بريدك الالكتروني


English

 

الأربعاء 07 ذي الحجة 1427هـ - 27/12/2006م

الصومال » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
  أهم الأخبار

 

الحرب في الصومال.. من يملك مفاتيح الحل؟

بدر حسن شافعي**

المناطق التي سيطرت عليها الحكومة الانتقالية الصومالية حتى يوم 26 ديسمبر 2006

كان متوقعا أن يتجاوز تأثير استيلاء المحاكم الإسلامية على العاصمة الصومالية مقديشو البعد الصومالي المحلي ليأخذ بشكل متسارع هذا البعد الإقليمي في شكل مواجهات عسكرية مباشرة بين إثيوبيا وقوات المحاكم الصومالية، سيما أن الأخيرة وإن أبدت القبول بالحوار على المستويين الداخلي والإقليمي، فإنها قد أعلنت مبكرًا عن فكرة عودة الصومال الكبير، كما أن أمراء الحرب قد تمادوا في طلب الحماية وعودة النفوذ من إثيوبيا المتضرر الأول إقليميا جراء هذا الصعود المفاجئ للمحاكم الإسلامية.

وحقيقة فإن بلوغ الصراع الصومالي هذه الدرجة إنما يرجع إلى أنه واحد من أعقد الصراعات في القارة الإفريقية، حيث تشهد البلاد فوضى داخلية منذ سقوط نظام سياد بري عام 1991، ولم تكن المحاولات الدولية والإقليمية لتسويته إلا لتساهم في مزيد من تعقيده، على اعتبار أن القوات المتدخلة في عملية التسوية منذ بداية التسعينيات كانت القوات الأمريكية، ثم قوات الأمم المتحدة، ولم تتمتع أي منهما بالحياد، كما أن التدخل العربي لم يكن على المستوى المطلوب، خاصة بالنظر إلى عدم وجود قوات عربية تابعة للجامعة العربية تكون قادرة على التدخل لحفظ السلام، كما كانت هناك صعوبات أيضا بالنسبة للتدخل الإفريقي؛ حيث إن منظمة الوحدة الإفريقية الذي تجاوز ميثاقها مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء منذ سنوات لم تفعل جديا هذا المبدأ في ضوء حداثة التجربة، وضعف التمويل، يدل على ذلك تجربة تدخل قوات الاتحاد في إقليم دارفور السوداني.

وفي ضوء هذه المعطيات فإن السؤال المطروح: من هو الطرف أو المنظمة الإقليمية التي تستطيع أن تتدخل حاليا لمنع مزيد من تفاقم الأوضاع الصومالية، وذلك بغض الطرف عن ما سيؤول إليه الاقتتال الجاري بين إثيوبيا وقوات المحاكم؟.

هنا تبرز دول الهيئة الحكومية للتنمية The Inter-Governmental Authority of Development والمعروفة اختصارًا باسم إيجاد (IGAD) كمنظمة إقليمية فرعية معنية بتسوية الصراع الذي ينشب بين أو داخل الدول الأعضاء بها، وتضم المنظمة سبع دول هي: الصومال وإثيوبيا والسودان وإريتريا وأوغندا وكينيا وجيبوتي. ويفترض أن تكون المنظمة الفرعية بصفة عامة أجدر على تسوية الصراعات التي تنشب بين أعضائها مقارنة بالمنظمة القارية أو الدولية، على اعتبار أنها الأجدر على فهم طبيعة الصراع من ناحية، كما أن دولها تخشى من انتقال عدوى الصراع إليها؛ لذا تسعى لتسويته بسرعة حتى لا يتضرر أمنها القومي. لكن ذلك مرتبط بعدة شروط لعل أبرزها توافر الإرادة والرغبة السياسية للدول الأعضاء في تسوية هذا الصراع.

دور الإيجاد في أزمات الصومال

قوات المحاكم الإسلامية هل تدخل حربا مفتوحة مع إثيوبيا؟

بالرغم من أن الإيجاد منظمة اقتصادية بالأساس تُعنى بالتنمية والتكامل الاقتصادي بين دولها، فإنها أدركت منذ نشأتها عام 1996 أهمية الجانب السياسي والأمني؛ لأن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني بين دولها سيشجع عملية التنمية والتكامل الاقتصادي والعكس صحيح أيضا. وهي بذلك تتشابه في هذه الجزئية مع كل المنظمات الفرعية في إفريقيا التي بدأت اقتصادية، ثم اهتمت بالجوانب الأمنية ربما بصورة أكبر من اهتمامها الأساسي بالجوانب الاقتصادية (مثل منظمة الإيكواس في غرب إفريقيا، والسادك في الجنوب الإفريقي، والإيكاس في وسط إفريقيا...).

ولكي تنجح الإيجاد في ذلك كان لا بد من إقامة المؤسسات الأمنية التي تساعدها على تحقيق الاستقرار بين الدول الأعضاء، واعتمدت في ذلك -بالأساس- على أمرين هما:

1- إنشاء آلية للإنذار المبكر للصراعات، هدفها الأساسي رصد مكامن الصراع، والعمل على احتوائها قبل استفحالها، فضلا عن احتواء الصراعات الناشبة والحيلولة دون انتقالها من دولة لأخرى. ويتم ذلك من خلال إنشاء وحدات فرعية في الدول الأعضاء تكون مهمتها الأساسية جمع المعلومات عن مصادر التوتر في الدولة المعنية، وإرسال تقارير دورية لسكرتارية الإيجاد من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الشأن. لكن يلاحظ أن هذه الآلية لم تقم بدورها المطلوب في الأزمة الصومالية على اعتبار أن الصراع كان سابقًا على وجودها، فقد تمت الموافقة على البروتوكول الخاص بإنشاء آلية للإنذار المبكر للصراعات في قمة الإيجاد التاسعة بالخرطوم في 11 يناير 2002.

2- فرقة الانتشار السريع، وهي عبارة عن وحدات عسكرية ومدنية موجودة في أراضي الدول الأعضاء، وتكون جاهزة للانتشار السريع -في وقت محدد- لمواجهة أي صراع. وبالرغم من أن الإيجاد عقدت قمة خاصة (11 إبريل 2005) لمناقشة الجوانب الأمنية والسياسية لهذه الفرقة، وتم الاتفاق كذلك على ميزانيتها (تتكلف مليونين ونصف مليون دولار سنويا)، فإن عقبة التمويل، فضلا عن اختلاف مستوى التسليح بين الدول الأعضاء تعد من أبرز العقبات في هذا الشأن.

وقد بذلت الإيجاد جهودًا عدة -خاصة في المجال الدبلوماسي- لتسوية الصراع في الصومال، خاصة بعدما حرصت إثيوبيا وكينيا على الانفراد بعملية التسوية في إطار إفريقي- إفريقي، وتنحية الجهود العربية جانبا (المبادرة المصرية والليبية لتسوية الصراع). ويرجع ذلك إلى مصالح كلا الجانبين في وجود نظام صومالي موال لهما، حتى لا يطالب بإقليم الأوجادين المسلم الصومالي الذي تحتله إثيوبيا منذ عدة عقود، ونفس الأمر بالنسبة لاحتلال كينيا لإقليم النفد (N.F.D).

وكان من أبرز هذه الجهود ما يلي:

1- الإشراف على مؤتمر المصالحة الوطنية بمدينة الدوريت الكينية (15 أكتوبر 2002)، والذي أسفر عن توقيع اتفاق لوقف العداء بين الفرقاء الصوماليين.

2- الإشراف على صياغة الدستور الانتقالي (مايو 2004)، والذي تمخض عنه تشكيل البرلمان على أساس عشائري (أغسطس 2004)، والذي قام بدوره بانتخاب الرئيس عبد الله يوسف رئيسا للبلاد (أكتوبر 2004).

3- المطالبة بالتدخل الدولي من خلال الأمم المتحدة لتأمين الحكومة والبرلمان الجديدين، وعملية انتقالهما من كينيا إلى العاصمة مقديشو.

4- إلا أن التطور الأبرز في هذه الجهود تمثل في قرار قمة الإيجاد على هامش قمة الاتحاد الإفريقي بالعاصمة النيجيرية أبوجا (31 يناير 2005) بشأن ضرورة إرسال قوات حفظ سلام للصومال، حيث تعهدت كل من جيبوتي وأوغندا وإثيوبيا وكينيا والسودان بالمشاركة في دعم هذه القوات سواء من خلال إرسال قوات، أو تقديم الدعم العسكري لها. وفي اجتماع المجلس الوزاري للإيجاد (18 مارس 2005) تم إقرار خطة نشر هذه القوات، والتي نصت على أن يتم الانتشار على مرحلتين:

الأولى: تقضي بنشر وحدات من السودان وأوغندا، على أن تقوم باقي الدول بتقديم الدعم اللوجيستي لها.

الثانية: قيام باقي الدول بإرسال قوات لها، لحين وصول قوت الاتحاد الإفريقي بعد ذلك.

هل من تعاون عربي مع الإيجاد؟

لكن بالرغم من هذه الجهود التي قامت بها الإيجاد سواء فيما يتعلق بتشكيل الحكومة، أو الرغبة في إرسال قوات، فإنها لم تكلل بالنجاح؛ فالحكومة الانتقالية كانت موالية لإثيوبيا على طول الخط، حيث ضغطت إثيوبيا وكينيا على أطراف التفاوض في حينها لتشكيلها على النحو الذي كانت عليه، والذي أدى إلى دخول البلاد في حالة حرب جديدة كان قادتها هذه المرة هم أعضاء الحكومة ذاتها، والذين عرفوا باسم لوردات أو أمراء الحرب. ولعل هذا كان أحد أسباب بروز وانتشار المحاكم الإسلامية التي جعلت تحقيق الاستقرار والأمن أبرز مهامها، وهي المهام التي كان يفترض أن تقوم بها الحكومة الرسمية.

أيضا فإن اقتراح إرسال قوات تابعة للإيجاد للمساهمة في حفظ السلام جُوبِهَ بتحفظ كبير من قبل المحاكم بسبب عدم حياد هذه القوات؛ إذ إن السؤال البديهي هو: إذا كانت إثيوبيا دولة تنتهك سيادة الصومال من حين لآخر عبر تدخلها بقوات عسكرية لدعم الفصائل الموالية لها، فكيف بها إذا تدخلت هذه المرة في إطار شرعي متمثل في مظلة الإيجاد من ناحية، والتأييد الإفريقي (الاتحاد الإفريقي) والدولي (الأمم المتحدة) من ناحية أخرى.

ولعل هذا يفسر لماذا وصلت الأزمة بين المحاكم الإسلامية وبين كل من إثيوبيا والحكومة الانتقالية الصومالية إلى حد الحرب المفتوحة، ذلك أن المحاكم أعلنت أنها ستعتبر هذه القوات التي ستدخل تحت مظلة الإيجاد قوات غازية لا بد من محاربتها، وفي المقابل فإن إثيوبيا أصرت على ضرورة تدخل قواتها تحت مظلة الإيجاد، وهو الوضع الذي يكاد يشبه ما يحدث في أزمة دارفور، حيث تصر الولايات المتحدة على التدخل الدولي -الذي سيتيح لها إمكانية التدخل في أي وقت- في حين ترفض الحكومة السودانية انتشار هذه القوات، وهددت بمحاربتها أيضا.

وأمام هذه الوضعية لم يعد السؤال حول كيفية وقف القتال بين إثيوبيا والمحاكم، ولكن ما هو العمل لمنع استنزاف ما تبقى من الصومال الممزق داخليًّا، والحيلولة دون امتداد هذا الصراع ليشمل أطرافًا إقليمية أخرى في منطقة القرن الإفريقي، خاصة مع توقع استمرار أمد الحرب حتى وإن تمت السيطرة للقوات الإثيوبية ولأمراء الحرب على العاصمة الصومالية مرة أخرى؟.

لا شك أن ثمة مشكلات عديدة تواجه كافة المنظمات الفرعية والإقليمية (العربية والإفريقية) والدولية في عملية التدخل في الصراع، لكن هذا لا يمنع أن تقوم الدول العربية المعنية باستعادة نشاطها التفاوضي مع طرفي الأزمة الحالية، ولعله من خلال تعاون الدول العربية ممثلة بالجامعة العربية مع منظمة الإيجاد -التي تنتمي إليها إثيوبيا- ومع منظمة الوحدة الإفريقية يمكن أن يتشكل "ثلاثي" مقبول من الطرفين للوصول إلى تسوية ما. وفي هذا السياق يمكن الاتفاق على تدخل قوات إفريقية -من غير دول الجوار الصومالي- في الأزمة، مع ضرورة توفير كافة أشكال الدعم لها، سواء أكان دعما ماليا أو لوجيستيا.

كما يمكن أن تقوم الجامعة العربية بدور مكمل أيضا لهذا الدور، ولكن في الإطار السياسي، على اعتبار أن إرسال قوات عربية أمر مستبعد. ويمكن أن يكون الدور الأبرز داخل الجامعة للسودان باعتبارها دولة عضو في هذه المنظمات الثلاث.


** باحث دكتوراة في العلوم السياسية، معهد البحوث الإفريقية بجامعة القاهرة.

 
 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع