بريدك الالكتروني


English

 

السبت 15 رمضان1427 هـ - 07/10/2006 م

الصومال » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
أهم الأخبار

 

فشل أمريكا في القرن الإفريقي.. الصومال نموذجا

د. الخضر عبد الباقي محمد**  

برزت منطقة شرق إفريقيا مجددا على أجندة الاهتمام وأولويات الإدارة الأمريكية هذه المرة لأسباب ودوافع أكثر أهمية لدى إستراتيجية البيت الأبيض، حيث باتت دوائر الاشتباه والاتهام تتسع يوما بعد يوم منذ إعلان الولايات المتحدة الأمريكية لحربها ضد ما تصفه "الإرهاب".

وتأتي منطقة القرن الإفريقي من أبرز الجهات المرشحة للسجال الأمريكي ضد عناصر المجموعات الأصولية الإرهابية التي تهدد المصالح الأمريكية، وتزايدت المخاوف الأمريكية من الصومال بعد حادث تفجير السفارة الأمريكية في كل من دار السلام بتنزانيا ونيروبي بكينيا عام 1998، والذي اتهمت واشنطن حركة الاتحاد الإسلامي في الصومال بأنها العقل واليد الخفية وراء تلك العمليات. ومنذ تلك الفترة ظلت واشنطن تعمل على مراقبة الصومال عبر عدة إستراتيجيات وآليات وفق متغيرات المواقف وتطور الأحداث لمطاردة القوى الإسلامية في الصومال ومنطقة القرن الإفريقي بشكل عام.

وعلى ضوء مؤشرات الأحداث وتطورها في الصومال تصاعد النفوذ القوي للقوى الإسلامية مجددا (اتحاد المحاكم الإسلامية) خلال الأشهر القليلة الماضية، وانعكاسات تفاعلاتها مع القوى الوطنية الأخرى ذات المرجعية الغربية (زعماء الحرب) في تحديد مسار الأحداث ومجريات الأوضاع الداخلية خاصة على الساحة السياسية، بالإضافة للتعامل وردود الأطراف والدول الكبرى معها، كلها تطورات أكدت من جديد أن الحرب الأمريكية ضد الإرهاب تستهدف في المقام الأول حركات المد الإسلامي وتطويق مظاهر الصحوة والعودة نحو الأصالة الإسلامية.

الصومال والمد الإسلامي

يشكل المسلمون السنة من الشعب الصومالي الغالبية العظمى من السكان، وهم ينتمون إلى مذهب الإمام الشافعي، ويتسم المجتمع الصومالي بأنه خاضع للخطوط والقواسم القبلية، لذا؛ يغلب عليه طابع مجتمع متدين محافظ، ويتجذر الإسلام في عمق الحياة في الشارع الصومالي بقوة، منذ قديم الزمان ولا يزال حاضرا حتى الآن بنسب ومستويات عالية من خلال التعليم التقليدي الذي يقام في المساجد والزوايا ومدارس تحفيظ القرآن الكريم.

وقد تنامت مظاهر الصحوة الإسلامية والعودة إلى الالتزام الديني في الصومال في الآونة الأخيرة، حيث انتشرت ممارسة الشعائر الإسلامية وتعلم مبادئ الدين لدى فئات المجتمع المختلفة لا سيما الشباب، والموظفين والتجار ورجال الأعمال، وقد ساهمت الأوضاع السياسية التي تعيشها البلاد في تزايد الاحتماء والالتزام الديني خصوصا مع تدهور الأوضاع الأمنية وتصدي المجموعات الوطنية من ذوي الاتجاهات الإسلامية للقيام بأعمال رجال الأمن والتي استطاعت فرض سيطرتها وقوتها لضبط الوضع الأمني ولو بدرجات نسبية، علاوة على ذلك تنتشر في الصومال المحاكم الإسلامية الشرعية التي أصبحت هي الأخرى تمثل المرجعية الوطنية الدينية الوحيدة على الساحة بعد غياب الدولة المركزية وباتت تقوم بمهام فض النزاعات وتسوية الخلافات، وإجراء عقود الزواج والطلاق وغيرها. وتشهد الشوارع الصومالية العديد من مظاهر التفاعل الإيجابي مع قضايا العالم الإسلامي وفي مقدمتها القضايا العربية، فقد شهدت العاصمة مقديشو عددًا من المظاهرات الشعبية ولعدة أيام متتالية وفي كبريات المدن الصومالية الأخرى للاحتجاج على الحرب الأمريكية على العراق، وقام الصوماليون بصيام 7 أيام وقراءة صحيح الإمام البخاري لنصرة العراقيين حسب تقليد قديم معروف في الساحة الصومالية.

ويضاف إلى ذلك أنه في الوقت الذي تتزايد فيه حالة المد الإسلامي هناك محاولات صومالية جادة وحثيثة لمقاومة الضغوط والمخططات الأجنبية الغربية والأمريكية على وجه التحديد؛ فهناك حملات وطنية معلنة ضد المساعدات الأمريكية والغربية في مجال الخدمات الإنسانية والتي يصفها الصوماليون بأنها "غطاء لتنصير اللاجئين الصوماليين"، ويمثل السجال الطائفي أحد المحكات والاتهامات الموجهة ضد المجموعات والقوى الإسلامية الوطنية بوصفها حركة أصولية راديكالية متشددة تستخدم إرهاب الناس وإرغامهم وفرض اتجاه معين عليهم، خصوصا بشأن موقف رابطة علماء الصومال الرافض لقبول الأقلية المسيحية كجزء من نسيج المجتمع بوصفهم مرتدون يجب تطبيق أحكام الشريعة عليهم بإنزال عقوبة الإعدام فيهم حسب بيان الرابطة 17-2-2003.

هذه الأمور وغيرها من العوامل زادت من مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية إزاء تنامي قوة ونفوذ الجماعات الإسلامية واتحاد المحاكم الإسلامية، وتصعد من لهجاتها ضدها.

القرن الإفريقي وأجندة الحرب على الإرهاب

هناك حيثيات كثيرة واعتبارات عدة أدرجت منطقة القرن الإفريقي ضمن أولويات القوى الدولية الكبرى؛ نظرًا لارتباطها بالمصالح الحيوية لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وتكتسب هذه المنطقة التي تقع فيها الصومال أهمية إستراتيجية كون دولها تطل على المحيط الهندي من ناحية وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية، ومن ثم فإن دولها تتحكم في طريق التجارة العالمي خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى أنها تعد ممرًا مهمًّا لأي تحركات عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية في اتجاه منطقة الخليج العربي، كما تضيف هذه المنطقة لأهميتها اعتبارات أخرى في مجال الموارد الطبيعية، مثل البترول الذي اكتشف في بعض دولها.

وقد ازداد الاهتمام الأمريكي بالقارة الإفريقية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وإعلان الحرب وبرنامج مكافحة الإرهاب. واستقطبت الإدارة الأمريكية الحكومات والنظم الحاكمة في عدد من البلاد الإفريقية للوقوف معها في حملتها ضد ما أسمته "الإرهاب والأصولية الإسلامية". وقد كان التركيز الأمريكي كبيرًا جدًّا على دول منطقة شرق أفريقيا والقرن الإفريقي تحديدا؛ نظرا لما ذهبت إليه بعض التقارير الإستخباراتية من "أنه توجد في منطقة شرق أفريقيا خلايا مرتبطة بتنظيم القاعدة والتي تشكل مصدر تهديد للمصالح الأمريكية وأن حكومات تلك المنطقة على الرغم من تعاونها في تضييق الخناق على تلك الخلايا والتقليل من حجم مخاطرها، فإنها لا تزال نشطة وقادرة".

وقد اجتمعت الإدارة الأمريكية برؤساء معظم دول القرن الإفريقي الموالين لواشنطن لتضييق الخناق على الحركات الإسلامية والمد الأصولي، واستقبل بوش كلا من الرئيس الكيني (أرب موي) ورئيس الوزراء الأثيوبي (ملس زيناوي) والرئيس الجيبوتي (إسماعيل عمر غيلة) ثم الرئيس الإريتري (أسياسي أفورقي)، وأسفرت تلك اللقاءات عن تدشين إدارة الرئيس بوش لبرنامج عسكري جديد للعمل في المنطقة تحت مسمى "قوة العمل في القرن الإفريقي" تشارك فيها إحدى عشرة دولة إفريقية هي: مصر، وإثيوبيا، وإريتريا، وجيبوتي، وبورندي، والكونغو، وكينيا، وأوغندا، وتنزانيا، وسيشل، علاوة على ذلك فهناك قواعد عسكرية أمريكية أخرى في المنطقة مثل جيبوتي؛ فالقاعدة الموجودة هناك تتألف من جميع أفرع القوات المسلحة الأمريكية والمستخدمين المدنيين، فضلا عن ممثلين لجيوش الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة في حملتها ضد الإرهاب الدولي، وكان وزير الدفاع الأمريكي قد أعلن في زيارته لجيبوتي أن "الولايات المتحدة ستبقي انتشارها في جيبوتي لعدة أعوام؛ لأنها منطقة يوجد فيها الكثير من العمل". وقد تعرضت المنطقة لاعتداءات عدة حيث شنت مقاتلات أمريكية غارات جوية على جزر صومالية في يوليو من العام 2003 بزعم وجود إرهابيين فيها على الرغم من استنكار الحكومة الانتقالية الصومالية لهذا الهجوم، وكان رد قائد القوات الأمريكية في القرن الإفريقي هو: "إن القيام بأي عمليات لمكافحة الإرهاب في الصومال لا تستدعي الرجوع للمسئولين بالصومال، وإنه يتم الاكتفاء بالأوامر الصادرة من القيادة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية"!.

وقد تزايدت مخاوف أمريكا من الحركات الإسلامية في الصومال وضاعفت تركيزها على الجانب الأمني لحفظ مصالحها الإستراتيجية حيث تجوب سفنها في المحيط الهندي والبحر الأحمر لمراقبة السفن التجارية المتجهة إلى الصومال والقادمة منها، كما تحوم طائراتها الحربية فوق سمائها لاكتشاف ما يسمونه معسكرات تنظيم القاعدة المتسللين إلى القرن الإفريقي لتنفيذ عمليات إرهابية ضد المصالح الأمريكية، كما تعمل عناصر المخابرات الأمريكية لكشف معسكرات التدريب والمعاقل التابعة للجماعات الإسلامية. وقد تحددت مساعي الولايات المتحدة لمواجهة خطر الجماعات الإسلامية في الصومال في الآتي:

أولا: قطع أوصال وقنوات المساعدات الخارجية بطرد المنظمات والهيئات الإسلامية الخيرية العاملة في الصومال، مثل مؤسسة الحرمين الخيرية ومؤسسات خيرية إسلامية أخرى، بدعوى رعايتها وصلتها بتنظيمات إرهابية مشبوهة.

ثانيا: تكثيف المكاتب الأمنية في طول البلاد وعرضها ونشر عناصر المخابرات وتجنيد عشرات من المواطنين كجواسيس ومخبرين لتتبع أي تحركات ذات طابع إسلامي معاد لأمريكا، بالتعاون مع زعماء الميليشيات أصحاب المطارات الخاصة، كما تلجأ تلك المكاتب إلى استخدام وسيلة الاغتيال والتنكيل والمضايقة لعناصر الشباب.

ثالثا: تعزيز الخطة الأمنية مع دول الجوار المعادية للحركات الإسلامية (إريتريا وأثيوبيا وكينيا) بتنسيق أمني ومخابراتي مع كل من إريتريا وأثيوبيا، وقد عمل النظامان على توظيف هذا التطور والعرض الأمريكي المجاني لصالحهما ضد القوى المعارضة لا سيما الإسلامية منها؛ حيث إن القوى الإسلامية تمثل عمقا ثقافيا وتاريخيا في المجتمع الإريتري وكذلك المجتمع الإثيوبي. وقد حاول كلا النظامين ضرب الطوق عليها -أي الحركات الإسلامية- إقليميا ودوليا من خلال وسمها بتهمة الإرهاب، كما تشير تقارير أخرى إلى أن الساحل الكيني يخضع لمراقبة ثلاثية مشتركة من عناصر الاستخبارات الأمريكية والكينية والإسرائيلية!.

رابعا: فرض الحظر على حركة تحويل الأموال إلى الصومال وتجميد نشاطات المؤسسات المالية العاملة في الصومال ذات التوجه الإسلامي أو التي تتعاطف مع الجماعات الإسلامية مثل "مؤسسة التقوى" و"مؤسسة البركة الاقتصادية" التي جمد الغرب جميع أرصدتهما بتهمة مساندة الإرهاب، وكلاهما مؤسسة اقتصادية صومالية تُعنى بشئون تحويلات الصوماليين في الخارج إلى ذويهم.

خامسا: السعي الحثيث لنظام واشنطن بكل المحاولات والطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة الحصول على ضمانات كافية من رؤساء الفصائل والقوى المشاركة في المداولات والمناقشات الخاصة بمسألة المصالحة الصومالية تطمئنها على ضرب والقضاء على الجماعات الإسلامية في الصومال على الرغم من المجازفات والمخاطر التي تنطوي على القبول بتلك الضمانات.

وعلى الرغم من تلك المحاولات والإجراءات المعقدة التي فرضت على النشاطات ذات التوجه الإسلامي فقد شهدت الساحة الصومالية تزايدا كبيرا في نفوذ تلك الحركات؛ الأمر الذي فرض على الأمريكيين وحلفائهم الأمر الواقع، كما أثبتت التطورات الأخيرة وسيطرة اتحاد المحاكم الإسلامية على بعض المدن والمقاطعات، وباتت تمثل الرقم الصعب الذي يفرض وجوده على المعادلة الصومالية وعلى بقية الأطراف الإقليمية والدولية التي عليها القبول بهذا الواقع الجديد.

إن ما حدث بالصومال من صعود للقوى الإسلامية هو رد فعل طبيعي لفشل الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، ولسياساتها الجائرة في القرن الإفريقي والساحل، وبكل تأكيد فإن تحالفها مع بعض دول إفريقيا والساحل لم ولن يمنع ظهور تيارات إسلامية إن في الصومال أو في غيرها.


** كاتب وباحث أكاديمي نيجيري.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع