 |
|
المرأة الصومالية .. كفاح في الميدان التجاري والعسكري |
يمثل دور المرأة الصومالية محورا
حيويا في عمل المحاكم الإسلامية بشكل يفوق
كل التصورات المعهودة وفق الفرضيات
الفكرية التي رسمتها الصورة النمطية عند
البعض تجاه التيارات الإسلامية، ورؤية
بعض الإسلاميين حول المرأة ودورها في
المجتمع؛ حيث يتنوع عملها بين مجالات
متعددة ابتداء من جمع التبرعات والأموال
لدعم المحاكم إلى مزاحمة الرجال في
الميدان والمشاركة في المواجهات المسلحة.
ولقد برز العنصر النسوي في
المشاركة في المواجهات التي نشبت مطلع شهر
فبراير 2005 بين قوات التحالف من أجل إرساء
السلام ومكافحة الإرهاب، وبين قوات اتحاد
المحاكم الإسلامية عندما تأججت العاطفة
الإسلامية عند قطاعات واسعة من الشعب؛
لاعتقادهم أن الخطوة التي أقدم عليها
زعماء الحرب في تشكيلهم لهذا التحالف
وإعلانهم الصريح من أنهم عازمون على
اعتقال إسلاميين قالوا إن لهم صلات بتنظيم
القاعدة ما هي إلا خطوة نحو جرّ الصومال
لمزيد من الويلات التي يشهدها منذ 15 عاما
فائتة.
وكان الدور المحوري لانخراط
المرأة في معاونة اتحاد المحاكم
الإسلامية مرهونا بشكل أساسي بتلك
الوضعية أولا، وبدور المرأة العربية بشكل
عام في الصومال وفي العالم العربي ثانيا،
فالمجتمع الصومالي جزء لا يتجزأ من
المجتمعات العربية؛ حيث يتقاسم معها
كثيرا من العادات والتقاليد معظمها
مستنبطة من الدين الإسلامي الذي عرفه
الصوماليون منذ عهوده الأولى، وحملوا
لواءه إلى داخل القارة السمراء.
والمعروف أن الإسلام أعطى المرأة
حقوقها كاملة، ونهى بل وحارب كل العادات
السيئة التي تنقص آدميتها، وهو ما نالت
منه المرأة الصومالية منذ عقود.
وللعمل النسوي في الصومالي مزايا
كثيرة وسط المجتمع؛ حيث تقوم المرأة
بأدوار متعددة لها حيوية وفاعلية وغير
متقيدة كثيرًا بالعادات السالفة؛ فهي
تنخرط بشكل كامل في الحياة العامة.
ولا يعني ذلك أنه لا توجد لدى
المرأة الصومالية صعوبات وعوائق أمام
أداء دورها المجتمعي؛ حيث ما تزال تحاصرها
بعض من العادات القديمة، وتطاردها لعنة
العار في نظر البعض، ويختلف ذلك الأمر من
إقليم إلى آخر؛ فبعض القبائل ما تزال
تعتبر تعليم الفتاة غير ضروري؛ بل وغير
مباح لدى البعض الآخر، ولكن في أنحاء
متفرقة من البلاد ينظر لتعليم البنات
وعملهن على أنه شيء طبيعي.
المرأة الصومالية.. تجارية
ومناهضة
وتعاظم دور المرأة في الصومال
بشكل عام في أثناء الحرب الأهلية في
التسعينيات؛ حيث أجبرت ظروف الحياة
الصعبة معظمهن على أن تقوم مقام الرجل
بسبب فقدان أزواجهن في الحرب للحصول على
قوت عيالها اليومي، خاصة بعد انحسار تلك
العادات التي تهين عمل المرأة وسط الرجال.
وهذه الفرصة منحت كثيرا من النساء أن
يجمعن ثروة كبيرة؛ إذ تذكر إحصائيات صادرة
عن جهات متخصصة من بينها مركز التخطيط
الوطني التابع لكلية الاقتصاد والعلوم
الإدارية بجامعة مقديشو قبل عامين أن 80% من
التجارة الصومالية في الداخل وفي الخارج
تديرها نساء.
ولقد لوحظ الوجود النسائي في
الميدان وترددهن في معسكرات المحاكم
الإسلامية في الآونة الأخيرة؛ حيث رصدت
كاميرات الصحفيين بعضهن وهن يشاركن في
المواجهات بين قوات الاتحاد وقوات
التحالف، سواء قيامهن بأدوار طبية أو
خوضهن الصراع في الميدان مباشرة، حتى قتل
بعضهن في الصفوف الأمامية للقتال. وكانت
أول حادثة قتل فيها النساء في حي (سي سي) في
شمال مقديشو عندما أعلن "موسى يلحو"
أحد زعماء التحالف أن من بين الذين قتلوا
في المواجهات من طرف المحاكم نساء كن
يشاركن في الصراع الدائر، وهو المشهد الذي
تكرر في الميادين الأخرى من جبهات القتال
بين التحالف والمحاكم.
وعلى الرغم من مشاركة النساء في
المواجهات الأخيرة بشكل مباشر، فإن دور
المرأة كان أكثر بروزا في المجالات الأخرى
في دعم المحاكم الإسلامية؛ حيث كانت عملية
جمع التبرعات ودعم المحاكم ماليا من
النواحي الحيوية التي تجلت فيها قوة
المرأة الصومالية التي لها ثقل كبير
بالأساس في حركة التجارة وسوق المال في
البلاد خلال السنوات الطويلة التي كانت
تئن الصومال خلالها تحت وطأة الحروب
الأهلية.
هذا وكان الحضور الكبير للعنصر
النسوي لافتا في المظاهرات التي احتشدت في
مقديشو لتأييد المحاكم في حربها ضد
التحالف الذي تشكل من قبل أمراء الحرب
الذين تتهمهم معظم النساء الصوماليات
بأنهم تسببوا في قتل أزواجهن وإخوانهن، من
خلال قيادة الحروب طيلة فترة الأزمة؛ وهو
الشعور الذي يشاطرهن فيه كل صومالي ذاق
مرارة الحرب على يد زعماء الحرب.
المحاكم.. نظرة إيجابية
للمرأة
وعلى الرغم من أن المرأة
الصومالية زيها التقليدي محتشم بالأساس،
وأن الحجاب منتشر في البلاد بشكل ملحوظ،
فإن بعض الإسلاميين، ومن بينهم شخصيات من
قيادات المحاكم الحالية، يصدرون فتاوى
متشددة في كيفية الحجاب الإسلامي، بحيث
يعتبرون الاحتشام العادي القائم في
الساحة الصومالية جزءا من التبرج المذموم.
والمفارقة العجيبة هنا أن بعضا
من قيادات المحاكم الذين كان لهم مواقف
متشددة حول دور المرأة في المجتمع لا يجد
غضاضة أو على الأقل لا يمانع انخراط
النساء في عمل المحاكم والقيام بأدوار
متعددة في المرحلة الحالية. ولعل التنوع
الفكري الذي تتمتع به المحاكم ودور
الوطنيين البارز والقوي لا يعطي مجالا حتى
يفرض طرف من الأطراف أفكاره الفقهية على
الجميع.
والجدير بالذكر أن العرف
الصومالي يتسم عامة بالازدواجية فيما
يتعلق بالمرأة ودورها في المجتمع، فبينما
نجد أن المرأة الصومالية تستحوذ على مكانة
مرموقة في الحياة العامة كالتجارة
والتعليم والعمل بشكل عام، فإننا نجد من
ناحية أخرى أن الرجل الصومالي يشارك
نظراءه الرجال في بعض المجتمعات العربية
"النظرة الدونية للمرأة"، من حيث
إنها قاصرة العقل، وعدم ملاءمتها القيام
بمهام صعبة، وأن هناك أعمالا خاصة للرجال
وأخرى للنساء، فمثلا يعتقد البدوي
الصومالي أن رعي الجمال من عمل الرجال،
وأن رعي الغنم والماعز من عمل النساء، ولا
يناسب الرجل على الإطلاق.
وعلى العموم، فإنه بات واضحًا أن
الدور الفاعل للمرأة الصومالية في دعم
المحاكم يرسل إشارات إلى المجتمع الغربي
في تبديد مخاوفه من المحاكم؛ حيث يعطي
قطاعات في الغرب انطباعا إيجابيا في
نظرتهم إزاء بروز المحاكم وتنامي دور
الإسلاميين في الصومال؛ وهو ما عبرت عنه
بعض الأقلام في الصحف الأوروبية،
وتحديدًا بعض الصحف السويدية، وهي تدافع
عن المحاكم وتصف التغييرات التي حدثت في
الصومال مؤخرًا بأنها ثورة شعبية أعلنت
تمردها على الواقع الأليم؛ بل وأكثر من
ذلك تصف هذه الأقلام عملية صعود المحاكم
على المسرح بأنها فرصة ثمينة يجب
اغتنامها، مستبعدة تكرار سيناريو حركة
"طالبان" في الصومال، مستشهدة بذلك
الحضور النسوي البارز في المحاكم، ونظرة
قادتها الإيجابية للمرأة خلافا لوضع
المرأة الأفغانية إبان حكم طالبان في
أفغانستان.
|