|
"الشارع حائط نائم، يفصل بين
المشاة والوقوع.. كيفما جئتَ إليه يلاقيك.
اليوم حَشْر وغدا عيد... هناك شارع آخر،
للضرب والدماء. شارع لعنف الشهوة وآخر
لعنف العنف. واحد لمغناطيس التلامس وواحد
لسكين السَلْخ... ومع هذا، الشارع شكل من
أشكال الحرية، الحرية هي هذه أيها
الخائبون. الحرية هي هذه أيها
المُنْشِدون. سَكْرة لك وسَكْرة عليك.
الحرية لعوب لا تذهب حتى النهاية مع واحد
فقط. التهديد جزء منها. ما من أمان بعد
الولادة". (أنسى الحاج)
|

|
| المعارضة اللبنانية تحشد
جماهيرها لإسقاط حكومة فؤاد
السنيورة |
ربما لا توجد أصدق من هذه
الكلمات -التي نشرتها جريدة الأخبار
اللبنانية 2/12/2006- لوصف حال لبنان اليوم
بعد أن بات الشارع حكما للخلافات
والتناقضات والتناطحات السياسية
المختلطة بالمذهبية والطائفية.
ولأن الشارع قد يكون سكرة لك أو
سكرة عليك، كما أنه قد يكون مدخلا
لانطلاق العنف، أو قد يكون مغناطيسا
للتلامس أو سكينا للسلخ، تبقى كل
الاحتمالات مفتوحة في لبنان؛ فيصعب حتى
على القيادات اللبنانية، إن لم نقل على
كل من يعتبرون أنفسهم رؤساء للبنان، أن
يحسموا، إلى ومن على، قد تدور الدائرة،
وما هي نهاية المطاف الاعتصامي،
والمعادلات الصفرية التي تمترس خلفها كل
طرف، وكأنه سيكسب كل شيء ولا يفقد أي شيء.
لبنان الذي يفخر أبناؤه بتقديم
أنموذج للعيش المشترك والتفاعل منذ
قرابة الألف عام بين الديانتين: الإسلام
والمسيحية، يجد نفسه اليوم في موقع الوضع
الحرج في ظل أزمة لم يشهدها من قبل؛ لأن
الصراع ـ السلمي ـ اليوم بين تياريه
المركزيين (14 آذار و 8 آذار) بات أشبه
بصراع الوجود منه إلى صراع على الطائفة
أو السياسة.
وحقيقة، فإن السلم الأهلي في
المجتمع الطائفي اللبناني هو سلم بارد
دائما بانتظار التفجر منذ مطلع القرن
التاسع عشر حتى اليوم، وثمة مراحل متوترة
كثيرة بين الطوائف (1833 ـ 1836 ـ 1839 ـ 1841 ـ 1845
ـ 1858 ـ 1860 ـ 1919 ـ 1958 ـ 1975 وحتى 1990).
بين مفهومين للاستقلال
|

|
| كافة القوى في لبنان ترفع العلم اللبناني، لكن مطالبها دائما فئوية |
بيد أن كافة هذه المراحل تختلف
شكلا وموضوعا عن حالة لبنان اليوم، هي
حالة اختلط فيها الطائفي والمذهبي
بالسياسي بشكل لم يسبق له نظير في تاريخ
لبنان، هي حالة التناحر بين من يدعون من
قوى 14 آذار أن لبنان في طور استقلاله
الثاني بعد استقلاله الأول بالانسحاب
السوري من لبنان، والاستقلال الثاني
يتمثل في كشف المسئول عن الاغتيالات
السياسية في لبنان، ويسندون ذلك
بالمناداة بسيادة الدولة وبسط سيطرتها،
وبين من يدعون من قوى 8 آذار أن لبنان الذي
انتصر على إسرائيل في صيف 2006 يتمثل
استقلاله في تنحية الحكومة الحالية "المتأمركة"،
وتعديل النظام الانتخابي، وهو ما يعكس
حقيقة أن الاستقلال المنشود هو في تقوية
شوكة طائفة بعينها، هي من تحملت الدفاع
عن لبنان.
ولسوء الطالع، فالاستقلال
بالمعنى الأول هو رهن لطبيعة اللعبة
الدولية التي تسير عمل الملف اللبناني،
والاستقلال بالمعنى الثاني رهن طبيعة
إقليمية تتمحور حول سوريا وإيران.
وبالتالي لا يتوحد اللبنانيون حول
مفهومهم للاستقلال، رغم أنه من العبث أن
يتحدث أي لبناني عن استقلال لبنان؛
فالاستقلال المطلوب هو تأسيس دولة
لبنانية لم تعرف منذ بداية إنجاز
استقلالها عن المحتل الفرنسي في عام 1943
مركزية قوية أو سيادة مطلقة للدولة حتى
في فترات الرخاء والاستراحة من الحروب،
سواء أكانت حروبا أهلية أم حروبا ارتبطت
بالصراع العربي الإسرائيلي.
وعليه فإن حالة التصارع السياسي
اليوم تمثل حالة فارقة تضاءلت معها
إمكانية الاستقطاب السياسي لطرف ثالث
يوازن الخلافات القائمة بين الأكثرية
والمعارضة.. حالة تصارع الوجود هذه تنبع
من مفهوم كل طرف لذاته وقوته، وما يقف
خلفه من حشد دولي أو عربي أو إقليمي، ومن
ثم لا يبدو الحديث عن الخلاف حول رئاسة
الجمهورية أو حول حكومة الوحدة والثلث
المعطل أو حول طبيعة تشكيل المحكمة
الدولية لمعاقبة مرتكبي جريمة اغتيال
الحريري سوى القشرة الخارجية لدوافع
أبعد وأغور تغلي تحت هذه القشرة كبركان
ينتظر الانفجار.
سر الثلث المعطل
والحال هذه، ماذا يفسر إذن نزول
المعارضة إلى الشارع لإسقاط الحكومة؟
وماذا يفسر إصرار الأكثرية على عدم
الرضوخ للإسقاط أو إعطاء المعارضة الثلث
المعطل؟ وكأن كل من تياري الأكثرية
والمعارضة يعالج المشكلة بمشكلة أكبر،
وينفي أن يكون بذلك متوجها بلبنان نحو
انتحار سياسي.
الأكثرية كما المعارضة يدرك
كلاهما أن من يمسك بـ"ثلث" أعضاء
الحكومة يستطيع أن يهدد بالاستقالة إذا
لم يتم الاتفاق على تسمية رئيس جديد
للجمهورية غير لحود، بل إنه إذا استقال
هذا الثلث تصبح هناك حالة فراغ سياسي،
كما أن هذا الثلث الحكومي هو من يضمن أن
يناط بالحكومة صلاحيات رئيس الجمهورية
في حال عدم الاتفاق أو تعذر انتخاب رئيس
جديد لأي سبب وفقا للمادة 62 من الدستور؛
وهو ما يجعل مجلس الوزراء (الحكومة)
الحالي مناطا بصلاحيات الرئيس في حالة
عدم سقوط الحكومة الحالية وتعذر انتخاب
رئيس جديد بعد انتهاء فترة ولاية إميل
لحود.
وهذا هو السبب الحقيقي خلف
تمترس كل طرف وراء حساباته الذاتية، وهو
السبب وراء رفض كل مبادرات الوساطة
والحلول الوسط، وفشل جولات الحوار
الوطني سابقا، بكل ما يحمله معنى التراجع
في هذين الملفين عن سائر الملفات الأخرى.
ولعل ذلك يفسر نهاية لماذا لم
تكتف المعارضة بالتظاهر وإنما بإعلان
الاعتصام وقتا غير معلوم، ويفسر كذلك
لماذا قررت المعارضة النزول في ساحتي
الشهداء ورياض الصلح، لقطع الطريق على
نزول جماهير الأكثرية إلى أي ساحة منهما؛
لأنه ما فائدة النزول في الشمال أو في شرق
بيروت، وبالتالي كانت الأكثرية حكيمة في
قرار أن تكون معارضتها وتظاهرها من
الشبابيك ومن أسطح المنازل.
لقد أصبح الشارع والإطلال عبر
الشرفات في لبنان وسيلتي التعبير عن حالة
المعادلة الصفرية ونموذج الاستقطاب
الثنائي الحاد الذي يعيشه الشعب
اللبناني الآن، في ظل شلل سيصيب أجهزة
الدولة ومؤسساتها وإدارتها بل وحكومتها
التي لن تفرط ولن تسمح أن تخسر صراع
الإرادات السياسية لصالح معارضة يتزعمها
حزب الله أو هو واجهتها الحقيقية.
كوابح الحرب الأهلية
وسط هذه الحالة التي تمس الكيان
الوجودي للقوى السياسية في لبنان، ومع
بروز العوامل الدولية والإقليمية، ووجود
من ينفخ في نار الخلافات اللبنانية في
الخارج، فإن المخاوف من نشوء حرب أهلية
جديدة تبقى ذات مغزى وتملك أسسا قائمة
على الأرض فعليا، فمن يدري: أيحدث اغتيال
يصيب شخصية بارزة من المعارضة اليوم أو
حتى من الأكثرية، أم يقوم بعض المتحمسين
لاتجاه الأكثرية بنزول مماثل، وفي نفس
المكان من نفس الشارع، أم تأخذ المعارضة
قراراها بانسحاب نوابها من البرلمان ثم
من أجهزة الدولة الإدارية، أم أن التنافس
الخارجي بين قوى عربية ودولة عربية أخرى
وإيران سيأخذ مدى أبعد من ذلك ليطغى
تشكيل المحاور قائما على الأرض
اللبنانية، أم أن إسرائيل والتي لها
تواجد استخباراتي في لبنان ستستغل الظرف
لإشعال حرب أهلية فشلت في تأجيجها في
أثناء الحرب الأخيرة؟.
هذه وغيرها تبقى أسئلة كبرى
ستحدد ملامح المشهد الذي تروم إليه بيروت
وكافة شوارع مناطق لبنان المستنفرة بين
التأييد لفريق على حساب الآخر، وهي
الأسئلة التي يجب أن يجيب عليها فرقاء
لبنان قبل أن تأخذ الأمور تطورا غير
معلوم، يخرج كافة ما يجري اليوم عن نطاق
السيطرة.
وبالتالي يمكن القول إنه إذا لم
تشهد لبنان ظرفا من هذا النوع السابق أو
ما يشبهه، فإن السلم الأهلي المتأزم
حاليا سيبقى سيد الموقف، وهو أقصى أمل
يمكن تحقيقه أمام المشهد غير العادي من
الاصطفاف الشعبي لتيارين كبيرين دون
سواهما، في انتظار تسوية للأزمة الحالية.
ورغما عن ذلك، فإن كوابح اندلاع
حرب أهلية في لبنان تبرز من داخل مشهد
الأزمة ذاته؛ فالمسلك لكل من المعارضة
والأكثرية يبدو حضاريا حتى الآن، وهما لا
يزالان في مرحلة عض الأنامل.. المعارضة
قدمت مشهدا تظاهريا واعتصاميا سلميا،
وحزب الله قد امتنع عن الخطابة تاركا
إياها للجنرال عون، حتى لا يتهم من قلب
التظاهرة بأنه يدعم دورا سوريا في لبنان،
ولا أعلام إلا علم لبنان رفعت، ومع الوقت
تدخل أطياف حليفة لحزب الله، وأيضا غير
حليفة له، على خط الاعتصام. أما
الأكثرية، والتي تمتلك الأمر للجيش
والشرطة لم تمارس دور قامع التظاهرة بقدر
ما تمارس تنظيما لها، وثمة حوار يجري بين
الفريقين كي لا تخرج الأمور عن نطاقها
السلمي المعلن، في مشهد ربما لا يحدث
عربيا إلا في قلب بيروت.
أيضا ما يكبح جماح كل من الطرفين
من أن يتحول الشارع لساحة من العنف
والعنف المضاد أن كلا الفريقين يدرك حجم
وشعبية الآخر، والذي يكاد يكون
بالمناصفة؛ وهو ما قد يعني أن أي عنف لن
ينتج عنه منتصر أو مهزوم.
كذلك لا تمنع حقيقة التنافس
الإقليمي والدولي في لبنان أنها بحد
ذاتها تشكل جامحا لتلك الحرب؛
فالمعارضة، وتحديدا حزب الله يعلم أنه
الأقوى داخليا، إلا أنه يدرك تماما حقيقة
الدعم العربي ـ باستثناء سوريا ـ والدعم
الدولي للحكومة الحالية، وقد يدرك مخاطر
أن يؤدي التصادم إلى دخول أطراف لا
يرغبها كطرف فاعل في الداخل. وبالمثل
تعلم الأكثرية ما تحظى به من مساندة
دولية، تعزز تمسكها بخياراتها.
على أن أحد أبرز عوامل الكبح هذه
أن حال الاصطفافات اليوم ليس قائما على
الطائفة والمذهب بقدر ما هو قائم على
السياسة، وثمة قدر من التداخل في
الانتماءات السياسية لكل من قوى 14 آذار و8
آذار يجمع أكثر من طائفة واحدة؛
فالمسيحيون "الموارنة" ينقسمون على
التيارين، وكذا الدروز، وهناك دروز وسنة
في موقف الحياد، وسنة آخرون ينتمون
لتيارات قومية ووطنية ويسارية، وهناك
فئة شيعية ربما تصنف بأنها علمانية تنخرط
في تيارات أخرى غير حزب الله وحركة أمل.
بيد أن الخوف من التصادم يتمثل
في حالتين: الأولى أن يحدث تصادم مسيحي ـ
مسيحي، وهو ما لم يحدث رغم اغتيال وزير
الصناعة بيير الجميل؛ لأنه سيجر خلفه
تصادم من نوع أكبر بين الفريقين
الكبيرين، وسيقود لتصادم سني ـ شيعي فيما
بعد، ومن ثم يبقى التوافق بين الطائفة
المسيحية على عدم التصعيد ضمانة أساسية
لمنع الحرب الأهلية. والحالة الثانية
تنبع من مخاطرة التواجد بالشارع في
ذاتها؛ فالشارع الذي قاد لإسقاط حكومات
سابقة في لبنان ربما يكون شارعا للتصادم
إن طال اعتصام المعارضة أكثر مما يجب، أو
إن ألهب حماس من تتعطل مصالحهم في دولة
باتت تخسر من تلقاء ذاتها وبسبب أبنائها
70 مليون دولار يوميا.
ويبقى التاريخ بكل مأساويته،
واختلاف الظرف الحالي عن كل ما سبقه،
مانعين يوجبان على اللبنانيين ألا
يكرروا مأساة الحرب الأهلية التي جعلت
لبنان دولة دون الدولة، وبلدا تابعا لكل
من يستطيع تثبيت قدم له فيه.
وقائع اليوم، ومرارات التاريخ،
وما يحمله الشارع من تناقضات للتعبير
والحرية أو التأزم والسلخ هي شئون قد
تؤدي إلى أن يكون الحوار مدخلا للحل؛
فالأفق مسدود أمام الجميع، والخيارات
ضيقة بما يكفي، والحراب الخارجي على أرض
لبنان لن ينقطع... فهل تستوعب قيادات
لبنان دروس الماضي، ويبدأ رئيس
الجمهورية بالاستقالة، وتخرج الحكومة من
أدراجها القانون الانتخابي الجديد،
ويتراجع حزب الله عن مسعى إخلال المعادلة
الطائفية بلبنان.. الحل بيد أبناء لبنان
فقط ولا أحد سواهم!!.
|