتباع من جانب الحكومات، وبهذه المناسبة نذكر أن قضايا النشر في الصحف التي كانت تقدم إلى محاكم الجنايات ضد الصحفيين، كان الأغلب الأعم منها يقضى فيه بالبراءة، وأن القضاء كان أهم مؤسسة بالدولة أتاحت للحريات في الرأي والتعبير والنقد ما أسهم في إنضاج حركة الرأي العام على نحو لا يتسع المجال للتفصيل فيه، ولم يقل أحد قط إن المحاكم تعمل بالسياسة ولا أن نادي القضاة في حراسته لاستقلال السلطة القضائية إنما يعمل بالسياسة.

وفي سنة 1968، بعد هزيمة 1967، بدأت الطريقة ذاتها، وهي محاولة النظام السياسي، في حالة الضعف الذي سببته الهزيمة، بدأ محاولته الاعتماد على القضاء والمحاكم في التعامل مع المعارضة السياسية التي كانت آخذة في الظهور والتجمع، وحاول ذلك عن طريق السعي لإدخال القضاة في التنظيم السياسي وعن طريق عناصر من غير القضاة في تشكيل المحاكم. وهنا جاءت وقفة القضاة في ناديهم وإصدارهم ما عرف باسم بيان 28 مارس 1968 الذي رفضوا فيه هذين الأمرين وجمعوا القضاة في جمعيتهم العامة ضدهما. ثم جرت انتخابات نادي القضاة فسقطت قائمة المرشحين التي كانت تزكيها الحكومة، ونجحت باكتساح القائمة التي تصدرها اسم المستشار ممتاز نصار رحمه الله، والتي كانت ضد السعي الحادث وقتها لاحتواء المحاكم والقضاء في الجهاز السياسي، وكما جرت أحداث سنة 1952 في نهاية نظام سياسي، جرت أحداث سنة 1969 في نهاية نظام آخر.

أذكر هذه الأمثلة لأوضح أن موقف القضاة الحاصل الآن ليس جديدا ولا طارئا على تاريخهم في الذود عن استقلالهم. إن سعيهم في هذا الشأن ليس عملا من أعمال السياسة، إنما هو سعي لكف محاولات الحكومة عن تسييس القضاء واحتوائه.

ولكن والحق يقال إن هذه أقوى الوقفات التي يقفها القضاة دفاعا عن استقلالهم في استمراريتها وسعة التأييد لها وفي حدة الصراع القائم بشأنها.

لم يحدث قط في الماضي أن ضرب قاض من القضاة كما حدث في يوم 24 إبريل 2006. ولم يحدث قط أن قدم شيوخ أجلاء من رجال القضاء إلى المحاكمة التأديبية أو إلى لجنة الصلاحية التي يقدم إليها من ينسب إليهم الانحراف.

ولكن التأمل يدلنا على الحقائق، فإن من لا يعبأ أن يردم النيل من أجل إفساح ساحة أمام فندق، ومن يعتبر أرض مصر الزراعية التي هي مصر انتهى عمرها الافتراضي، ومن يبيع ثروة مصر التي نبتت بالعرق والدم والدموع بيع الأنقاض، هل يصعب عليه أن يضرب قاض أو يفصل الشيوخ الأجلاء من القضاء، هل يصعب عليه أن يعتبر كل ما هو شريف ومتعال وقيم قد انتهى عمره الافتراضي.

ونحن إذا أردنا أن نستخلص قاعدة عامة من الأمثلة التاريخية المضروبة عن انتفاضات القضاة، فإننا نلحظ أن ما من انتفاضة منها حدثت إلا في نهاية مرحلة تاريخية ونهاية أوضاع سياسية كانت وجدت في هذه المرحلة. وذلك أن أطقم الحكومات وهي تزول وتهوي تحاول الإمساك بالرواسخ. وهي لم تنجح في محاولاتها الماضية. لأن العِقد إن انفرط والحركة إذا تفككت فإن الوضع يتلاشي، ولن يجديه عنف ولا لين. منظورا للمسألة لا من ناحية قوة المقاومة، ولكن من ناحية التحلل الذاتي.


* مقال نشر بجريدة العربي الناصري يوم 30 إبريل 2006.

** مفكر وقاض ومؤرخ مصري.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع