بريدك الالكتروني


English

 

الأحد 20 ذي القعدة 1427هـ - 10/12/2006م

لبنان » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

بعد خطاب نصر الله.. هل تتشكل حكومة موازية؟

إبراهيم غالي**

رئيس الوزراء فؤاد السنيورة مستقبلا بعض الوفود المؤيدة لموقفه بالسراي الحكومي

في الوقت الذي بدأت فيه المبادرات الهادفة إلى منع تفاقم الأزمة السياسية في لبنان أو تحولها إلى أزمة طائفية/مذهبية جادة تأخذ زخما وتطرح للنقاش بين فرقاء لبنان؛ إذ بالعلاقات المتوترة بين أبرز القيادات السياسية في لبنان تصل إلى طريق شبه مسدود وأفق مغلق بسبب تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله كزعيم للمعارضة حاليا على اختلاف مشاربها، وبين رئيس الحكومة فؤاد السنيورة باعتباره ممثلا للأكثرية على اختلاف أطيافها أيضا.

فخطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الذي وجهه إلى المعتصمين يوم الخميس 7 ديسمبر 2006، وإن طالب الجميع بدرء مخاطر الفتنة الطائفية في البلاد، وحث على التمسك بثوابت حزب الله وهي عدم الانجرار وراء الفتنة، وهدأ المخاوف بشأن إمكانية استخدام سلاح الحزب في الداخل، وهو أيضا أمر لم يحدث من قبل كما يعلم كل اللبنانيون - فإن الخطاب في الحاصل الأخير كان هجوما مباغتا على الأكثرية وعلى رأسهم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، ليزيد الشارع المتوتر توترا واحتقانا حتى وإن صدرت الأوامر من الأمين العام لمن بالشارع بالحفاظ على ما يتمتعون به إلى اليوم من تحرك سلمي وحضاري.

فالإصرار على مكوث المعارضة بالشارع حتى تحقيق الأهداف المعلنة بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإنقاذ لبنان من خلال إنهاء حالة الاستئثار والتسلط والتفرد بالسلطة، وإعلان السيد حسن نصر الله في خطابه عن خطوات أخرى غير معلومة لإسقاط حكومة "السنيورة"، والتحذير من أن المعارضة بعد مدة لن تقبل حكومة وحدة وطنية، وتحول هدفها إلى إسقاط الحكومة، وتشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة ستقلب وضع الأكثرية والمعارضة السائد في لبنان الآن، وستؤدي إلى تشكيل حكومة يترأسها شخصية سنية وطنية شريفة نظيفة نزيهة يعرف العالم كله نزاهتها... كلها أمور تنتقل بالمعارضة من باب التحذير إلى خانة التهديد ربما بشل الحياة العامة في لبنان ومرافئها إن لم تعلن الحكومة الحالية موافقتها على إعطاء المعارضة الثلث المعطل أو الثلث الضامن بالحكومة.

وبعيدا عن هذا التهديد، فإن ربط الأمين العام لحزب الله بين طبيعة اصطفافات القوى اللبنانية اليوم على أساس أنها تلك الاصطفافات ذاتها التي سادت الساحة اللبنانية داخليا في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان (يوليو وأغسطس 2006) والقول بأن الذين يدعمون بقية الحكومة الساقطة المتواجدة في السراي الحكومي هم أولئك الذين دعموا الحرب الإسرائيلية على لبنان، يوصل رسالة مفادها أن ما يجري في لبنان اليوم هو نوع من تصفية الحسابات مع بعض القوى والشخصيات الموجودة في الحكومة الحالية، يضاف إلى مجمل الخلاف السياسي القائم بين الأكثرية والمعارضة.

اصطفافات ما قبل الحرب

السيد حسن نصر الله في أثناء توجيه كلمته إلى المعتصمين في بيروت

صحيح أن لبنان بلد يدار وفقا لعلاقة توافقية بين طوائفه وأن هذه العلاقة -القائمة الآن- التي نسجت في إطار قانوني انتخابي معين جرت على أساسه الانتخابات النيابية عام 2005 هي من أنتجت أكثرية وأقلية، وصحيح أيضا أن الأكثرية الحكومية قد تسرعت سابقا في إعلانها الرغبة في مناقشة أمر سلاح حزب الله عقب الإعلان رسميا عن الاتفاق في مجلس الأمن يوم 11 أغسطس 2006، إلا أنه من الصحيح أيضا عدة أمور:

أولها: أن هذه الأكثرية ذاتها هي التي أصدرت ذلك البيان الوزاري الذي تشكلت على أساسه الحكومة الحالية، وقد تضمن هذا البيان -كما أشار السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير- اعترافا للمقاومة بالحق من أجل تحرير الأرض واسترجاع الأسرى، ومن ثم فإن هذا البيان الوزاري ذاته هو من أعطى فعليا للمقاومة الحق في تحقيق أهداف كل اللبنانيين.

ثانيا: أن ثمة جولتين من الحوار الوطني قد عقدتا بين مختلف الأطراف السياسية عشية حرب تموز، وقد تعددت الآراء في أثناء هاتين الجولتين حول الحل الأنجع للتعامل مع سلاح حزب الله، بين من كان يرى دمجه بالجيش، أو تكوين فرقة بداخله تتلقى أوامرها من الجيش، إلى غير ذلك من الاقتراحات، لوضع سياسة دفاعية للدولة اللبنانية يتوافق عليها حزب الله مع كافة القوى السياسية الأخرى.

ثالثا: أن هذه الاصطفافات الثنائية القائمة اليوم لم تقم بسبب حرب تموز وآب، وإنما تشكلت الأكثرية من قوى 14 آذار (تيار المستقبل، ولقاء قرنة شهوان، واللقاء الوطني الديمقراطي)، والمعارضة من قوى 8 آذار (حزب الله، وحركة أمل، والتيار الوطني الحر) على خلفية وجملة المواقف السياسية التي سادت الوسط اللبناني تجاه النظرة إلى المحكمة الدولية وطبيعة التعامل مع معرفة من اغتال رئيس الوزراء السابق الشهيد رفيق الحريري.

رابعا: أن المقاومة اللبنانية في الجنوب قد سطرت ملحمة بطولية للدفاع عن الأرض في الحرب الأخيرة، وربما قد أبدى البعض من قوى 14 آذار تحفظات عدة على حزب الله بسبب دخوله تلك الحرب باعتبارها ذات أبعاد إقليمية، بيد أن ذلك لا يمنع من القول حكما أن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة تحديدا -مع اختلاف وجهات النظر- كان على مستوى المسئولية الوطنية في فترة الحرب وحتى استصدار القرار 1701 على الوجه الذي صدر به، وهو ما وافق عليه ساعتها حزب الله عبر نوابه في البرلمان ووزرائه في الحكومة.

خامسا: أنه لا مجال للمقارنة بين حالتين من الوعد بالانتصار، حالة مست الحرب مع إسرائيل في تموز الماضي، أشار إليها السيد نصر الله بتحمل –المعتصمين- تبعات 33 يوما من القتال قائلا: ".. صمدتم رغم التهجير والقتل والمجازر واحتضنكم أهلكم اللبنانيون في كل المناطق اللبنانية ومن كل الطوائف اللبنانية ولم تستسلموا"، وحالة ثانية تمس الداخل اللبناني، وتوجه لقوى لبنانية، فوعد السيد نصر الله بالنصر مجددا، هو نصر على الأكثرية، قائلا: "هم يواصلون حرب تموز وآب ونحن نواصل معركتنا في الدفاع عن هوية لبنان ووحدة لبنان وكرامة لبنان".

الأزمة تشتعل والجميع في حرج

على أن هذه الاعتبارات السابقة جميعا، ما خص منها المعارضة وما تعلق بالأكثرية، لا تمنع من القول بأن الأمر أبعد كثيرا عن كونه فقط تصفية حسابات؛ فهناك تصارع إرادات سياسية وكل يدير معركته السياسية على أساس تحقيق أهدافه، وعدم التراجع عنها بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. وبالتالي فكافة فرقاء لبنان لا يترددون في استخدام كل ما يستطيعون من حشد شعبي، ومن ثم كان خطاب الأمين العام يمثل مرحلة فارقة أعلن فيه ألا تراجع عن الاعتصام إلا بعد تحقيق هدف تحقيق حكومة وحدة وطنية تمتلك الأكثرية فيها الثلث المعطل، وإن لم يكن فمن الجائز اللجوء لخيارات أخرى منها تشكيل حكومة انتقالية.

إن خطاب السيد حسن نصر الله وما أعقبه من رد من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة وضع لبنان كله في مرحلة التمترس خلف الأفكار المسبقة، وأجج من دون مواربة تنازعا بين الطائفتين السنية والشيعية، فلا ريب في أن السنة، وأيما كان حسن نوايا المعارضة، ودون التشكيك في قدرة السيد حسن نصر الله على درء مخاطر الفتنة الطائفية، وهو قادر على ذلك فعليا رغم مخاطرة التواجد الدائم بالشارع، سينظرون إلى الخطوات المقبلة للمعارضة إذا بلغت درجة التحرك لإسقاط الحكومة فعليا، على أنها تهديد لحصتهم السياسية واعتداء سافر على ممثلهم "فؤاد السنيورة"؛ وهو ما يفاقم الوضع أكثر مما يحتمله الميدان الاحتشادي والاعتصامي في شارع قد يستمر على حضاريته وتمدينه، أو قد ينقلب إلى شارع للعنف والعنف المضاد.

والمشكلة المركزية هنا أن أجواء التصعيد هذه تأتي في وقت تنتظر فيه أطراف الداخل اللبناني حلا من الخارج، والخارج يرى أن المبادرات لا بد أن تأتي من داخل لبنان؛ وهو الأمر الذي يبقي كافة الاحتمالات قائمة، ولا يفتح آفاق أمل أمام حل عاجل.

وما بين تمسك قوى المعارضة على استمرار خوض ما أسماه السيد حسن نصر الله "معركة المشاركة"، وتحذير رئيس الحكومة السنيورة مما أطلق عليه "محاولة القيام بانقلاب أو التهديد بانقلاب"، وقوله: "إن لهجة السيد نصر الله تحمل كل التهديد وكل بذور الشقاق والفرقة بين اللبنانيين... وإنه ينصب نفسه على كل لبنان ويحدد من هو الذي سيكون رئيسا للحكومة وكيف سيعينه وكيف سيصنعه.." ينجر لبنان رويدا رويدا نحو مصير غامض، يزيد من غموضه حالة الشحن الذي يسعى كل طرف إلى إشعالها لدى أنصاره، وبروز نبرات تخوين صريحة من حزب الله للحكومة ورئيسها، واتهام لبعض من الأكثرية -لم يعلن السيد حسن نصر الله أسماء- بأنهم "من طلب من أمريكا أن تشن الحرب على لبنان بدليل أن الحوار حول سلاح المقاومة باعتقادهم وصل إلى طريق مسدود وألا إمكانية داخلية لبنانية لانتزاع سلاح المقاومة لأنها قوية وذات جمهور لبناني عريض في كل الطوائف"، ودعوة الأمين العام "إلى تشكيل لجنة قضائية لبنانية أو عربية من قضاة نزيهين للتحقيق في مسألة الحرب الأخيرة"، هي شئون تسهم في تسخين الأجواء سياسيا ومجتمعيا أكثر مما تحتمل، خاصة أن قوى الأكثرية سوف ترد بالمقابل، وسيشتعل الجدل مجددا حول الحرب وأسبابها ومن المصيب ومن المخطئ.. في وقت لا بديل فيه عن مناقشة ما يطرح من مبادرات داخلية.

أيضا فإن الأجواء الإقليمية تشجع كل طرف على التمسك بكافة مطالبه دون تراجع أو بحث عن حل وسط؛ فالأكثرية تمتلك دعما دوليا وعربيا كبيرا، حاججها به السيد حسن نصر الله في خطابه بالقول: "وأقول لبقية الحكومة الفاقدة للشرعية: إن استنادكم إلى الدعم الأمريكي والغربي لا يجديكم نفعا على الإطلاق، من تستندون إليه اليوم وفي مقدمتهم جورج بوش هو أحوج ما يكون إلى المساعدة وإلى من ينقذه..."، وهذا القول صحيح إلى حد كبير؛ إذ من الصعوبة أن يكون لفرنسا أو للولايات المتحدة مبادرة تقضي على مأزق لبنان الداخلي، لكن هذا لا ينفي حقيقة أن المعارضة اللبنانية، التي يقودها حزب الله، تتكئ هي الأخرى على وضع إقليمي لم يثبت تشكيله بعد، وتعتمد في تحركها الداخلي لأن تثبت لنفسها سيطرة على مؤسسات الدولة اللبنانية، وهي في ذلك تحظى بتأييد ودعم إيراني وسوري؛ فالمرشد الأعلى للثورة الإيرانية "علي خامئني" أشاد في اليوم الأول لبدء التظاهرات (1 ديسمبر 2006) بحكمة حزب الله وحلفائه، وكذا أكدت سوريا على لسان نائب وزير خارجيتها "فيصل المقداد" دعمها لمطالب المعارضة اللبنانية بقيام حكومة وحدة وطنية.

والحاصل الأخير أمام هذه الحال من الاستنفار السياسي، الممتزج باستنفار طائفي وآخر مجتمعي، أن كل فرقاء لبنان (أكثرية ومعارضة) وإن كان لكل منهم مطالبه العادلة من وجهة نظره؛ فحزب الله غير مطمئن لمسألة النقاش البرلماني والحكومي مستقبلا حول سلاحه، أو ما سيفرضه عليه تنفيذ القرار 1701 من وضع جديد واستحقاقات في الجنوب وغيره، أو ما يمكن للأكثرية أن تمرره من قرارات تمس العلاقة مع سوريا، وكذا الأكثرية تخشى إذا أقرت بمطالب المعارضة أن تستأثر المعارضة بالقرار وتعطل مؤسسات الدولة بعد أن تكون الرئاسة والحكومة بيدها إذا أعطيت الثلث الضامن، إضافة إلى الخشية مجددا من نشوب حرب جديدة مع إسرائيل، فإنهم، أي فرقاء لبنان، لا يقوون على تحمل تبعات الاستمرار على هذا القدر من التصلب في المطالب، فلا تحتمل المعارضة مطلب الأكثرية بإعادة فتح ملف رئيس الجمهورية قبل انتهاء ولايته الثانية، كما لا تحتمل الأكثرية مطلب المعارضة بإعطائها الثلث المعطل.

وبالمثل، فإن حزب الله ذاته قد لا يستطيع تحمل أن يكون هو المسئول عن تشكيل حكومة انتقالية بديلة لحين إجراء انتخابات نيابية مبكرة تقلب الوضع الراهن وتحول الأكثرية إلى أقلية وبالعكس، وقد يكون كل اللبنانيين -عدا استثناءات قليلة- خلف السيد حسن نصر الله في أي حرب مع إسرائيل أو رد على اعتدائها، لكن لن يقف جميعهم بالطبع متفرجا أمام مشهد تقوم به المعارضة بقيادة السيد نصر الله بإسقاط حكومة وتشكيل حكومة انتقالية جديدة ستكون بمثابة الحكومة "الموازية"؛ لأن هذا يمس جوهر العلاقات الطائفية "التوافقية" ويقضي على ما يمكن تسميته "ديمقراطية الطوائف في لبنان". كما لا يحتمل الجنرال عون أن يرفض كل ما يصدر عن الكنيسة المارونية من مبادرات خاصة مبادرة الأساقفة، وإلا أنه يضع نفسه عرضة للشبهات أمام سائر الطيف السياسي المسيحي، وهو أيضا لا يحتمل سياسيا أن يفض تحالفه مع حزب الله... الجميع في لبنان بلغ إلى ذروة الحرج وضيق الخيارات ومحدودية الوقت؛ وهو الأمر الذي إما أن يفتح سبيلا للحل، وإما أن يقود إلى تعنت مضاف لن يقود إلا لمزيد من انعدام الثقة التام ورفض كل الحلول الوسطية.


**  محرر صفحة تحليلات وآراء بشبكة "إسلام أون لاين.نت".

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع