 |
|
ديفيد وولش يرى أن الدبلوماسية أثمرت نتائج إيجابية مع ليبيا |
التساؤل الذي لا يزال يثيره
إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية "كوندليزا
رايس" في منتصف مايو 2006 عن عزم واشنطن
فتح سفارة لها في ليبيا، وما أتبعه من
زيارات متعاقبة لبعض المسئولين
الأمريكيين إلى ليبيا منذ ذلك الحين،
وتأكيد إدارة "بوش" في 23 يونيو 2006 على
تسريع وتيرة عودة العلاقات بين البلدين
رغم معارضة أسر الضحايا الأمريكيين في
حادثة لوكيربي، هو: هل عودة العلاقات
الليبية- الأمريكية يُعَدّ دليلاً على
نجاح السياسة الأمريكية بمنطقة الشرق
الأوسط خلال الفترة الأخيرة، أم أنه يشكل
صفعة قاسية على وجه تلك السياسة؟.
فقد تضمن الإعلان الموجز الصادر
عن "رايس" عددًا من الإجراءات على
رأسها أن الولايات المتحدة سوف تستعيد
العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع ليبيا،
وستقوم بفتح سفارة لها في طرابلس، ما يعني
أن تلك الإجراءات تأتي في الاتجاه المعاكس
الذي اتخذه منحنى العلاقات الليبية -
الأمريكية الذي بدأ في الاتجاه نحو الأسفل
منذ ثلاثة عقود.
بين صدام حسين والقذافي
الكاتب "أندرو مولر" يشير في
مقاله المنشور على موقع OpenDemocracy يوم 16 مايو
2006 إلى أن الولايات المتحدة منذ فترة ليست
ببعيدة كانت تنعت العقيد "معمر القذافي"
بجميع النعوت التي أطلقتها على "صدام
حسين" خلال الفترة السابقة مباشرة
لحملتها العسكرية للإطاحة بنظامه، ومن
بين تلك الأوصاف "الطاغية" و"الإرهابي"،
و"مصدر تهديد لكل ما هو عزيز وغال".
أما الآن فيبدو أن المشهد قد تغير تمامًا،
ذلك أنه بينما يمتثل صدام حسين أمام "المحاكمة
العادلة" التي سمحت له أمريكا بها، لا
يتمتع "القذافي" فقط بحكمه المطلق
والمداوم على مدار 37 عامًا، وإنما أيضًا
يستعد لاستلام أوراق اعتماد السفير
الأمريكي لدى بلاده، وهذا الأمر يثير
السؤال حول إذا ما كان العالم يتسم
بالجنون والغباء في سماحه بعودة "القذافي"
إلى ساحته من جديد.
ويقول مولر: إن الولايات المتحدة
كانت ترى في "القذافي" أكثر حاكم شن
هجمات ضد مصالحها وحلفائها؛ ففي ظل حكمه
قامت ليبيا أو عملاؤها بتسليح وتمويل
الجيش الجمهوري الأيرلندي والجماعات
الإرهابية الأخرى من فلسطين إلى الفلبين
وقتل شرطية بميدان "سانت جيمس"
بلندن، وتفجير طائرتين مدنيتين على
الأقل، أولهما كانت طائرة تابعة لشركة "بان
أمريكان" رقم 747 فوق مدينة لوكيربي
بأسكتلندا في ديسمبر عام 1998؛ وهو ما أسفر
عن مقتل جميع ركابها البالغ عددهم 259 إلى
جانب 11 آخرين على الأرض. وثانيهما كانت
تابعة لشركة "يو تي إيه" وقد أسقطت
فوق النيجر في سبتمبر 1989؛ وهو ما أسفر عن
مصرع 170 راكبًا. علاوة على ذلك فقد اضطلعت
ليبيا في تفجير حانة في برلين يرتادها
جنود أمريكيون في إبريل 1986، وقد جاء هذا
التفجير ردًّا على الهجوم الذي شنته
طائرات أمريكية انطلق الكثير منها من
قواعد بريطانية، ضد أهداف في طرابلس وبني
غازي؛ وهو ما أسفر عن مصرع 100 شخص على الأقل
من بينهم ابنة "القذافي" بالتبني.
وقد زادت أحداث 11 سبتمبر 2001
العلاقات الأمريكية الليبية؛ إذ إن إعلان
الولايات المتحدة في 20 سبتمبر من العام
نفسه لمبدأ بوش "من ليس معنا فهو ضدنا"
لم يبدُ على الإطلاق يحمل أنباء سارة
للقذافي.
ويرى مولر أنه بغض النظر عن وجهة
نظرنا إزاء "القذافي" أو "جورج بوش"،
فإن التقارب بين دولتيهما يُعَدّ نبأ
سارًّا على عدة مستويات؛ فبالنسبة
لليبيين الذين عانوا من العزلة والحرمان
على مدار عدة عقود بسبب العقوبات
الاقتصادية والخزي الدبلوماسي، يحمل هذا
التقارب في طياته إعادة اتصال بعالم طال
اشتياقهم إليه. وبالنسبة للعالم الغربي،
يبدو وكأنه نجح في ترويض حصان أسود؛ حيث
قبلت ليبيا بالفعل مسئوليتها عن حادث
لوكيربي وأعلنت رسميًّا تخليها عن
الإرهاب في أغسطس 2003، بل والمشاركة
الإيجابية دوليًّا في مكافحته، وكذلك
تخليها عن برامجها لإنتاج أسلحة الدمار
الشامل، وبالطبع لم يغب عن ذهن الليبيين
وغيرهم الثروات التي تحتضنها الصحراء
الليبية؛ حيث تشير التقديرات إلى أن ليبيا
بها أكبر تاسع احتياطي نفط على مستوى
العالم.
لكن السؤال المثير الآن هو ما إذا
كان استعادة العلاقات الليبية - الأمريكية
تُعَدّ دليلاً على نجاح السياسة
الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط خلال
الفترة الأخيرة، أم أنه يشكل صفعة على وجه
تلك السياسة؟. بالتأكيد قد يبدو الأمر
باعتباره دليلاً على صحة قرار غزو العراق؛
حيث يبدو أن الإطاحة بديكتاتور أثار الرعب
في نفس الآخر ودفعه للالتزام بالمسار
الصحيح.
لكن إذعان ليبيا من الممكن
تفسيره كذلك باعتباره دليلاً على أن هناك
سبلا أخرى لإجبار الدول المارقة على
الإذعان دون تدخل عسكري شامل. فإذا كان لدى
البعض الاستعداد للتعاون مع "القذافي"
مثلما اتضح من زيارة "توني بلير" له
في مارس 2004 رغم تواطئه في قتل عشرات
البريطانيين، فلم يكن هناك إذن ما يدعو
لإظهار الرفض والامتعاض إزاء فكرة القيام
بالمثل مع شخص مثل "صدام".
كذلك تجدر الإشارة إلى أن "سيف
الإسلام" ابن "القذافي" وخليفته
المحتمل يعتبر شخصية واعدة؛ الأمر الذي
ربما كان أحد العوامل وراء التوجه الجديد
الذي انتهجته واشنطن ولندن إزاء ليبيا؛
حيث يتميز بتعليمه الغربي وميوله الغربية
المعتدلة التي ربما تجعله يسمح للشعب
الليبي بالتصويت والتعبير عن الرأي بحرية
وانتقاد الحكومة.
أمريكا وليبيا.. من حال إلى
حال
أما المحلل السياسي "رونالد
بروس جون"، فيرى في مقاله المنشور على
موقع "فورين بوليسي إن فوكس" يوم 27
مايو 2006 أن القرار الأمريكي يعد بمثابة
مؤشر على حدوث تحول كبير في السياسة
الخارجية لإدارة "بوش"، وهو تحول غاب
عن أعين غالبية المراقبين. فقد أبدت
واشنطن قلقها للمرة الأولى إزاء سياسات
طرابلس في مطلع عام 1973 عندما لم تقم بتعيين
خليفة لسفيرها بطرابلس "جوزيف بالمر"
الذي عاد إلى الولايات المتحدة في نهاية
عام 1972. في أعقاب ذلك تمت إدارة العلاقات
بين الجانبين على مستوى القائمين
بالأعمال إلى أن أغلق "ويليام إيجلتون"
القائم بالأعمال الأمريكي السفارة
الأمريكية في طرابلس عام 1980 في أعقاب
مهاجمة مجموعة من الليبيين لها.
والآن، تغير الحال بداية بحذف
ليبيا من قائمة الدول الراعية للإرهاب،
ومن قائمة الدول التي لا تتعاون بشكل كامل
مع الجهود الأمريكية لمكافحة الإرهاب،
وصولا إلى عودة العلاقات الدبلوماسية بين
البلدين. بكلمات أخرى تعترف الولايات
المتحدة بالتزام ليبيا المستمر بتخليها
عن الإرهاب، وبالتعاون المواتي الذي
أبدته مع المجتمع الدولي منذ أحداث سبتمبر
2001. ورغم الانتقادات لمثل هذا التوجه، إلا
أنه جاء على أساس صحيح بالنظر إلى أنه منذ
البداية تم الربط بين العقوبات التجارية
والدبلوماسية التي فرضتها الولايات
المتحدة ضد ليبيا والاتهامات الموجهة إلى
حكومتها بالمساعدة والتحريض على الإرهاب.
ومن ناحية أخرى، لم تشكل المصالح
الأمريكية المرتبطة بنواح أخرى مثل
الإصلاح الاقتصادي والسياسي داخل ليبيا،
وأمن الطاقة، وحقوق الإنسان، جزءا جوهريا
من المفاوضات التي جرت بين الجانبين على
مدار تسعة أشهر، وأدت في نهاية الأمر إلى
إعلان ليبيا في ديسمبر عام 2003 عن تخليها عن
أسلحة الدمار الشامل وأنظمة إطلاقها.
لكن الكاتب يرى أن إضافة قضايا
خارجية إلى المفاوضات التي أثمرت
الاتفاقات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل
والحرب ضد الإرهاب كان سيؤدي إلى تغيير
الأهداف المحددة من وراء عملية التفاوض
والإضرار بمصداقية الحكومة الأمريكية،
وهو الأمر الذي أعادت وزارة الخارجية
الأمريكية التأكيد عليه في منتصف مايو 2005
عندما أعلنت أن الباب بات مفتوحا أمام
ليبيا لإقرار علاقات ثنائية أوسع نطاقا مع
الولايات المتحدة تسمح بتناول القضايا
ذات الأهمية؛ حيث أشارت رايس إلى قضايا
مثل حماية حقوق الإنسان، وتعزيز حرية
التعبير، وتوسيع نطاق الإصلاح الاقتصادي
والسياسي في ليبيا.
نمط المصالح المتبادلة
ويرى "رونالد بروس جون" أن
الخطوة الأمريكية التي قوبلت بالارتياح
في مختلف أنحاء العالم، كان ينبغي اتخاذها
منذ أمد بعيد؛ لأنها تعود بالنفع على كل من
ليبيا والولايات المتحدة، إضافة إلى دول
أخرى داخل وخارج منطقة الشرق الأوسط.
ومن شأن فتح سفارة أمريكية في
طرابلس وأخرى ليبية في واشنطن تيسير عملية
الحصول على تأشيرات للسفر بين الجانبين،
كما أن حذف ليبيا من قائمة الدول الراعية
للإرهاب، وهي خطوة تأخرت بعد تخلي ليبيا
عن برامجها لأسلحة الدمار الشامل من شأنها
تمكين الولايات المتحدة من تصدير التقنية
اللازمة لمساعدة ليبيا على التخلص من
مخزونها من الأسلحة الكيميائية، كما أن
استمرار ليبيا على تلك القائمة كان يهدد
مصالح اقتصادية كبيرة؛ حيث تشكل ليبيا
سوقا مهمة محتملة للسلع الأمريكية.
علاوة على ذلك، فإن الاحتياطيات
النفطية الليبية المؤكدة تبلغ 39 مليار
برميل، ومع إجراء المزيد من عمليات
التنقيب والإنتاج المشتركة من المتوقع أن
يزيد هذا المخزون. وقد شهدت السنوات
الأخيرة نشاطا منخفضا في مجال التنقيب عن
النفط والغاز في ليبيا؛ الأمر الذي يعود
بصورة كبيرة إلى العقوبات الدولية التي
تعرضت لها البلاد منذ مطلع عقد التسعينيات
والتي تم رفعها فقط في سبتمبر 2003. والآن
تخطط ليبيا لمضاعفة إنتاجها النفطي بحلول
منتصف العقد القادم والعودة إلى مستويات
إنتاج لم تشهدها البلاد منذ عام 1970.
ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن
قط من الدول الكبرى المستوردة للنفط
الليبي ومن غير المتوقع أن تصبح كذلك في
المستقبل، فإن احتياطيات النفط والغاز
الليبية تتميز بأهمية متنامية بالنسبة
لحلفاء أمريكا الأوروبيين، ومن شأن زيادة
الإنتاج الليبي زيادة العرض العالمي؛ وهو
ما يعود بالنفع على جانبي الأطلسي.
تغير التفسير الأمريكي
وبعيدا عن المنافع المتبادلة
وراء عودة العلاقات الأمريكية - الليبية،
فإن أكثر العناصر المثيرة للدهشة، يتمثل
في إشارة البيان الرسمي الأمريكي الصادر
بهذا الشأن إلى أن ليبيا تعد نموذجا
لتغيير السلوك أمام كل من نظامي كوريا
الشمالية وإيران.
وهذا التفسير يأتي نقيضا لتفسير
أمريكي أولي راج في الفترة الماضية؛ حيث
أرجع التغير في السلوك الليبي إلى الغزو
الأمريكي للعراق، وأن ذلك نتاجا فرعيا
لسياسة الضربات الاستباقية الأمريكية،
عندما أشار الرئيس الأمريكي في خطاب حالة
الاتحاد عام 2004 إلى أن القرار الليبي جاء
نتيجة غزو العراق.
ويقوم التفسير الأمريكي البديل
على رؤية جديدة ترى أن التحول في سلوك
الدول المارقة ممكن عبر الجهود
الدبلوماسية؛ حيث أشار مساعد وزيرة
الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأدنى
"دافيد وولش"، في المؤتمر الصحفي
الذي أعقب صدور بيان وزارة الخارجية
الأمريكية بشأن عودة العلاقات مع ليبيا،
إلى أن الدبلوماسية أثمرت نتائج إيجابية
في حالة ليبيا.
وبالنظر إلى هذا الإصرار من قبل
الإدارة الأمريكية فيما مضى على أن غزو
العراق هو الذي دفع ليبيا "للإذعان"،
فإن الاعتراف الرسمي من جانبها اليوم بأن
الجهود الدبلوماسية التقليدية في مجال
السيطرة على أسلحة الدمار الشامل هي
الدافع وراء القرار الليبي، وأنه من
الممكن اتباعها مع الدول المعاندة
الأخرى، يشكل تحولا إيجابيا وغير متوقع في
السياسة الأمريكية.
|