بريدك الالكتروني


English

 

الإثنين 28 ذي القعدة 1427هـ - 18/12/2006م

لبنان » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

الخارج يقوض ديمقراطية لبنان

محمد مصطفى علوش**

متظاهرات لبنانيات يؤيدن الرئيس السنيورة

بعيدا عن التدخلات الدولية، وبعيدا عن الحديث عن لعبة المحاور واستعراض العضلات بين الدول المتصارعة على الأرض اللبنانية، ونزولا عند المشهد اللبناني الداخلي ولقراءته عن كثب بغية فهم الجدلية القائمة والأزمة الناشئة بين فريقين لبنانيين كلاهما يتهم الآخر بعدم لبنانيته، تأبى المحاور إلا أن تقحم نفسها وتفصل للبنان ثوبا يناسبها.

قد تكون الديمقراطية وحرية التعبير والانتماء الحر نعمة ربانية لم ينعم بها بعد العالم العربي والإسلامي، وإذا كان لبنان بطريقة أو بأخرى استطاع وبحكم تركيبته المتنوعة أن يخرج عن الطوق المحيط به، ويحاول أن يعيش تجربة ديمقراطية حقيقية مستفيدا من التغيرات الدولية والإقليمية المناسبة لهذا التحول المحبوب، كان لا بد من تقويض هذه الديمقراطية اللبنانية، أو هذا النموذج اللبناني في ممارسة الديمقراطية ربما خشية أن يكون ذلك بداية العدوى لدول المنطقة؛ وهو ما جعل كل دولة معنية بالوضع اللبناني تحاول أن تقوض هذه التجربة كل على طريقته.

عقب اغتيال الرئيس الحريري قام لبنان وأراد الانتفاض من ظل وصاية سورية دامت 30 سنة أورثت لبنان من خلال إدارتها للبلد ديونا تزيد عن 40 مليار دولار. قام لبنان وأراد أن يمارس حقه في العيش وحاول ذلك في ظل تراجع للمحور الإيراني السوري آنذاك ولو مرحليا، وتشكلت حكومة لبنانية مدعومة عربيا ودوليا، نعم جاءت هذه الحكومة وفق أكثرية نيابية ناشئة أصلا عن قانون جائر هو قانون عام 2000، عُرف بقانون غازي كنعان، كان الهدف منه حماية نفوذ التنظيمات والأحزاب القائمة وقتها والتي انتقل بعضها من خندق إلى خندق آخر.

لا أحد يريد لعبة ديمقراطية في لبنان

هذه الأكثرية التي قدمت، حالها كان أشبه بحال تسونامي الذي أراد أن يدمر كل ما سبق، فعملت في لبنان على تقويض وإلغاء وإقصاء كل من كان من أهل الحقبة السابقة أو على الأقل لم ينتقل من الخندق الذي كان معه فيه إلى الخندق الجديد، نفس ما فعلته الولايات المتحدة حين قدمت العراق وقامت باجتثاث البعث وأمركة العراق ودعم طائفة على حساب بقية الشعب العراقي، وكانت النتيجة أن حل الجيش العراقي وتهميش السنة أوجد مقاومة استطاعت أن تدك المحتل الأمريكي وأن تقوضه وتستنزف طاقاته.

الخطأ نفسه كرر في لبنان؛ فالديمقراطية الناشئة في لبنان هي أشبه بالديمقراطية الناشئة في العراق، كما يحب بوش وإدارته أن يصوروها، وأرادت لها الولايات المتحدة وفرنسا أن تكون ديمقراطية مهزومة، تتناسب مع الوضع الجديد للشرق الأوسط المنشود والذي ستكون إسرائيل فيه من الدول المحببة والصديقة؛ لذلك ما فتئت الولايات المتحدة وكذلك فرنسا تتدخلان في كل صغيرة وكبيرة في لبنان عبر سفيريهما في عوكر؛ وهو ما شكل معارضة جديدة للمعارضة القديمة وأحدث تبدلا في الأدوار، نتيجة السياسات الخاطئة للحكومة اللبنانية حيث لم يكن لها هم سوى نزع سلاح المقاومة وإغلاق جبهة الجنوب؛ الأمر الذي أثار حفيظة القوميين والعروبيين وحتى الشيوعيين في لبنان، وبدعم سوري وإيراني، حتى جاءت الحرب الأخيرة ووضح الدور الأمريكي في الهيمنة على لبنان؛ ففي الوقت الذي كانت إسرائيل تدمر بيروت والجنوب والبقاع كان أعضاء من فريق 14 آذار يتناولون الأطعمة مع وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" التي رفضت وقف الحرب حتى تحقيق إسرائيل مهمتها.

نعم تشكلت أكثرية من أقلية سابقة وتحولت أكثرية سابقة إلى أقلية جديدة، ولكن ممارسة الديمقراطية وإعادة لعبة الديمقراطية بعد أن تبدلت المواقع لم تعد أمرا مسموحا به. لعبة الديمقراطية هذه على ما يبدو لا تناسب المحور السوري الإيراني ولا المحور الأمريكي الفرنسي في عالمنا العربي؛ لأن نجاح الديمقراطية في لبنان قد يهدد مصالح هذه المحاور وهذه الأنظمة التي تتقاطع مصالحها دائما مع تقويض شعوب المنطقة.

ولمنع نجاح الديمقراطية في لبنان، عمدوا لتحويل الصراع السياسي إلى صراع طائفي في بلد، مشكلته منذ إنشائه "المحاصصة" الطائفية، بلد عاش حربا أهلية عبثية لمدة 15 عاما وخرج منها والكل خاسر. وبما أن حزب الله لا يستطيع أن يجاريه أحد عسكريا في الداخل اللبناني، وبما أنه بتنسيقه التام مع حركة أمل يستطيع أن يجعل المحور الذي هو ينتمي إليه متقدما على المحور الأمريكي الفرنسي، ما كان أمام الولايات المتحدة إلا أن تحول الصراع الدائر إلى صراع طائفي عبر أبواقها ونفوذها وسلسلة الاغتيالات التي لا يعلم أحد على وجه اليقين من يقف وراءها. وهنا تعود الولايات المتحدة إلى نفس الأسلوب الذي اتبعته في العراق بعد أن قويت شوكة المقاومة العراقية لها بأن تخلق فتنة طائفية لتحول الصراع بينها وبين العراقيين ليصبح صراعا بين العراقيين أنفسهم.

وعلى الرغم من أن رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان أبلغ المسئولين في سوريا وإيران عند اجتماعه بهم أن النار الطائفية إذا ما اشتعلت في لبنان فقد تمتد إلى دول المنطقة وتكون عندئذ الفوضى العارمة التي تفتتها وتقيم النظام الفيدرالي فيها أو التقسيم، وبالرغم من قول أردوغان بأنه إذا كان قد أمكن حتى الآن حصر الفوضى الدموية في العراق، فقد يصعب حصرها إذا ما استمرت وتحولت حربا أهلية تفرض تقسيم العراق دويلات، كردية وسنية وشيعية، أو إقامة نظام فيدرالي يبنى عليه الشرق الأوسط الجديد، بعد أن يشمل هذا النظام دول المنطقة ولا يعود في إمكان رافضيه أو معارضيه وقفه والحيلولة دون إقامته... رغم كل ذلك تبقى سياسة المحاور تراهن على لبنان لتفجيره؛ حيث إن الرئيس بشار الأسد "بشَّر" لبنان بالفوضى، ووزير خارجيته وليد المعلم بـ"العرقنة"، وأعلن آية الله علي خامنئي أنه سيهزم أمريكا في لبنان، فضلا عن تهديد بوش من خلال ربطه بين باريس 3 وبقاء حكومة السنيورة.

تحول في لغة الخطاب

هذه الأمور كافة أحدثت تحولا في الخطاب الداخلي بين ليلة وضحاها، من خطاب سياسي إلى خطاب طائفي تحريضي تخويني بامتياز. وإذا كان البطريرك الماروني "نصر الله صفير" يخاف من فتنة كبيرة في البلد بقوله: "الحرب أولها كلام"؛ فأي كلام هذا الذي يتبادله الفرقاء السياسيون في لبنان؟.

وإذا أردنا تحليل خطابات قوى 8 آذار وقوى 14 آذار نجد تطورين طرآ عليهما في الآونة الأخيرة:

التطور الأول: أصبح خطابا تخوينيا، تحريضيا، تشكيكيا، ناسفًا لكل المبادئ الأخلاقية.

التطور الثاني: أن كلا الفريقين من السنة والشيعة، أي من قادة الفريقين، أصبح ينقح كل خطاباته بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة حتى تظن حقيقة أنك تجلس إلى داعية وواعظ، وهذا ملاحظ جدا في خطابات نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، وفي خطابات رئيس الحكومة السنيورة.

وبين ما تعتبره الأكثرية انقلابا على ثورة الأرز وإعادة ربط لبنان بالمحور السوري وتطويق للقرار 1701 وتفريغ الجنوب من الجيش اللبناني ليبقى ساحة مفتوحة من خلال نقل حزب الله معاركه إلى الداخل وتحديدا ناحية السراي الحكومية لإسقاط الرئيس فؤاد السنيورة، وبين ما تراه المعارضة حركة تصحيحية؛ أي رفعا لحالة انعدام الوزن التي تشكلت من الأكثرية في ظرف استثنائي لا يتناسب مع طبيعة لبنان، وتصحيح المعادلة في الحكم بهدف ‏قيام مشاركة فعلية عبر حصولها على الثلث ‏المعطل... بين هذا وذاك يتوتر الخطاب ويأخذ المنحى الطائفي البغيض.

لقد نجحت الجهات التي أرادت أن تحول الصراع السياسي اللبناني إلى صراع طائفي حتى الآن، وإذا لم تنته الأزمة في الأيام القليلة القادمة، فإن الوقت لن يكون في صالح أحد، خصوصا إذا علمنا أن المعنيين بالأزمة هم من خارج لبنان، ممن كان يحذر من "عرقنة" لبنان، وممن يربط بين مؤتمر باريس 3 وبين بقاء حكومة السنيورة.


** كاتب لبناني.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع