English

 

12:30 مكة - الثلاثاء 24 جمادى الأولى 1427هـ - 20/06/2006 م

الصومال » المنطقة العربية » تحليلات وآراء
أرسل لصديق
روابط من إسلام أون لاين
 أهم الأخبار

 

بعد سيطرة المحاكم.. الحذر يحيط بالصومال*

هارون حسان**  ترجمة: مروة صبري

آلاف المؤيدين للمحاكم الإسلامية يتظاهرون ضد تدخل القوات الأجنبية بالصومال

نجح اتحاد المحاكم الإسلامية في أن يثبت وجوده على الساحة الصومالية كواحد من القوى الكبرى في الصراع السياسي الدائر داخل الصومال منذ ما يزيد عن 15 عاما؛ إذ إن هذه هي المرة الأولى منذ سقوط الحكومة السابقة عام 1991 التي تصبح فيها العاصمة مقديشو بأكملها تحت سيطرة فرقة واحدة خاصة، وأن قوات المحاكم الإسلامية مستمرة في القضاء على ما تبقى من جيوب صغيرة موالية للوردات الحرب، ليبدأ العمل في إرساء قواعد حكومة جديدة.

ولم يكن يلقي غالبية المراقبين بالا للمحاكم عندما بدأت جولات القتال في فبراير 2006، باعتبار أنها تواجه مجموعة من لوردات الحرب أطلقوا على أنفسهم "التحالف من أجل إرساء السلم ومكافحة الإرهاب"، ويتلقون دعما ماليا من الولايات المتحدة، لكن اتحاد المحاكم الذي يحظى بتأييد الكثير من المواطنين الصوماليين العاديين سيطروا على المناطق واحدة تلو الأخرى بصورة تجاوزت حتى توقعاتهم الذاتية، وتمثلت ذروة إنجازاتهم في الاستيلاء على المبنى الذي شهد تشكيل "تحالف مكافحة الإرهاب"، وإقامة محكمة إسلامية هناك.

وفي إطار ذلك، ألحقت قوات المحاكم الإسلامية الهزيمة ببعض أبرز لوردات الحرب الصوماليين، ومنهم "محمد قنيار عفره" الذي كان يعد فيما مضى أقوى ثاني قائد بين لوردات الحرب داخل العاصمة، وقد فر إلى مدينة "جوهر" الواقعة على بعد 90 كيلومترا شمال العاصمة.

انتصار المحاكم والرد الأمريكي الحذر

أثار انتصار الحركة الإسلامية بالصومال على مدار الأسابيع الماضية ردود أفعال قوية داخل وخارج البلاد، ورغم أن المحاكم حظيت بتأييد شعبي واسع النطاق من جانب الصوماليين، فإن الحكومة الأمريكية لديها تحفظات شديدة، فبعد أيام قلائل من التقدم الذي أحرزته قوات المحاكم، أعلنت إدارة "بوش" أنها ستعقد اجتماعا دوليا لمناقشة التطورات السياسية بالصومال.

وصرح "سيان مكورماك"، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أن الوقت أصبح ملائما لتشكيل ما أسماه "مجموعة اتصال دولية" لتعزيز وتنسيق العمل الرامي لدعم المؤسسات الفيدرالية بالصومال (مشيرا بذلك إلى الحكومة التي يترأسها الرئيس المؤقت عبد الله يوسف أحمد).

وقد أعلنت الولايات المتحدة أن مجموعة الاتصال هذه ستكون مفتوحة أمام جميع الأطراف المعنية من حكومات ومنظمات دولية، وربما الأمم المتحدة إن رغبت في ذلك. وبالفعل فقد عقد أول اجتماع لهذه المجموعة يوم 15 يونيو 2006 -بعد كتابة هذا المقال- وشاركت فيه خمس دول هي: بريطانيا والنرويج والسويد وإيطاليا وتنزانيا، وبرئاسة "جنداي فريزر" مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون الأفريقية.

والملاحظ هنا أن هذا المقترح الأمريكي يعد مؤشرا على أن القلق والاضطراب الذي أصاب المحللين الأمريكيين فور سيطرة المحاكم على مقاليد الحكم بالصومال قد حل محله الآن رد فعل أكثر اتزانا؛ فالولايات المتحدة وعملاؤها من لوردات الحرب في الصومال قد سبق وأن اتهموا المحاكم الإسلامية بإيواء إرهابيين أجانب، دون تقديم المزيد من التفاصيل أو الأدلة حول هذا الأمر، بينما نفت المحاكم من جانبها هذا الادعاء. والولايات المتحدة كانت ولا تزال تشعر بالقلق حيال إمكانية ظهور حركة إسلامية قوية داخل الصومال، ففي أعقاب المكاسب التي حققتها قوات المحاكم في مقديشو، أعلن الرئيس بوش "أنه لا يود أن يرى تحول الصومال إلى ملاذ آمن للإرهابيين".

وفي الوقت ذاته، مد "اتحاد المحاكم الإسلامية" يد الصداقة سريعا إلى الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة؛ حيث أشار خطاب موقع باسم الشيخ "شريف شيخ محمد" رئيس المحاكم الإسلامية إلى رغبة المحاكم في وضع نهاية لإراقة الدماء بالعاصمة والشروع في إعادة بناء البلاد، كما رفض زعيم المحاكم أي ادعاءات بإيواء الحركة الإسلامية الجديدة بالبلاد للإرهابيين سواء من الصوماليين أو الأجانب، وأعلن أنه لن يرفض قيام صحفيين أو أي أطراف معنية أخرى بزيارة مقديشو لمعاينة الأوضاع بأنفسهم.

المحاكم الإسلامية والداخل الصومالي

تواجه القوة الجديدة الصاعدة بالصومال تحديين هائلين: أولهما إمكانية أن تنشأ عقبة رئيسية من حقيقة أن التقدم الكبير الذي أحرزته المحاكم الإسلامية جاء في فترة زمنية قصيرة للغاية، وربما لم يكن قادتها أنفسهم على استعداد للتكيف مع السرعة التي أحرز بها هذا التقدم. وثانيهما أن نظام المحاكم يتداخل مع نظام العشائر المعقد بالصومال؛ الأمر الذي يعني أن العلماء الذين يقودون المحاكم توجد خلافات بينهم حول التوجه السياسي الذي ينبغي على البلاد أن تنتهجه.

ومن المعتقد أن رئيس المحاكم "شيخ شريف شيخ أحمد" أكثر إنصافا من زملائه، وأنه يحبذ فكرة ضرورة أن تعمل المحاكم الجديدة جنبا إلى جنب مع الحكومة القائمة في الصومال في "بيداوا". وبالفعل فقد عرض "شيخ أحمد" التفاوض مع الحكومة المؤقتة، وبدأ حوارا بين الحكومة والمحاكم، لكنه سرعان ما توقف بعد إعلان نية الحكومة عزمها على تمرير قانون يسمح بدخول قوات أجنبية للصومال؛ لينتقل الحوار إلى جدل وسجال عنيف بين الطرفين.

ومن المعروف كذلك أن واحدا من زملاء "شيخ أحمد" على الأقل يختلف معه في الرأي بشأن كيفية التعامل مع الحكومة المؤقتة؛ حيث يعارض أحد الزعماء البارزين للمحاكم الإسلامية وهو "حسن ظاهر أويس" بشدة الحكومة المؤقتة، ويضمر كراهية شديدة للرئيس المؤقت "عبد الله يوسف". وتعود جذور هذه الكراهية إلى عام 1992 عندما نجح "يوسف" في هزيمة حملة مسلحة ضد "حركة الاتحاد" الذي شغل فيها حسن ظاهر منصب قائد الجناح العسكري، وتعتبرها الولايات المتحدة منظمة إرهابية.

ويحمل العقيد حسن ظاهر دائما خطة أكثر طموحا للصومال تتضمن تطبيق الشريعة الإسلامية بصورة مباشرة وبدرجة أكبر؛ ففي لقاء أجري معه في أغسطس 2005 قال ظاهر: "إنه يرغب في إقامة حكومة إسلامية بالصومال وأي مكان آخر سيكون من الملائم إقامة الحكم الإسلامي به، لكن الغرب يعادي الإسلام، ويحاول منعنا من أن نحكم أنفسنا استنادا إلى الإسلام.. وفيما وراء الصومال نود أن نرى الإسلام يقود ليس فقط أفريقيا وإنما مختلف أنحاء العالم.. سوف ندرس احتمالات ذلك، ولكن ليس أمامنا نموذج بعينه سواء الخاص بـ"حسن الترابي" (الزعيم الروحي الإسلامي السوداني) أو غيره... نحن فقط نود أن يحكم الإسلام بلادنا وشعبنا، ونرغب من الدول الأخرى والعالم دعمنا لتحقيق ذلك".

وفي سؤال له حول إذا ما كان رجل سلام، أجاب: إذا كان طريق السلام يخدم تحقيق هذا الهدف بصورة كبرى فسوف نتخذه، أما إذا كان طريق القتال سيخدم الهدف أكثر فسوف ننتهجه.

لكن "شيخ أحمد" أعلن في أعقاب التقدم الأخير الذي أحرزته المحاكم أن اتحاد المحاكم لن يجبر أي شخص على الخضوع للشريعة، وأن الصوماليين لهم الحق في تقرير هذا الأمر، وحث العالم على تفهم أن ما حدث في مقديشو هو انتفاضة شعبية يجب احترامها على هذا الأساس.

حذر بالداخل والمحيط الإقليمي

يواجه اتحاد المحاكم داخل الصومال العديد من العقبات التي ينبغي أن يتغلب عليها خاصة كبار زعماء العشائر والسياسات القائمة على العشائرية..

أولا: لا يزال هناك عدد من زعماء العشائر يقفون بين قادة المحاكم ولوردات الحرب. ويعتقد قادة المحاكم أنه كان في إمكانهم اكتساح لوردات الحرب وطردهم من مقديشو سريعا لولا تدخل زعماء العشائر الذين أعاقوا ذلك من خلال إقناعهم المحاكم بوقف إطلاق النار، بينما جرى التفاوض حول استسلام اثنين من لوردات الحرب، ويرى قادة المحاكم أن هذا الإجراء تسبب في فقدانهم الزخم الذي كانوا يتمتعون به، وأنه كلما زاد أمد استمرار تواجد لوردات الحرب المتبقيين بالمناطق التي ما زالوا يسيطرون عليها، كلما زادت فرصة أن يعيدوا توحيد وتدعيم صفوفهم.

ثانيا: ربما تتحول السياسات القائمة على العشائرية إلى عقبة كبرى. جدير بالذكر أن الميليشيات التابعة للمحاكم تنتمي لأكثر من عشيرة، في الوقت ذاته فإن زعماء العشائر لا يعنيهم سوى أبناء عشيرتهم ويخشون من أنه في حالة تسليم لوردات الحرب لأسلحتهم، فإنها ستسقط حينئذ في يد عشائر معادية. وليس بمقدور المحاكم تقديم ضمانات بعدم حدوث ذلك؛ لأنها هي نفسها ما تزال تعتمد على نظام العشائر.

ورغم تلك العقبات لا يزال من الممكن أن تنجح المحاكم في إيجاد حلول لمشكلات مقديشو؛ لأن أي فشل من جانبها في إحداث تغييرات مهمة داخل العاصمة مثل إزالة نقاط التفتيش وفتح المواني الجوية والبحرية سيكون من شأنه إثارة الشكوك داخل نفوس باقي أبناء المجتمع الصومالي حول أن المحاكم في طريقها للتحول إلى مجرد "فرقة أخرى" من بين الفرق الكثيرة داخل البلاد.

من ناحية أخرى، تلقت المحاكم بالفعل دعما غير مباشر وكبيرا من كينيا المجاورة بعد منعها للوردات الحرب الفارين من الصومال الدخول إلى أراضيها. ومن المعروف أن كينيا شكلت ملاذا للسياسيين الصوماليين على مدار سنوات عديدة إلى جانب عشرات الآلاف من اللاجئين الصوماليين.

وقد قامت السلطات الكينية بإلقاء القبض على وترحيل رجل أعمال ثري يدعى "عبد الرشيد القيطي" كان يدعم لوردات الحرب المتورطين في القتال الأخير الذي شهدته مقديشو. وقد توجه "القيطي" إلى دولة الإمارات؛ حيث توجد مصالح تجارية له، ولم تكتف كينيا بذلك بل دعت الدول الأخرى لوقف إيوائها للوردات الحرب الصوماليين الذين فشلوا في التعاون مع الحكومة الصومالية الحالية.

لكن عدم توافر جبهة موحدة على صعيد المجتمع الدولي ما زال عائقا كبيرا أمام العملية السياسية بالصومال؛ إذ من المعتقد أن كلا من إيطاليا واليمن ومصر وإريتريا وجيبوتي تدعم فرق صومالية متنوعة، كما شكلت الحكومة الإثيوبية دوما عاملا مهما بتأييدها "عبد الله يوسف" كبير لوردات الحرب بالصومال، وتعد الصلات الوثيقة التي تربط "يوسف" بإثيوبيا أحد الأسباب وراء فشله في نقل الحكومة إلى العاصمة، وهو ما كلفه فقدان قدر كبير من الدعم في منطقة الجنوب.

هل تحاور أمريكا المحاكم؟

وخلاصة الأمر، إن النجاح غير المتوقع، ولو من الناحية الزمنية، للقوات التابعة للمحاكم الإسلامية بالصومال قد جعل الحذر في اتخاذ ردود أفعال على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية هو سيد الموقف حتى بالنسبة للولايات المتحدة ذاتها.

رد الفعل الأمريكي الحذر إزاء التطورات في مقديشو كان بالتالي مصدرا للشعور بالارتياح على المدى القصير على الأقل بالنسبة للمحاكم الإسلامية، فالولايات المتحدة التي لا تزال تطاردها أشباح فشل تدخلها في البلاد في أوائل عقد التسعينيات، ولا يوجد تمثيل رسمي لها بالصومال منذ عام 1994، أعلنت أنها ستدرس ما جاء في خطاب قائد المحاكم الإسلامية أولا قبل اتخاذ استجابة رسمية حيال التطورات الأخيرة بالبلاد. ويعتبر هذا مؤشرا آخر على حدوث تقدم ينبئ بأن واشنطن من المحتمل أن تتحلى بقدر بالغ من الحرص بشأن اختيارها للجانب الذي ستدعمه داخل الصومال خلال الشهور القادمة.


*مقال نشر على موقع OpenDemocracy يوم 13 يونيو 2006 تحت عنوان "القيادة الإسلامية الجديدة للصومال".

**صحفي صومالي عمل بوكالة أسوشيتدبرس، ومراسل بي بي سي بالصومال.

 
 

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع